منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الإسراء والمعراج؛ دروس وعبر

الإسراء والمعراج؛ دروس وعبر/ عبد الحق المرابط

0

الإسراء والمعراج؛ دروس وعبر

بقلم: عبد الحق المرابط

تعرض الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في الفترة المكية لصنوف من الأذى والتعذيب، وكان من أشدها إيلاما؛ الحصار الذي تعرضوا له، حيث “أجمع المشركون أمرهم وقرروا مقاطعة الرسول صلى الله عليه وسلم وبني هاشم وبني المطلب، واتفقوا “على أن لا يُنكحوا إليهم ولا يُنكحوهم، ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم؛ فلما اجتمعوا لذلك كتبوه في صحيفة، ثم تعادوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم”[1]، فجوعت قريش المسلمين ومن دخل معهم، متخذين الطعام سلاحا لإرغامهم على ترك دينهم بعدما لم يجد الضرب والقمع.

وبعد تعنت قريش واشتداد أذاهم، فكر النبي صلى الله عليه وسلم في مكان بديل لمكة، ف”توجه إلى الطائف لعله يجد في ثقيف حسن الإصغاء لدعوته والانتصار لها، ولكنهم ردوه ردا غير جميل، وأغروا به صبيانهم فقذفوه بالحجارة حتى سال الدم من قدميه الطاهرتين”[2]، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “يَا رَسولَ اللهِ، هلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أَشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ فَقالَ: لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ وَكانَ أَشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يَالِيلَ بنِ عبدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ علَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلَّا بقَرْنِ الثَّعَالِبِ”[3] ثم التجأ إلى بستان من بساتين الطائف، وتوجه إلى الله بهذا الدعاء الخاشع: « اللَّهمّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ»[4].

في هذه الفترة التي وصلت فيها الدعوة الإسلامية إلى أشد مراحل ضعفها، وفقدت فيها النصير والمعين، جاءت الرحلة العظمى، حيث طوى النبي صلى الله عليه وسلم المسافة بين مكة وبيت المقدس، وبين السماء والأرض في لحظات، لكي يبين الله سبحانه وتعالى لنبيه أنه معه، وأنه ناصر دعوته، ومنجز وعده، “فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى جبريل عليه السلام معه حتى انتهى به إلى بيت المقدس، فوجد فيه إبراهيم وموسى وعيسى في نفر من الأنبياء فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ثم أتي بإناءين في أحدهما، خمر وفي الآخر لبن . قال فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء اللبن فشرب منه وترك إناء الخمر. قال فقال له جبريل هديت للفطرة وهديت أمتك يا محمد، وحرمت عليكم الخمر”[5]، قال تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء: 1).

 ثم عرج به إلى السماوات العلى، حيث وصل إلى مكان لم يصله قبله ولا بعده ملك مقرب ولا نبي مرسل، ليريه ربه من آياته الكبرى، قال تعالى: {مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ} (النجم: من الآية: 11 إلى 18) وهنالك فرض الله عليه الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: “ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة. فنزلت إلى موسى صلى الله عليه وسلم. فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك. فاسأله التخفيف. فإن أمتك لا يطيقون ذلك. فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم (…)، فلم أزل أرجع بين ربي تبارك وتعالى وبين موسى عليه السلام حتى قال: يا محمد! إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة. لكل صلاة عشر. فذلك خمسون صلاة”[6].

فعاد إلى بيته في مكة المكرمة. فأصبح يحدث الناس بما رأى، “فقال أكثر الناس: هذا والله الإمر البين، والله إن العير لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة، وشهرا مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة، ويرجع إلى مكة؟”[7] فوجدتها قريش فرصة سانحة حتى تثبت بطلان دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، “فارتد كثير ممن كان أسلم”[8]، وذهبت قريش إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لعله يحذوا حذو من ارتد من ضعيفي الإيمان، لكنه فاجأهم رضي الله عنه بكلمته التي خلدها التاريخ “لئن قال ذلك لقد صدق”[9].

“وكان في مسراه، وما ذكر عنه بلاء وتمحيص، وأمر من أمر الله (عز وجل) في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن وصدق”[10]، ويمكن أن نجمل بعض هذه الدروس والعبر من القصة، لأن الغرض ليس هو السرد التاريخي لحادثة الإسراء والمعراج، إنما هو البحث عن الدروس والعبر والعظات التي تنير طريقنا.

  • الفرج يأتي بعد بذل الجهد وطرق الأبواب، فلم تأت رحلة الإسراء والمعراج في بداية الدعوة، ولا في بداية الاضطهاد، لكن جاءت بعدما فقد النبي صلى الله عليه وسلم النصير والمعين، وبعدما بذل كل ما فيه وسعه لتبليغ الدعوة.
  • ربط المسجد الأقصى بالمسجد الحرام، وهذا تذكير بأهمية المسجد الأقصى، وعدم التفريط فيه حتى في أشد مراحل الضعف والهوان، فجعْلُ بيت المقدس قبلة المسلمين الأولى، فيه إشارة للأمة لتجعله أولويتها الأولى، وهذا يفرض على الأمة تحريره.
  • فرض الصلاة في ذلك المكان السَني، دليل على عظمتها، وسمو مكانتها، بحيث فرضت بدون واسطة جبريل كما هو حال سائر الفرائض والعبادات، فمن أداها كما أراد الله سمت به في مدارج الإيمان، إلى مراتب الإحسان، وأعادته إلى أصله الروحي قبل التشكل الطيني.
  • أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بقول نبي الله موسى عليه السلام دليل على وجوب الأخذ برأي وقول أهل الخبرة والتجربة.
  • اخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما رآه في إشارة إلى ضرورة تبليغ الدعوة وعدم الخوف من تكذيب المكذبين، وتشكيك المشككين، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يراع هنا عقول قريش، ولم يتريث في تبليغهم، رغم أن الخبر مما تنكره عقولهم، وهم الذين يبحثون عن أي فرصة لنقض دعوته.
  • ضرورة تصديق أخبار الغيب وعدم عرضها على العقل لأنه لا يدركها، فدوره يقف عند التأكد من صحتها، لذلك قال أبو بكر رضي الله عنه لقريش “لئن قالها لقد صدق”.
  • ضرورة الاختبار والتمحيص للصف الإسلامي حتى تسقط العناصر الشاكة والقابلة للتشكيك، وهذا ما حدث بارتداد بعض ممن كان قد أسلم.

[1] ابن هشام، السيرة النبوية، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1410هـ – 1990م، ج2، ص5

[2] السباعي، مصطفى، السيرة النبوية دروس وعبر، المكتب الإسلامي، بيروت، ط8، 1405هـ – 1985م، ص54

[3] صحيح مسلم، كتاب بدء الخلق، بَابُ إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ وَالمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، رقم الحديث: 3231

[4] ابن هشام، السيرة النبوية، ج2، ص68

[5] سيرة ابن هشام. ج2، ص49

[6] صحيح مسلم. كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، وفرض الصلوات، رقم الحديث: 411

[7] سيرة ابن هشام. ج2، ص49

[8] سيرة ابن هشام. ج2، ص49

[9] أبو عبد الله الحاكم. المستدرك على الصحيحين، كِتَابُ مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، رقم الحديث: 4407

[10] سيرة ابن هشام. ج2، ص4&

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.