الإسراء والمعراج آيات ودروس
الإسراء والمعراج آيات ودروس/ خالد اعليوات
الإسراء والمعراج آيات ودروس
بقلم: خالد اعليوات
مقدمة
فضَّل اللهُ سبحانه بعضَ الأيام على بعض، وبعضَ الشهور على غيرها؛ ففضَّل يومَ الجمعة على سائر أيام الأسبوع، وشهرَ رمضان على بقية شهور السنة، كما خصَّ أيّامًا ولياليَ أخرى بمزيد من الفضل، كالعيدين، وليلة القدر، ويوم عرفة، وعشر ذي الحجة.
وهذه الأيام والليالي الفاضلة نفحاتٌ ربانية يمنّ الله بها على عباده، تُكفَّر فيها السيئات؛ فالجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان، كفّارة لما بينهما من الذنوب إذا اجتُنبت الكبائر. وهي مواسمُ تتضاعف فيها الحسنات، رحمةً من الله بهذه الأمة التي تتراوح أعمارُها بين الستين والسبعين.
وإنَّ الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نتذكَّر ونُذكِّر، فقال جلَّ شأنه في سورة الذاريات: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، كما خصَّ سبحانه التذكير بالأيام الفاضلة فقال في سورة إبراهيم: ﴿وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾. ومع اقتراب أواخر شهر رجب، يحسُن بنا أن نقف وقفةَ تدبُّرٍ مع بعض آيات الله تعالى في ليلة الإسراء والمعراج المباركة، التي أَنزلَ فيها سبحانه قرآنًا يُتلى إلى يوم الدين. قال الله عز وجل في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. كما يجدر بنا أن نجتهد في استنباط دروسٍ تكون لنا عونًا في شهر الصيام، بل مبراصا لحياتنا كلِّها.
آيات الإسراء والمعراج
نعم، لقد شَرّف الله نبينا محمد ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج بمشاهدة آياتٍ عظيمة، تقف العقول أمامها عاجزةً مستسلمة، وتخشع لها القلوب. من تلك الآيات ما يلي:
حفل تشريع الصلوات الخمس
الصلاة عمود الدين وقرّة عين سيد المرسلين، بصلاحها يصلح كل عمل، وبفسادها يفسد كل أمر. هي معراج العبد إلى درجات القرب من الله عزّ وجل، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. كما أنّها بلسم يريح النفس من ضيق الدنيا وهمومها.
ولما كانت الصلاة بهذا المقام وأكثر، حظي تشريعها بتكريمٍ خاص؛ إذ جاءت فريضة الصلوات الخمس تتويجًا لرحلةٍ مباركة لنبينا محمد ﷺ، انطلقت من المسجد الحرام، مرورًا بالمسجد الأقصى، ثم استُفتِحت له السموات السبع حتى بلغَ سدرة المنتهى.
رحلة طويت فيها المسافات طيًّا، وفي ليلة مباركة اتسعت لأعمال لا يمكن إنجازها في العمر كله، ولو طال. ثم إن نبينا تلقى هدية الصلاة مباشرةً دون واسطة، وإن كان هذا لا ينقص من قدر أمين الوحي سيدنا جبريل عليه السلام، بل يرفع من شأن الصلاة ويظهر علوّ منزلتها في دين الله عزّ وجلّ.
وقد فُرضت الصلاة في بدايتها خمسين صلاة، ثم خُفِّفت رحمةً بهذه الأمة إلى خمس صلوات، وذلك بعد حوارٍ نصح فيه سيدُنا موسى عليه السلام ـ عن تجربةٍ سابقة ـ سيدَنا رسولَ الله ﷺ أن يعود إلى ربّه يسأله التخفيف؛ إذ علم أن الأمة لا تطيق ذلك.
إطلاع النبي على بعض الغيب وأدبه ﷺ عند ذلك
السمعيات هي الحقائق الغيبية التي لا تُدرَك بالبصر، ولا يستطيع العقل تخيُّلها لعدم وجود نظيرٍ لها في عالمنا الدنيوي، ولا سبيل إلى الإيمان بها إلا عن طريق سماع الخبر اليقيني. ومن أمثلة السمعيات: الجنة، والنار، والملائكة، وغيرها من أمور الغيب.
وقد كُشف الحجاب عن كثيرٍ من هذه الغيبيات لنبينا محمد ﷺ في ليلة الإسراء والمعراج، فشاهد منها ما شاء الله له أن يشاهد. فقد رأى ﷺ البيت المعمور، وهو بيتٌ في السماء يقابل الكعبة في الأرض، ورأى سدرة المنتهى، وهي شجرة عظيمة في السماء السابعة ـ وقيل: فوقها ـ وظَهَرَ له أمين الوحي جبريل عليه السلام بهيأتِهِ الأصليةِ وله سِتُّمائةِ جناحٍ، كما رأى أقوامًا يتنعّمون في الجنة، وآخرين يُعذَّبون في النار.
عندما يتحدث سادتنا العلماء عن أدبه ﷺ في هذه الليلة العظيمة، يستحضرون قول الله تعالى في سورة النجم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾. نعم، ما زاغ بصره صلى الله عليه وسلم، فلم يلتفت إلى ما شاهده من المعجزات والخوارق، ولا إلى مخلوقات عالم الغيب، بل بقي مستقيم السر، ثابت التوجّه إلى الله سبحانه.
وبهذا الأدب الرفيع يوصي العارفون بالله، إذ قال قائلهم: «كن صاحب الاستقامة، لا طالب الكرامة».
وأما قوله تعالى: ﴿وما طغى﴾ فله معانٍ عدة؛ منها أنه صلى الله عليه وسلم لم يطغَ بما أُعطي، وحاشاه ذلك، إذ لم يكن ينسب فضلًا إلى نفسه قط، بل يرى كل ما فيه من نعمة وفضل من الله تعالى. ومن معانيها أيضًا أنه لم يطغَ بمطالب زائدة، بل سلَّم الأمر كله لله، ورضي باختياره وتدبيره.
وإذا تأملتَ ـ أخي الكريم، وأنتِ أختي الفاضلة ـ حادثةَ الإسراء والمعراج، وجدتُما أنه صلى الله عليه وسلم لم يسأل ربَّه إلا طلبًا واحدًا، وهو تخفيفُ عددِ الصلوات، رحمةً بأمته، وحتى هذا الطلب كان بإشارةٍ من سيدنا موسى عليه السلام.
وقد أراه الله تعالى كذالك هذه الغيبيات ليُثبّت فؤاده، وتطمئن به نفسه، وليُخبر الأمة عمّا رآه، فليس من رأى كمن سمع. وإن كشف الغيبيات في ليلة الإسراء والمعراج حُجّة على أن الله سبحانه وتعالى قادر على كشفها متى شاء، ولمن يريد، وللحكمة التي يعلمها سبحانه.
لا تمنع الصلةَ برازخُ الموت
التقى نبينا محمد ﷺ، وهو يومئذٍ من أهل الدنيا، بالأنبياء والرسل الذين انتقلوا إلى الرفيق الأعلى واستقروا في عالم البرزخ. وقد انكشف في تلك الليلة حجابُ الموت الذي يفصل عادةً بين عالمنا هذا وعالم البرزخ، فتمّت الصلة ووقع اللقاء. فأمَّ ﷺ الأنبياء والمرسلين في المسجد الأقصى، وسلّم في معراجه على أنبياء الله: آدم، وإدريس، وهارون، وإبراهيم عليهم السلام، وجرى بينه وبين كليم الله موسى عليه السلام حوارًا طويلاً.
وقد اصطلح علماؤنا على تسمية خرقِ العادة معجزةً إذا أُجري على يد الأنبياء وكان مقرونًا بالتحدي، وكرامةً إذا أُجري على أيدي غيرهم. فالنار من شأنها الإحراق، غير أن خاصية الإحراق تعطلت بأمره تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾.
والعادةُ المقصودة هنا هي حجابُ الموت الذي يفصل بين عالم الدنيا وعالم البرزخ، وقد خُرقت هذه العادة بلقاء رسول الله ﷺ بالأنبياء والمرسلين على النحو الذي سبق ذكره.
الإسراء والمعراج وعلو بني إسرائيل
قابل كتابُ الله عزّ وجلّ، في مطلع سورة الإسراء وفي سياقٍ واحد، بين الإسراء والمعراج بما حملاه من علوّ شرف ومنزلة لنبيّنا محمد ﷺ، الذي صلّى بالأنبياء والمرسلين إمامًا فكان خاتمهم وإمامهم، وما يترتّب عن ذلك من علوّ شرف ومنزلة لأمّته بانتسابها إليه، وبين علوِّ بني إسرائيل، وهو علوٌّ كبير أيضًا، غير أنّه علوٌّ اقترن بالطغيان والفساد في الأرض. فجاءت المقابلة بديعة بين علوٍّ قائمٍ على الهداية والرحمة، وعلوٍّ قائمٍ على الاستكبار والشرّ.
وفي السياق ذاته، يرد ذكر المسجد الأقصى بوصفه رمزًا لعلوّ الهداية في مواجهة علوّ الفساد، هذه الرمزية يجسِّدها كتابُ الله المنظور ـ أي الكون والواقع ـ إذ يقع المسجد الأقصى في قلب المواجهة مع المشروع الصهيوني الساعي إلى تقويضه وبناء الهيكل المزعوم. وهكذا يظلّ المسجد الأقصى محورًا في الكتابين معا المقروء والمنظور، ليغدو هذا التطابق وجهًا جديدًا من وجوه الإعجاز المتجدِّد للقرآن الكريم.
ثم إن الله سبحانه وتعالى الذي تحدث عن علو بني إسرائيل مرتين، وقد تحقق علوهم الثاني في زماننا هذا، وأخبر أنهم سيفسدون في الأرض، وقد ظهر إفسادهم للعالمين على المباشر في غزة، هو سبحانه من أخبر أن الكَرَّة ستكون عليهم.
ولمن نسي فساد الصهاينة في غزة، أذكّره بإثنتين:
ما زال العالم يتذكر بأسى حجم الدمار الذي لحق بمدينة هيروشيما جراء القنبلة النووية التي ألقيت عليها، ولك أن تتخيل حجم الدمار الذي وقع في غزة ، إذ إن القصف عليها يعادل نحو ثمانية أضعاف القنبلة النووية في هيروشيما. أما المعلومة الثانية التي أحب أن أشاركها فهي شهادة الناشطة البريطانية من أسطول الصمود، سارة ويلكنسون، التي أمضت ثلاث ليالٍ فقط في سجون الاحتلال، كانت كافية لتخرج بقناعة عبرت عنها بقولها: «الإسرائيليون ليسوا بشرًا مثلنا؛ صحيح أن لهم أيادي ووجوه، لكنهم ليسوا منا… إنهم وحوش».
رجاؤنا في الله أن يكون ما يتعرّض له إخواننا في أكناف المسجد الأقصى غُمّةً عابرة، تكون سببًا في بعث هذه الأمة من جديد، ثم تزول بإذنه سبحانه وتعالى.
الإسراء والمعراج والاستعداد لرمضان
يرفع المؤمن وتيرة الاستعداد لشهر رمضان في شهرَيْ البركة، رجب وشعبان، وتأتي ليلة الإسراء والمعراج محطة أساسيةً للتزوّد بالمعاني القلبية العميقة التي تعين على استقبال الشهر الكريم استقبالًا يليق بمكانته.
يتأسى المؤمن النجيب بأدب وحال رسول الله في الإسراء والمعراج، الذي لم يزغ بصره ولم يطغى، فيعرض في شهر الصيام عن الأعراض من تقاليد وعادات، ويعرض عما لاينفعه، ويركز مستعينا بالله وقوته على البرنامج والأهداف التي حددها بداية لهذا الشهر الكريم.
ويستفيد المؤمن من هذه الليلة كذلك أن قدرةَ الله لا حدَّ لها، وأن عطاءه عظيم، فيستقبل شهرَ رمضان خاضعًا متذلّلًا لقدرته، راجيًا مغفرته وعتقه، طامعًا في رحمته، سائلاً اللهَ تعالى أن يرزقه توبةً صادقةً تقلبُ دولتَه، وتنقله من زمن العادة إلى زمن العبادة.
أما درسُ البركة في الوقت، المستفادُ من توفيق الله تعالى لرسوله الكريم ﷺ للقيام في هذه الليلة المباركة بأعمالٍ جليلةٍ لا يتّسع لها الزمنُ المعتاد، فيُلهم المؤمنَ بأن الله سبحانه قادرٌ على أن يبارك له في وقته، فيُعينه على إنجاز برنامجه المكثّف الذي يجمع بين الصيام والقيام، والأذكار، وصلة الأرحام، وإطعام الطعام، وقراءة القرآن ومراجعته، وسائر القُرُبات.
والحمد لله رب العالمين.