منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 الشريعة الإسلامية: تساؤلات وإضاءات || عبد المجيد فاضل

 الشريعة الإسلامية: تساؤلات وإضاءات || عبد المجيد فاضل

0
الفهرس إخفاء
الشريعة الإسلامية: تساؤلات وإضاءات

          الشريعة الإسلامية: تساؤلات وإضاءات

عبد المجيد فاضل

 

تمهيد: إنَّ الشريعة الإسلامية في الاصطلاح هي – كما عرّفها الشيخُ مناع القطان –: “ما شرعه الله لعباده من العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات ونظم الحياة، في شُعَبِها المختلفة لتنظيم علاقة الناس بربهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض، وتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة”. [تاريخ التشريع الإسلامي، الشيخُ مناع القطان، مكتبة وهبة – القاهرة، الطبعة الخامسة 1435هـ-2014م، ص14-15].

وهذه إجاباتٌ عن تساؤلاتٍ حول الشريعة الإسلامية، منتشرةٍ في صفوف عامَّة المثقفين، جمعتُها تنويراً للأذهان؛ حتَّى لا تذهب ضحيّةً لأهل الزّيغ والضلال، والله المستعان.

 

التساؤل الأول: ما هي الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية؟

قال الشيخُ مناع القطان: “يمكن إجمال الأحكام الواردة بالقرآن والسنة في الأبواب الآتية:

1- الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وما يتبع ذلك من الإيمان بالغيب والبعث والحشر والحساب والجزاء، والجنة والنار، ويسمى هذا بالعقائد.

2- الأحكام المتعلقة بصلة العبد بربه في عبادته لله وحده، وتشمل: الصلاة والزكاة، والصوم والحج، وما يتعلق بها من شروط وأركان وواجبات، ومندوبات وتسمى العبادات.

3- الأحكام المتعلقة بنظام الأسرة، وحياة البيت، وتتناول: النكاح، والصداق، والخلع، والطلاق، وحقوق الحياة الزوجية، والرضاع، والنفقات، والمواريث، ولواحق هذا كله، ويسميها الناس اليوم: الأحوال الشخصية.

4- الأحكام المتعلقة بتعامل الناس بعضهم مع بعض، ومعاوضاتهم المالية، كالبيع، والربا، والسلم، والقرض، والرهن، والكفالة، والوكالة، والشركة، والمزرعة، والإجارة، والغصب، والشفعة، ومبادئ الإسلام في النظام الاقتصادي، وإحياء الموات وتسمى المعاملات.

5- الأحكام المتعلقة بنظام الحكم وسياسة الوالي مع الرعية، وحقوق كل وواجباته، كالإمامة والوزارة، والولاية، والقضاء، ونحو ذلك، وتسمى ”الأحكام السلطانية“ أو ”السياسة الشرعية“.

6- الأحكام المتعلقة بمؤاخذة المجرمين، وتتناول: القصاص، والدِّيات، والحدود، والتعزيرات، وتسمى العقوبات.

7- الأحكام المتعلقة بصلة الدولة الإسلامية بغيرها في: السلم، والحرب، والأمان، والهدنة، والقتال، والغنائم، وهي المعروفة في الإسلام بباب ”الجهاد والسير“ وتسمى في اصطلاح القانون: الحقوق الدولية.

8- الأحكام المتعلقة بالطعام والشراب واللباس، وما أحل الإسلامُ من ذلك وما نهى عنه، والأصلُ في ذلك أنه من المُباحات.

9- الآداب الاجتماعية والفضائل الأخلاقية، كآداب المناجاة، وآداب المجلس، والزيارة، والسلام، والاستئذان، والأكل، والشرب، والحث على مكارم الأخلاق، كالتواضع، والحلم، والصبر، والصدق، والحياء، والتعاون، والأمانة، وحقوق الجار، وإكرام الضيف، وتراحم المسلمين، والنهي عن الرذائل. وهذا يسمى الأخلاق”. [تاريخ التشريع الإسلامي، الشيخُ مناع بن خليل القطان، مكتبة وهبة – القاهرة، الطبعة الخامسة 1425 هـ-2014 م، ص115-116].

 

التساؤل الثّانِي: منْ له الحَقُّ فِي التَّشْرِيعِ؟

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: “التَّشْرِيعُ لُغَةً مَصْدَرُ شَرَعَ، أَيْ وَضَعَ قَانُونًا وَقَوَاعِدَ. وَفِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادِ طَلَبًا أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا.

وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لاَ حَقَّ فِي التَّشْرِيعِ إِلاَّ لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ} (سورة الأنعام / 57).

فَلَيْسَ لأَحَدٍ – كَائِنًا مَنْ كَانَ – أَنْ يَشْرَعَ حُكْمًا، سَوَاءٌ مَا يَتَّصِل بِحُقُوقِ اللَّهِ أَوْ حُقُوقِ الْعِبَادِ؛ لأَنَّ هَذَا افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ، وَسَلْبٌ لِمَا اخْتَصَّ بِهِ نَفْسَهُ: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة النحل / 116، 117)”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الطبعة الثانية، دار السلاسل – الكويت، ج 1 ص17].

 

التساؤل الثالث: ما هو المجال الذي يجوز فيه الاجتهاد؟

قال الشيخُ حافظ ثناء الله الزاهدي: “مجال الاجتهاد هو كلُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ليس فيه دليلٌ قَاطِعٌ مِن ناحية الدلالة على الحكم ولا هو مِمَّا أجمعوا عليه. أمّا المسائل التي ثبت حُكْمُها بِأدِلّة قطعيةٍ ثُبوتاً ودلالةً أو أجمع عليها العلماءُ إجماعاً صحيحاً فليس للاجتهاد فيها مجال”. [تيسير الأصول، حافظ ثناء الله الزاهدي، دار ابن حزم، الطبعة الثانية، 1418هـ – 1997م، ص323].

توضيح: ما معنى كلمة (النّصّ) المذكورة في القاعدةِ المشهورة (لا اجْتِهادَ مع النّصّ)؟

قالت لجنة الإفتاء المصرية: “ومن القواعد الشهيرة المتعلقة بالاجتهاد، قاعدة: (لا اجتهادَ مع النص …)، ولا تعني: لا اجتهادَ في فهم النص، كما يظن البعض، بل المراد: لا اجتهادَ مع وجود النص القطعي، الذي يدل على معنى واحد ولا يحتمل معنًى سواه، أما لو كان اللفظ يقبل التفسير باحتمالات متعددة فهنا يكون لِعَقْلِ الفقيه مجالٌ في النظر؛ من أجل ترجيح بعض هذه الاحتمالات على بعض”. [رابط الفتوى: https://www.dar-alifta.org/ar/ViewFatawaConcept.aspx?ID=%2037 ].

وقال الأستاذ الدكتور مصطفى ديب البغا: “وإذا كان الرأيُ جماعياً وحصل فيه اتفاقٌ – وهو الإجماعُ – كان بِمَثابَةِ النّص.

ومن هنا كانت القاعدةُ الأصوليّةُ القائلةُ: ”لا مساغَ للاجتهاد عند مَوْرِد النّصِّ“، أي: عند مَجِيئِ آيةٍ أو حديثٍ دلالةُ كلٍّ منهما صريحةٌ وقاطعةٌ في حكمِ المسألةِ. وقد ذكرنا أنّ الإجماعَ إذا ثبت كان بمنزِلة النّصِّ”. [أصول الفقه الإسلامي: دراسة عامة، أ. د. مصطفى ديب البغا، أستاذ الفقه وأصوله وقواعده، في كُلِّيَتَيْ الشريعة والحقوق – جامعة دمشق، دار المصطفى دمشق – حلبوني، ط 3، سنة 2007، ص 262].

واعتُبِرَ الإجماعُ بمثابةِ النّصِّ؛ لأنّه – كما قال الشيخُ عدنان داوودي –: “إذا ثبت الإجماعُ سقط البحثُ عن الدليل، وتحرُمُ مخالفته”. [اللّبابُ في أصولِ الفقه، عدنان داوودي، طبع دار القلم – دمشق، ص232]

وقد يعترِض معترِضٌ قائلاً: “إنّ معاذَ بنَ جبل – رضي اللّهُ عنه – لمّا بعثه النبيُّ ﷺ وسأله: كيف يقضي إذا عُرِضَ له قضاء؟ فقال له: إنّه سيقضي بكتاب اللّهِ، ثم بسنّة رسوله ﷺ فإن لم يَجِد اجتهد رأيه؛ ولم يذكر الإجماعَ!

أجاب عن هذا الاعتراض الأستاذ الدكتور مصطفى البُغا بقوله: “ولمْ يذكر الإجماعَ؛ لأنّه لا يكون في زمنه ﷺ، كما علمت”. [المرجع السابق، ص 262].

وقال الأستاذ الدكتور محمد مصطفى الزحيلي ما خلاصتُه: “لا يجوز الاجتهاد في أمرين، وهما: النصوص القطعية الثبوت والدلالة، وما وقع عليه الإجماع،… ومن أمثلة ذلك: وجوب الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وتحريم القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر، وحرمة الربا وشهادة الزور وأكل مال اليتيم وعقوق الوالدين وسائر الكبائر.

ويجوز الاجتهاد في أمرين:

الأول: ما لا نصَّ فيه أصلًا، وهو كثير.

والثاني: ما فيه نصٌّ غيرُ قطعي، وتفصيل ذلك:

أ) النصوص القطعية الثبوت الظنية الدلالة:

إن النصوص القطعية الثبوت تشمل كما سبق نصوص القرآن والأحاديث المتواترة، فإن كانت ظنية الدلالة بأن يحتمل النَّص أكثر من معنى واحد فإنه محل للاجتهاد فيه للبحث عن معرفة المعنى المراد من النص، كالاختلاف في مقدار مسح الرأس في الوضوء، والاختلاف في معنى القرء.

ب) النصوصُ الظَّنيةُ الثبوتِ الظَّنيةُ الدلالةِ:

إن الأحاديث المشهورة، وأحاديث الآحاد التي ثبتت بطريق الظن، تكون محلًا للاجتهاد، وإنْ كانت قطعية الدلالة، كحديث نصاب الغنم والإبل في الزكاة، فهو قطعي الدلالة، لكنه يحتمل الاجتهاد فيه، للبحث في السند، وطريق الوصول، ودرجة الرواة من العدالة والضبط وغيرهما مما يؤدي حتمًا إلى الاختلاف حسب تقدير المجتهدين، وهو أحد أسباب اختلاف الفقهاء، كما سبق بيانه في الجزء الأول، فبعضهم يثبت عنده الحديث، ويطمئن إليه، ويثبت الحكم الوارد فيه، وبعضهم لا يثبت عنده الحديث، ولا يطمئن له، فيرفض الأخذ به، وهذا مجال للاجتهاد، ويؤدي إلى اختلاف المجتهدين، وهو كثير في الأحكام العملية.

وهذه النصوص الظنية الثبوت كثيرًا ما تكون ظنية الدلالة، وتحتمل أكثر من معنى.

ج) ما لا نص فيه ولا إجماع:

إن القضايا التي لم يرد فيها نص أصلًا، ولم يقع عليها إجماع، يجب على المجتهدين أن يبحثوا عن حكمها بالأدلة العقلية التي أقرها الشرع، كالقياس، والمصالح المرسلة، والعرف، وغيرها. [الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، محمد الزحيلي، دار الخير للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق – سوريا، الطبعة الثانية، 1427 هـ – 2006 م، ج2 ص311-315].

 

التساؤل الرابع: لماذا لمْ تأتِ جميعُ النصوص التي تتعلّق بالأحكام مُحْكَمَةً، لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيل وَلاَ تُثِيرُ الاِخْتِلاَفَ؟

قال الشيخُ مناع بن خليل القطان: “ونصوص الشريعة الإسلامية في الكتاب والسنة، منها القطعي، ومنها المُحتمَل:

أ) أما القطعي: فهو الأحكام الصريحة القطعية الواردة في القرآن والسنة الصحيحة. وهذه الأحكام بَيَّنتْ أصول الحلال والحرام، وتناولتِ القواعدَ العامّةَ التي تُبنَى عليها الحياةُ الإنسانيةُ في الإسلام، وهي تقرر الأمور الثابتة في الشريعة التي لا يختلف حكمها باختلاف الزمان والمكان.

ب) وأما المحتمل، فهو عامة ما ورد في الكتاب والسنة: أمراً ونهياً وإرشاداً، مما يحتمل معناه أكثر من وجه.

وهذا الجانب في الشريعة الإسلامية هو مجال الاجتهاد الذي تتفاوت فيه الأفهام، وكان التُّربةَ الخصبة للأئمة المجتهدين.

وإذا أضفنا إليه القواعد الكلية والمبادئ العامة في الشريعة الإسلامية، أدركنا مدى نمو هذه الشريعة وتلبيتها لحاجة المجتمع وتطوراته، وحلها لمشكلاته ومعضلاته، وصلاحها لقيام مدَنِيّة فاضلة مؤمنة بكل عصر ومَصْر”. [تاريخ التشريع الإسلامي، الشيخُ مناع بن خليل القطان، مكتبة وهبة، الطبعة الخامسة 1435 هـ-2014 م، ص115].

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: “إِنَّ الأَحْكَامَ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ الدِّينِ سَوَاءٌ مَا يَتَّصِل مِنْهَا بِالْعَقِيدَةِ أَوِ الأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ قَدْ وَرَدَتْ فِي آيَاتٍ مُحْكَمَةٍ لاَ تَحْتَمِل التَّأْوِيل وَلاَ تُثِيرُ الاِخْتِلاَفَ؛ لأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَرَادَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الأُمُورُ ثَابِتَةً عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ، كَأَكْثَرِ أَحْكَامِ الْمَوَارِيثِ وَأُصُول أَحْكَامِ الأَحْوَال الشَّخْصِيَّةِ، وَآيَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ.

أَمَّا الْمَسَائِل الْقَابِلَةُ لِلتَّطَوُّرِ فَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي شَأْنِهَا مُوَضِّحًا الْخُطُوطَ الرَّئِيسَةَ، وَكَانَتْ مَحَلًّا لاِخْتِلاَفِ الأَنْظَارِ. وَاخْتِلاَفُ النَّظَرِ – إِذَا لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَى الْهَوَى وَالتَّشَهِّي – فَهُوَ رَحْمَةٌ لِلأُمَّةِ، فَقَدِيمًا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَسَائِل، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الاِخْتِلاَفُ سَبَبًا لِلْمُنَازَعَةِ، وَكَانَ يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ؛ لأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ كَانَ يَرَى أَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هُوَ الصَّوَابُ مَعَ احْتِمَال الْخَطَأِ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ غَيْرُهُ خَطَأٌ مَعَ احْتِمَال الصَّوَابِ. فَلَمَّا نَجَمَتِ الْفِتْنَةُ تَحَكَّمَتِ الأَهْوَاءُ، فَكَانَ الاِخْتِلاَفُ فِي الرَّأْيِ سَبَبًا لِلشِّقَاقِ.

وَالْمُتَتَبِّعُ لِسُنَّةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ سَوَاءٌ مَا يَتَّصِل بِالتَّشْرِيعِ أَوِ الإِبْدَاعِ يَجِدُ أَنَّهُ مَا مِنْ خَيْرٍ إِلاَّ وَيَشُوبُهُ بَعْضُ الشَّرِّ. وَالَّذِي يُقَارِنُ بَيْنَ الْخَيْرِ فِي وُجُودِ الظَّنِّيِّ مِنْ النُّصُوصِ الَّذِي هُوَ مَثَارُ اخْتِلاَفِ الأَنْظَارِ، وَمَا قَدْ يَشُوبُهُ مِنْ شَرٍّ، يُدْرِكُ أَنَّ الْخَيْرَ كُل الْخَيْرِ فِيمَا وَقَعَ، فَإِنَّ جُمُودَ الأَفْكَارِ – لَوْ جَاءَتِ النُّصُوصُ كُلُّهَا قَطْعِيَّةً – يَكُونُ بَلاَءً دُونَهُ كُل بَلاَءٍ.

وَالتَّارِيخُ شَهِدَ بِصِدْقِ هَذَا، فَإِنَّ الآْرَاءَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الْهَوَى، وَالَّتِي نَجَمَ عَنْهَا مَا نَجَمَ مِنْ فِتَنٍ، قَدْ انْدَثَرَتْ آثَارُهَا، وَلَمْ يَبْقَ لَهَا إِلاَّ آثَارٌ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ، نَقَلَهَا النَّاقِلُونَ لِتَشْهَدَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى سَعَةِ صَدْرِهَا، وَحُرِّيَّةِ الرَّأْيِ فِيهَا، وَلَكِنَّهَا ذَهَبَتْ كَغُثَاءِ السَّيْل، وَانْطَفَأَتْ كَوَمِيضِ الْبَرْقِ: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} (سورة الرعد / 17). عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا قَطْعِيَّةً لَقَال قَائِلُهُمْ: هَلاَّ كَانَ لَنَا مَجَالٌ لِلاِجْتِهَادِ حَتَّى لاَ تَجْمُدَ عُقُولُنَا، وَنُصْبِحَ أَمَامَ نُصُوصٍ جَامِدَةٍ؟”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الطبعة الثانية، دار السلاسل – الكويت، ج 1 ص19-20].

 

التساؤل الخامس: ما معنى القاعدة الفقهية القائلة: (لا يُنْكَرُ تغَيُّرُ الأحكام بِتغَيُّر الزمان)؟

هذه القاعدة يتشبث بها العلمانيون لتغيير أحكام الله، وَفق أهوائِهم ومصالحِهم، فما معنى هذه القاعدة؟ ومتى تُستعمل؟

قال الدكتور مصطفى الزرقاء في توضيحه للقاعدةِ الفقهية القائلة: (لا يُنْكَرُ تغَيُّرُ الأحكام بِتغَيُّر الزمان): “وقد اتفقتْ كلمةُ فقهاءِ المذاهب على أن الأحكام التي تَتبَدَّلُ بِتبدُّلِ الزمان واختلاف الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، وهي المعنية بالقاعدة الآنفة الذِّكر، أمّا الأحكامُ الأساسيةُ التي جاءت الشريعةُ لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية، فهذه لا تتبدل بتبدُّل الأزمان؛ بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال”! [انظر بحث ”تغيير الأحكام بتغير الزمان“، د. مصطفى الزرقاء – مجلة المسلمون ع/ 8 ص 891 (1373 هـ)].

وقال الشيخ علي حيدر خواجه أمين أفندي (ت 1353هـ) عند شرحه للْمَادَّةُ (39) التي جاء فيها ”لَا يُنْكَرُ تَغَيُّرُ الْأَحْكَامِ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ“: “إنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ هِيَ الْأَحْكَامُ الْمُسْتَنِدَةُ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ تَتَغَيَّرُ احْتِيَاجَاتُ النَّاسِ، وَبِنَاءً عَلَى هَذَا التَّغَيُّرِ يَتَبَدَّلُ أَيْضًا الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ وَبِتَغَيُّرِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ تَتَغَيَّرُ الْأَحْكَامُ حَسْبَمَا أَوْضَحْنَا آنِفًا، بِخِلَافِ الْأَحْكَامِ الْمُسْتَنِدَةِ عَلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَمْ تُبْنَ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَغَيَّرُ.

مِثَالُ ذَلِكَ: جَزَاءُ الْقَاتِلِ الْعَمْدِ الْقَتْلُ. فَهَذَا الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي لَمْ يَسْتَنِدْ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ، أَمَّا الَّذِي يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ مِنْ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّمَا هِيَ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ، كَمَا قُلْنَا، وَإِلَيْكَ الْأَمْثِلَةُ: كَانَ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى أَحَدٌ دَارًا اكْتَفَى بِرُؤْيَةِ بَعْضِ بُيُوتِهَا، وَعِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا بُدَّ مِنْ رُؤْيَةِ كُلِّ بَيْتٍ مِنْهَا عَلَى حِدَتِهِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ لَيْسَ مُسْتَنِدًا إلَى دَلِيلٍ، بَلْ هُوَ نَاشِئٌ عَنْ اخْتِلَافِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ – فِي أَمْرِ الْإِنْشَاءِ وَالْبِنَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَادَةَ قَدِيمًا فِي إنْشَاءِ الدُّورِ وَبِنَائِهَا أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ بُيُوتِهَا مُتَسَاوِيَةً وَعَلَى طِرَازٍ وَاحِدٍ، فَكَانَتْ عَلَى هَذَا رُؤْيَةُ بَعْضِ الْبُيُوتِ تُغْنِي عَنْ رُؤْيَةِ سَائِرِهَا، وَأَمَّا فِي هَذَا الْعَصْرِ فَإِذْ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ الدَّارَ الْوَاحِدَةَ تَكُونُ بُيُوتُهَا مُخْتَلِفَةً فِي الشَّكْلِ وَالْحَجْمِ لَزِمَ عِنْدَ الْبَيْعِ رُؤْيَةُ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى الِانْفِرَادِ”. [درر الحكام في شرح مجلة الأحكام، علي حيدر خواجه أمين أفندي، تعريب: فهمي الحسيني، دار الجيل، الطبعة الأولى، 1411هـ – 1991م، ج1 ص47-48/ ومجلة الأحكام العدلية، ألّفها: لجنة مكونة من عدة علماء وفقهاء في الخلافة العثمانية] .

وانظر – إن شئت – بحثاً بعنوان: ”عوامل تغير الفتوى“، نُشِر بموقع ”دار الإفتاء المصرية“ بتاريخ: 2012-12-11.

وقفة هامّةٌ: الإجابةُ عن شُبْهتيْن يستدل بهما العلمانيون على جواز تعطيل النصوص الشرعية المُحْكَمَة:

الشبهة الأولى: الزعم أنّ عمر بن الخطاب ألْغى سهم المؤلفة قلوبهم التي جاءتْ في كتاب الله:

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلۡفُقَرَاۤءِ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَٱلۡعَـٰمِلِینَ عَلَیۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَـٰرِمِینَ وَفِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۖ فَرِیضَةࣰ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ﴾ [التوبة: 60]

أوّلاً – مَن هم الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ؟

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: “وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فِي الاِصْطِلاَحِ: هُمُ الَّذِينَ يُرَادُ تَأْلِيفُ قُلُوبِهِمْ بِالاِسْتِمَالَةِ إِلَى الإِسْلاَمِ، أَوْ تَقْرِيرًا لَهُمْ عَلَى الإِسْلاَمِ، أَوْ كَفُّ شَرِّهِمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ نَصْرُهُمْ عَلَى عَدُوٍّ لَهُمْ، وَنَحْوُ ذَلِكَ”.  [الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة – مصر، ج36 ص 12].

ثانياً – ما هي الحِكْمَةُ مِن تَأْلِيفِ الْقُلُوبِ؟

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: “حَثَّ الإِسْلاَمُ أَتْبَاعَهُ بِالإِحْسَانِ إِلَى خُصُومِهِمْ وَأَعْدَائِهِمْ، وَبِذَلِكَ يَفْتَحُ الإِسْلاَمُ الْقُلُوبَ بِالإِحْسَانِ، كَمَا يَفْتَحُ الْعُقُولَ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}؛ وَلِذَلِكَ شَرَعَ الإِسْلاَمُ نَصِيبًا مِنْ مَال الزَّكَاةِ لِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ، قَال الْقُرْطُبِيُّ: «قَال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: اخْتُلِفَ فِي صِفَةِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فَقِيل: هُمْ صِنْفٌ مِنَ الْكُفَّارِ يُعْطَوْنَ لِيَتَأَلَّفُوا عَلَى الإِسْلاَمِ، وَكَانُوا لاَ يُسْلِمُونِ بِالْقَهْرِ وَالسَّيْفِ، وَلَكِنْ يُسْلِمُونَ بِالْعَطَاءِ وَالإِحْسَانِ، [وَقِيلَ: هُمْ قَوْمٌ أَسْلَمُوا فِي الظَّاهِرِ وَلَمْ تَسْتَيْقِنْ قُلُوبُهُمْ، فَيُعْطَوْنَ لِيَتَمَكَّنَ الْإِسْلَامُ فِي صُدُورِهِمْ] وَقِيل: هُمْ قَوْمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ يُعْطَوْنَ لِيَتَأَلَّفُوا أَتْبَاعَهُمْ عَلَى الإِسْلاَمِ، قَال: وهَذِهِ الأَقْوَال مُتَقَارِبَةٌ، وَالْقَصْدُ بِجَمِيعِهَا الإِعْطَاءُ لِمَنْ لاَ يُتَمَكَّنُ إِسْلاَمُهُ حَقِيقَةً إِلاَّ بِالْعَطَاءِ فَكَأَنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الْجِهَادِ.

وَالْمُشْرِكُونَ ثَلاَثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ يَرْجِعُ بِإِقَامَةِ الْبُرْهَانِ، وَصِنْفٌ بِالْقَهْرِ، وَصِنْفٌ بِالإِحْسَانِ، وَالإِمَامُ النَّاظِرُ لِلْمُسْلِمِينَ يَسْتَعْمِل مَعَ كُل صِنْفٍ مَا يَرَاهُ سَبَبًا لِنَجَاتِهِ وَتَخْلِيصِهِ مِنَ الْكُفْرِ. [اهـ. كلام القرطبي].

وَقَدْ فَقَّهَ الرَّسُول ﷺ أُمَّتَهُ فِي تَأْلِيفِ النَّاسِ عَلَى الإِسْلاَمِ بِقَوْلِهِ: «إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ» (متفق عليه)”. [المصدر السابق، ج36 ص 12].

ثالثاً – وأمّا قصّةُ عُمَرَ بنِ الخطّابِ، فلقد جاء ذكرُها في الموسوعة الفقهية الكويتية كما يأتي: “وَرَدَ أَنَّ الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ جَاءَا يَطْلُبَانِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ أَرْضًا، فَكَتَبَ لَهُمَا بِذَلِكَ، فَمَرَّا عَلَى عُمَرَ، فَرَأَى الْكِتَابَ فَمَزَّقَهُ، وَقَال: هَذَا شَيْءٌ كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يُعْطِيكُمُوهُ لِيَتَأَلَّفَكُمْ، وَالآنَ قَدْ أَعَزَّ اللهُ الإِسْلاَمَ وَأَغْنَى عَنْكُمْ، فَإِنْ ثَبَتُّمْ عَلَى الإِسْلاَمِ، وَإِلاَّ فَبَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ السَّيْفُ، فَرَجَعَا إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالاَ، مَا نَدْرِي: الْخَلِيفَةُ أَنْتَ أَمْ عُمَرُ؟ فَقَال: هُوَ إِنْ شَاءَ، وَوَافَقَهُ. وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ذَلِكَ”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الطبعة الثانية، دار السلاسل – الكويت، ج23 ص319].

(*) وهذا الأثر: أخرجه البيهقي (7 / 20 – ط دائرة المعارف العثمانية) بلفظ مقارب، كما ذكرت الموسوعة.

قال الإمامُ ابنُ عطِيّةَ (546 هـ) عند تفسيره للآية 60 مِن سورة التوبة في تفسيره «المحرر الوجيز»: “وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: انْقَطَعَ هَذا الصِنْفُ [أي: الْمُؤَلَّفَة قُلُوبهُمْ] بِعِزَّةِ الإسْلامِ وظُهُورِهِ، وهَذا مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، قالَ عَبْدُ الوَهّابِ: إنِ احْتِيجَ إلَيْهِمْ في بَعْضِ الأوقاتِ أُعْطُوا مِنَ الصَدَقَةِ.

ثُمَّ قالَ: “وأمّا أنْ يُنْكِرَ عُمَرُ الِاسْتِئْلافَ جُمْلَةً وفي ثُغُورِ الإسْلامِ فَبَعِيدٌ، وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهم مَوْجُودُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ”.

وقال الإمامُ أبو بكر البيهقي (ت 458 هـ): “وَيُذْكَرُ عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَبْقَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ أَحَدٌ، إِنَّمَا كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ انْقَطَعَتِ الرِّشَا، وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَمَّا الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ فَلَيْسَ الْيَوْمَ”. [السنن الكبرى، أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، الطبعة الثالثة، 1424 هـ – 2003 م، ج7 ص32].

ونقل الإمامُ القرطبي عن القاضي ابن العربيّ قولَه: “الذي عندي أنه إنْ قوِي الإسلامُ زالوا، وإنِ احتيج إليهم أُعطوا سهمَهم كما كان رسول الله ﷺ يعطيهم”.

ونبَّهَ الأستاذُ الدكتور إبراهيم بن عامر الرحيلي – في ردّه على مَن طعن في عمر بن الخطاب – إلى أمرين، هما:

الأول: “أنّ القولَ بمنع المؤلفة قلوبهم عطاياهم لمّا قوي الإسلامُ لم يكن قولَ عمرَ وحده، وإنما هو قولُ عامة الأصحاب”.

الثاني: “أنّ منع المؤلفة قلوبهم من عطاياهم، في حال عِزِّ الإسلام وعدمِ الحاجة إليهم، لا يقتضي سقوط سهمهم بالكلية، عند المانع لهم في تلك الحال”. [الانتصار للصحب والآل من افتراءات السماوي الضال (الرد عليه في كتابه «ثم اهتديت»)، إبراهيم بن عامر الرحيلي، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، الطبعة: الثالثة، 1423 هـ – 2003 م، ص428-429].

الشبهة الثانية: الزعم أنّ عمر بن الخطاب أبطل حكم قطع يد السارق الذي جاء في كتاب الله:

أوّلاً – لقد ضعَّف عدد من علماء الحديث الخبر الذي جاء فيه أن عمر بن الخطاب أوقف حدَّ السرقة في عام الرمادة، قال ابن الملقن الشافعي المصري (804 هـ): “عَن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه «أَنه لَا قطعَ فِي عَام المجاعة». وَهَذَا الْأَثر لم أره فِي كتب السّنَن والمسانيد”. [البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير، ابن الملقن الشافعي، مصطفى أبو الغيط وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال، دار الهجرة للنشر والتوزيع – الرياض، الطبعة الاولى، 1425هـ-2004م، ج8 ص679]

ثانياً – جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: “اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ: تُدْرَأُ الْحُدُودُ بِالشُّبُهَاتِ (غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر لابن نجيم 1 / 379، نزهة النواظر على الأشباه والنظائر، ص 142) . وَالأَصْل فِي ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا – قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ؛ فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ (أخرجه الترمذي، وضعفه ابن حجر في التلخيص)، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهَا مَدْفَعًا (أخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، وضعَّف إسنادَه البوصيري في مصباح الزجاجة) وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ [أي: أسقطوا الحدود فيما بينكم ولا ترفعوها إلَيَّ؛ فإني متى علمتها أقمتها] (أخرجه أبو داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي).

وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُوجِبُ أَوَّلاً: اعْتِمَادَ الْيَقِينِ – مَا أَمْكَنَ – فِي نِسْبَةِ الْجَرِيمَةِ إِلَى الْمُتَّهَمِ، وَثَانِيًا: أَنَّ الشَّكَّ – مَهْمَا كَانَتْ نِسْبَتُهُ وَمَهْمَا كَانَ مَحَلُّهُ وَمَهْمَا كَانَ طَرِيقُهُ – يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُتَّهَمُ فَيَدْرَأُ عَنْهُ الْحَدَّ، يَقُول الشَّاطِبِيُّ: فَإِنَّ الدَّلِيل يَقُومُ – هُنَاكَ – مُفِيدًا لِلظَّنِّ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِذَا عَارَضَتْهُ شُبْهَةٌ وَإِنْ ضَعُفَتْ – غَلَبَ – حُكْمُهَا وَدَخَل صَاحِبُهَا فِي مَرْتَبَةِ الْعَفْوِ (الموافقات 1 / 172).

وَثَالِثًا: الْخَطَأُ فِي الْعَفْوِ أَفْضَل شَرْعًا مِنَ الْخَطَأِ فِي الْعُقُوبَةِ حَيْثُ إِنَّ تَبْرِئَةَ الْمُجْرِمِ فِعْلاً أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ مُعَاقَبَةِ الْبَرِيءِ. وَهَذَا الْمَبْدَأُ نَجِدُ تَطْبِيقَاتِهِ مَبْثُوثَةً فِي أَقْضِيَةِ الصَّحَابَةِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ – وَأَقْضِيَةِ التَّابِعِينَ وَفَتَاوَى الْمُجْتَهِدِينَ، مِنْ ذَلِكَ مَا حَكَمَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ – رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ – فِي قَضِيَّةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَالِي الْبَصْرَةِ الَّذِي اتُّهِمَ بِالزِّنَا مَعَ امْرَأَةٍ أَرْمَلَةٍ كَانَ يُحْسِنُ إِلَيْهَا، فَاسْتَدْعَى الْخَلِيفَةُ الْوَالِيَ وَشُهُودَ التُّهْمَةِ فَشَهِدَ ثَلاَثَةٌ بِرُؤْيَةِ تَنْفِيذِ الْجَرِيمَةِ، وَلَكِنَّ الشَّاهِدَ الرَّابِعَ الَّذِي يَكْتَمِل بِهِ النِّصَابُ قَال: لَمْ أَرَ مَا قَال هَؤُلاَءِ بَل رَأَيْتُ رِيبَةً وَسَمِعْتُ نَفَسًا عَالِيًا، وَلاَ أَعْرِفُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَأَسْقَطَ عُمَرُ التُّهْمَةَ عَنِ الْمُغِيرَةِ وَحَفِظَ لَهُ بَرَاءَتَهُ وَطَهَارَتَهُ، وَعَاقَبَ الشُّهُودَ الثَّلاَثَةَ عُقُوبَةَ الْقَذْفِ (تاريخ الأمم والملوك للطبري 4 / 70 – 71).

وَعُمَرُ نَفْسُهُ لَمْ يُقِمْ حَدَّ السَّرِقَةِ عَامَ الرَّمَادَةِ لأَنَّهُ جَعَل مِنَ الْمَجَاعَةِ الْعَامَّةِ قَرِينَةً عَلَى الاِضْطِرَارِ، وَالاِضْطِرَارُ شُبْهَةٌ فِي السَّرِقَةِ تَمْنَعُ الْحَدَّ عَنِ السَّارِقِ، بَل تُبِيحُ لَهُ السَّرِقَةَ فِي حُدُودِ الضَّرُورَةِ”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الطبعة الأولى، مطابع دار الصفوة – مصر، ج26 ص 204 – 205].

وقال أبو اسحاق إبراهيم الشيرازي (ت 476 هـ) في ”بابُ حَدِّ السرقة“: “وإن سرَق الطعام عام المجاعة نظرت: إن كان الطعام موجوداً قطع؛ لأنه غيرُ محتاج إلى سرِقتِه، وإن كان معدوماً لم يقطع، لِمَا رُوِيَ عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا قطع في عام المجاعة أو السنة؛ ولأنّ له أنْ يأخذَه فلمْ يقطع فيه”. [المهذب في فقه الإمام الشافعي، أبو اسحاق إبراهيم الشيرازي، دار الكتب العلمية، ج3 ص362].

ثالثاً – على افتراض صحة القصة؛ فإنه من المعلوم أن حدَّ السرقة مُقيّد بِعِدَّة قيود (انظر كتب الفقه)، ومن الموانع التي تمنع من تنفيذ أي حد في الشريعة: حصول الشبهة – كما مرّ ذِكْرُه –؛ وكان مِن رأيِ عمرَ بنِ الخطاب – رضي الله عنه – أنّ مِنَ الشُّبَه التي يُدرَأ بها حدُّ السرقة: أن يسرق الرجل في حال المجاعة والاضطرار إلى الأكل، وهذا ما يدل عليه نص كلام عمـر؛ فإنـه حين جيء إليـه بالسارق في عـام الرمادة قال: (لا قطع في عام سنة)، فقوله هذا يدل على أن القطع حكم ثابت، ولكنه لا يُطبَّق في وقت المجاعة لِتعَلُّق الشبهة بذلك.

* انظر هاتين الشبهتين في مقال (التوظيف الحداثي للاجتهادات العُمَرية (قراءة نقدية))، للدكتور سلطان العميري، مقال نُشِر بمجلة ”البيان“ العدد 285، ص8، وبموقع «صيد الفوائد»، رابط المقال: http://saaid.org/mktarat/almani/96.htm

 

التساؤل السادس: هل صحيح أَنَّ الْفِقْهَ الإِسْلاَمِيَّ لَمْ يُعَالِجْ مَشَاكِل الْعَصْرِ؟

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: “أَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْفِقْهَ الإِسْلاَمِيَّ لَمْ يُعَالِجْ مَشَاكِل الْعَصْرِ فَهَذِهِ دَعْوَى كَذَّبَهَا التَّارِيخ؛ لأَنَّ هَذَا الْفِقْهَ حَكَمَتْ بِهِ دُوَلٌ وَشُعُوبٌ مُخْتَلِفَةٌ عَلَى مَدَى ثَلاَثَةَ عَشَرَ قَرْنًا، فَكَانَ فِيهِ لِكُل مُشْكِلَةٍ حَلٌّ، حَتَّى فِي عَهْدِ التَّقْلِيدِ وَالْجُمُودِ، فَقَدْ رَأَيْنَا فِي كُل عَصْرٍ مُفْتِينَ وَعُلَمَاءَ وَجَدُوا فِي هَذَا الْفِقْهِ حَلًّا لِمَشَاكِلِ هَذِهِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ.

وَلَوْلاَ إِبْعَادُ هَذَا الْفِقْهِ – عَنْ قَصْدٍ أَوْ غَيْرِ قَصْدٍ – عَنْ مَجَالاَتِ الْحَيَاةِ أَوْ أَكْثَرِهَا لَوَجَدْنَاهُ مُسَايِرًا لِكُل عَصْرٍ، حَلاَّلاً لِكُل مُشْكِلَةٍ”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الطبعة الثانية، دار السلاسل – الكويت، ج 1 ص21].

 

التساؤل السابع: هل في الشريعة الإسلامية حرجٌ وَشِدَّةُ على النّاس؟   

أوَّلًا – إن الدنيا دارُ تكليفٍ وابتلاءٍ وامتحانٍ، وليست دارَ بقاءٍ وراحةٍ وسُرورٍ، قال تعالى: ﴿تَبَـٰرَكَ ٱلَّذِی بِیَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ. ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَیَوٰةَ لِیَبۡلُوَكُمۡ أَیُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلࣰاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡغَفُورُ﴾ [الملك 1-2].

وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤىِٕقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَیۡرِ فِتۡنَةࣰۖ وَإِلَیۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾ [الأنبياء: 35].

قال الإمامُ ابنُ جُزَيّ (741 هـ) في تفسيره «التسهيل لعلوم التنزيل»: “﴿وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ﴾ أي: نختبركم بالفقر والغنى، والصحة والمرض، وغير ذلك من أحوال الدنيا؛ ليظهرَ الصبرُ على الشَّرِّ، والشكرُ على الخير، أو خلافُ ذلك ﴿فِتْنَةً﴾ مصدرٌ مِن معنى ونبلوكم”.

ثانياً – الذي يؤمن باللَّهِ ويُحبُّه لا يستثقل عبادة الله تعالى وإطاعتِه، بل يجد حلاوةً في العبادة والطاعة:

قال النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: “ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ”. [رواه البخاري ومسلم]

قال الإمامُ ابنُ رجب الحنبلي (ت 795 هـ): “فمَن جمع هذه الخصال الثلاثة المذكورة في هذا الحديث فقد وجد حلاوةَ الإيمانِ وطَعِم طعْمَه:

أحدها: أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما. ومحبةُ الله تنشأ تارةً من معرفتِه، وكمالُ معرفته: تحصل من معرفة أسمائِه وصفاته وأفعاله الباهرة والتفكيرِ في مصنوعاته وما فيها من الإتقان والحِكَم والعجائب، فإن ذلك كلَّه يدل على كماله وقدرته وحكمته وعلمه ورحمته.

وتارةً تنشأ من مطالعة النِّعم، وفي حديث ابن عباس المرفوع: ”أحبوا الله لما يغدوكم من نعمِه، وأحبوني لحب الله“. خرّجَه الترمذي في بعض نسخ كتابه. وقال بعض السلف: ”من عرف الله أحبه، ومن أحبه أطاعه“، فإن المحبة تقتضي الطاعة، كما قال بعض العارفين: الموافقة في جميع الأحوال، ثم أنشد:

ولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سَمعًا وطاعةً ** وقُلتُ لداعِي الموتِ أهلًا ومرحبا“.

ومحبة الله على درجتين:

إحداهما: فرضٌ، وهي المحبة المُقتضية لفعل أوامره الواجبة، والانتهاء عن زواجره المحرمة، والصبر على مقدوراته المؤلمة. فهذا القدْرُ لا بُدَّ منه في محبة الله، ومَن لمْ تكن محبتُه على هذا الوجه فهو كاذب في دعوى محبة الله، كما قال بعض العارفين: ”من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده فهو كاذب“، فمَن وقع في ارتكاب شيء من المحرمات أو أخلّ بشيء من فعل الواجبات فلتقصيرِه في محبة الله، حيث قدم محبة نفسه وهواه على محبة الله. فإن محبة الله لو كملت لمنعت من الوقوع فيما يكرهه. وإنما يحصل الوقوع فيما يكرهه لنقص محبته الواجبة في القلوب، وتقديم هوى النفس على محبته؛ وبذلك ينقص الإيمان كما قال ﷺ: ”لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن“ الحديث.

والدرجة الثانية من المحبة – وهي فضلٌ مستحَبٌّ –: أن ترتقي المحبة من ذلك إلى التقرب بنوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق الشبهات والمكروهات، والرضى بالأقضية المؤلمات، كما قال عامر بن عبد قيس: ”أحببتُ الله حباً هوَّن عليَّ كلَّ مصيبة، ورضَّاني بكل بليَّة، فلا أُبالي مع حبي إياه علامَ أصبحت، وعلام أمسيت“…”. [فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابنُ رجب الحنبلي، تحقيق: محمود بن شعبان وغيره ، مكتبة الغرباء الأثرية – المدينة النبوية، الطبعة الأولى، 1417هـ – 1996م، ج1 ص51-53 ].

ثالثاً – الشريعةُ الإسلاميةُ مبنيةٌ على اليسر ورفع الحرج:

قال الأستاذ الدكتور محمد علي السايس في مبحث (عدم الحرج): “ليس في التكاليف الإسلامية شيءٌ من الحرج والشدة، وليس في القرآن شيء مِمَّا يعسر على الناس، وتضِيق بهم صدورُهم.

ولا نعني بعدم الحرج في الإسلام انتفاءُ أصلِ المشقة، فإن المشقةَ نوعان:

الأولُ – مشقةٌ معتادة لا تُعتبَر في العرف مشقةً، فمثل هذه لا يقصِد الشارعُ إلى رفعها، فإن كُلَّ عمل في الحياة لا يخلو من مشقة، حتَّى الضروريات التي لا غنى لأحد عنها من الأكل والشرب واللباس، وهذه لا مانع من وقوعها في التكاليف الشرعية، بل لا يتحقق التكليف إلّا بها؛ إذْ إنّ التكليفَ هو طلبُ ما فيه كُلْفة.

الثّانِي – مشقةٌ زائدة تضيق بها الصدور، وتستنفد الجهود، وتؤثر على المرء في جسمه، أو ماله، وتؤدي إلى الانقطاع عن كثير من الأعمال النافعة، فهذه هي التي تَفضَّل الله على الأُمَّةِ، ورفعها عنهم، تيسيراً وتسهيلاً عليهم، يشهد بذلك قوله تعالى: ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡیُسۡرَ وَلَا یُرِیدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: جزء من الآية 185]، ﴿یُرِیدُ ٱللَّهُ أَن یُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَـٰنُ ضَعِیفࣰا﴾ [النساء: 28]، ﴿مَا یُرِیدُ ٱللَّهُ لِیَجۡعَلَ عَلَیۡكُم مِّنۡ حَرَجࣲ﴾ [المائدة: جزء من الآية 6]،… وقوله ﷺ: “بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ” [رواه أحمد]، وما صحّ أنّه – عليه الصلاة والسلام – “ما خُيِّرَ بيْنَ أمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا أخَذَ أيْسَرَهُمَا، ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا”. [متفق عليه].

وإنَّك إذا تتبّعتَ أحكامَ الشريعةِ الإسلامية وجدتَ مظاهرَ رفعِ الحرجِ جَلِيَّةً واضحةً، ووجدتَ أنّ جميعَ التكاليفِ في ابتدائها ودوامِها قد رُوعِيَ فيها التخفيفُ والتيسير على العباد.

فقد أوجب اللهُ الصلاة على المكلَّف في اليوم خمسَ مرات، وأوجب عليه أن يؤديَها من قيام، هذا تكليفٌ يسير لا حرج فيه، ومع ذلك فقد رخّص له أن يؤديَها من قعود، أو كما قدَر، إذا لم يستطعِ القيامَ.

وكذلك الصيام، فرضه شهراً في السنة، فالمشقةُ فيه لا تصل إلى درجة العسر والحرج، ومع ذلك فقد أباح له الفطر في حالات تعظُم فيها المشقة، فأباح الفطر للمسافر، والمريض، والحامل، والمرضع.

وقد حرّم الميتة، لكن أباحها عند المخمصة.

وشرع التيممَ عند فقْدِ الماء، والقصرَ في السفر، وشرع الكفّاراتِ لتمحُوَ آثارَ الذنوب… “. [تاريخ الفقه الإسلامي، محمد علي السايس، دار الفكر – دمشق/ دار الفكر المعاصر – بيروت، الطبعة الأولى: 1419 هـ – 1999 م، ص50-51].

تعقيب: من الغريب أن ترى الشخص يتمرن الأيام والشهور عدةَ مرات في اليوم على حركات صعبة، ولا يملّ من ذلك، وذلك من أجْل أن يكون بطلاً في فنّ من الفنون الرياضية، ولكنه يسْتثقِل الوضوءَ والصلاةَ، رغم أن أعمالَهما أسهلُ بكثير من تلك الحركات التي يقوم بها في حصص الرياضة!

رابعاً – المؤمن مأجورٌ على جميعَ المشقّاتِ:

قال النَّبِيُّ ﷺ : “ما يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ”. [متفق عليه]

يُفْهَمُ من هذا الحديثِ أنّ جميعَ المشقّاتِ التي تقع في التكاليف الشرعية، فيها تكفيرٌ لِصغائِر الذنوب والخطايا، زيادةً على أجر الصّبْرِ على هذه المشقّاتِ مِن أجل تنفيذ أوامر الله.

 

التساؤل الثامن: لماذا يَجِبُ التّمَسُّكُ بالْفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ؟

جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: “إِنَّ الْفِقْهَ الإِسْلاَمِيَّ وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعَةَ آرَاءٍ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الآْرَاءَ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُعْتَمِدَةً عَلَى نَصٍّ شَرْعِيٍّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إِنَّ الآْرَاءَ الْمُعْتَمِدَةَ عَلَى الإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَغَيْرِهَا مِنْ الأَدِلَّةِ الْمُسَانِدَةِ لاَ بُدَّ أَنْ تَرْجِعَ – أَخِيرًا – إِلَى كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ. فَالإِجْمَاعُ – مَثَلاً – لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ مِنْ نَصٍّ قُرْآنِيٍّ أَوْ سُنَّةٍ مَقْبُولَةٍ، وَهُوَ مَا يُعْرَفُ عِنْدَهُمْ بِسَنَدِ الإِجْمَاعِ. وَقَدْ يَكُونُ هَذَا السَّنَدُ ظَنِّيَّ الدَّلاَلَةِ، وَلَكِنَّ اجْتِمَاعَ آرَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ يَرْفَعُهُ مِنْ الظَّنِّيَّةِ إِلَى الْقَطْعِيَّةِ. وَالأَحْكَامُ النَّابِعَةُ مِنْ الْقِيَاسِ لاَ بُدَّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَصْلٍ مِنْ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ؛ لأَنَّ الْقِيَاسَ – كَمَا عَرَّفُوهُ – هُوَ إِلْحَاقُ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ بِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَرَدَ فِيهَا نَصٌّ لإِثْبَاتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، لِجَامِعٍ بَيْنَهَا، وَهَذَا الْجَامِعُ هُوَ الْعِلَّةُ، كَمَا سَنُبَيِّنُ ذَلِكَ مُفَصَّلاً إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُصُولِيِّ، وَالْمَسَائِل الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى الاِسْتِصْلاَحِ، وَهِيَ مَا تُعْرَفُ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ لَمْ يُلْغِهَا الشَّارِعُ، بَل لاَ بُدَّ أَنْ يَعْتَبِرَهَا الشَّارِعُ وَلَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الاِعْتِبَارِ، وَهَكَذَا يُقَال فِي كُل حُكْمٍ.

وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ وَجْهَ الْقَدَاسَةِ فِي الْفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَصَادِرِهِ، وَلِذَا رَأَيْنَا الْفُقَهَاءَ – عَلَى مَدَى الْعُصُورِ – يَرْفُضُونَ كُل رَأْيٍ لاَ تَشْهَدُ لَهُ الشَّرِيعَةُ مَهْمَا كَانَ قَائِلُهُ، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ الْفِقْهِ الْوَضْعِيِّ الَّذِي بُنِيَتْ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ عَلَى الأَهْوَاءِ وَالأَغْرَاضِ وَتَرْضِيَةِ أَصْحَابِ النُّفُوذِ، وَالَّذِي يَلْبَسُ فِي كُل حِينٍ لِبَاسًا جَدِيدًا”. [الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الطبعة الثانية، دار السلاسل – الكويت، ج 1 ص 20-21].

 

التساؤل التاسع: ما مدى خطورة الإعراض عن شريعة الله؟

قال تعالى: ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَـٰهِلِیَّةِ یَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمࣰا لِّقَوۡمࣲ یُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50]

قال الإمامُ ابْنُ كثير (774 هـ) في تفسيره: “وَقَوْلُهُ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ يُنْكِرُ تَعَالَى عَلَى مَنْ خَرَجَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ المُحْكَم الْمُشْتَمِلِ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ، النَّاهِي عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَعَدْلٍ إِلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، الَّتِي وَضَعَهَا الرِّجَالُ بِلَا مُسْتَنَدٍ مِنْ شَرِيعَةِ اللَّهِ، كَمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَحْكُمُونَ بِهِ مِنَ الضَّلَالَاتِ وَالْجَهَالَاتِ، مِمَّا يَضَعُونَهَا بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ”.

وقال تعالى: ﴿لَّا تَجۡعَلُوا۟ دُعَاۤءَ ٱلرَّسُولِ بَیۡنَكُمۡ كَدُعَاۤءِ بَعۡضِكُم بَعۡضࣰاۚ قَدۡ یَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ یَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذࣰاۚ فَلۡیَحۡذَرِ ٱلَّذِینَ یُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦۤ أَن تُصِیبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ یُصِیبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمٌ﴾ [النور: 63].

قال الإمامُ ابنُ كثير (774 هـ) في تفسيره: “وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أَيْ: عَنْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سبيله هو وَمِنْهَاجُهُ وَطَرِيقَتُهُ وَسُنَّتُهُ وَشَرِيعَتُهُ، فَتُوزَنُ الْأَقْوَالُ وَالْأَعْمَالُ بِأَقْوَالِهِ وَأَعْمَالِهِ، فَمَا وَافَقَ ذَلِكَ قُبِل، وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ مَرْدُود عَلَى قَائِلِهِ وَفَاعِلِهِ، كَائِنًا مَا كَانَ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ».

أَيْ: فَلْيَحْذَرْ وليخْشَ مَنْ خَالَفَ شَرِيعَةَ الرَّسُولِ بَاطِنًا أَوْ ظَاهِرًا ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أَيْ: فِي قُلُوبِهِمْ، مِنْ كُفْرٍ أَوْ نِفَاقٍ أَوْ بِدْعَةٍ، ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أَيْ: فِي الدُّنْيَا، بِقَتْلٍ، أَوْ حَد، أَوْ حَبْسٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ”. انتهى كلام ابن كثير.

وقال النَّبِيُّ ﷺ: “يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ:

لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ.

وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا.

وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.

وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ، إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ”. [رواه ابن ماجه، وقال الشيخُ المحدث شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره].

قال الدكتور محمد السيِّد يوسف – المدرس بكلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق –: “المنهج القرآني هو المنهج الوحيد الصالِح والمُصلِح لكل زمان ومكان، وليس للأمة الإسلامية عذر في أن تتركَ منهج اللهِ تعالى، لِتُغامر بتجربة مناهجَ وضعيّةٍ أثبتت الأيامُ فشلها الذريع في إسعاد الأفراد وإصلاح المجتمعات…

وَسِعَت الحركةُ الإصلاحيةُ في المنهج الإسلامي كلَّ المجالات، وعلى رأسها: العقيدة، والسياسة والحُكْم، والأخلاق والاجتماع، والاقتصاد. وهذه المحاور الخمسة هي: عصب الإصلاح وركائزه، وإذا صلحت كان ذلك إيذاناً بصلاح المجتمع…

المنهج الإسلامي ليس في حاجة إلى نصوص أو نظريات جديدة، إنه فقط في حاجة إلى العمل بنصوصه وفكِّ إسارها وتوظيفها في توجيه حركة الحياة”. [منهج القران الكريم في إصلاح المجتمع، الدكتور محمد السيِّد يوسف، دار السلام – القاهرة/ الإسكندرية، الطبعة الثالثة، 1428هـ – 2007م، خلاصة البحث ونتائجه، ص483-484].

ولقد صدر عن مجلس ”مجمع الفقه الإسلامي الدولي“ في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في مملكة البحرين، من 25-30 رجب 1419هـ، الموافق 14- 19 نوفمبر 1998م، قرارٌ بشأن العلمانية والحداثة، جاء فيه: “إن الإسلام هو دينٌ ودولةٌ ومنهجُ حياةٍ متكاملٍ، وهو الصالح لكل زمان ومكان، ولا يُقِرُّ فصلَ الدين عن الحياة، وإنما يوجب أن تصدرَ جميعُ الأحكامِ منه، وصبغ الحياة العملية الفعلية بصبغة الإسلام، سواء في السياسة أو الاقتصاد، أو الاجتماع، أو التربية، أو الإعلام وغيرها”.

(*) ”مجمع الفقه الإسلامي الدولي“ هو جهازٌ عِلْميٌّ عالَمِيٌّ مُنْبثِقٌ عن ”منظمة التعاون الإسلامي“، التي مقرُّها الرئيسي في السعودية، وتضم في عضويتها سبعا وخمسين دولة، وتعتبر الصوت الجامع للعالم الإسلامي الذي يضمن ويحمي مصالحه في المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

 

التساؤل العاشر: ما هي الشروطُ التي يجب أنْ تتَوفّرَ في العالِم المجتهدِ الذي له الحق في إعطاء الفتوى؟

قال الدكتور عبد الكريم النملة – الأستاذ في قسم أصول الفقه بكلية الشريعة بالرياض –: “شروط المجتهد هي:

الشرط الأول: أن يكون عارفاً بكتاب الله تعالى وما يتعلَّق به، فإذا أراد المجتهد الاستدلال بآية على حكم حادثة فلا بد أن يعرف: هل هي ناسخةٌ أو منسوخةٌ؛ وسببَ نزولِها، وأقوالَ الصحابة في تفسيرها، وأقوالَ كبارِ التابعين فيها وتفاسيرَ علماءِ الشريعة لها، وأنْ يعرفَ ما يُعارِضُها من آيات أُخَرَ أو أحاديث، وأن يعرف نوع دلالتها على الحكم، وإعرابها…

الشرط الثاني: أن يكون عارفاً بالسُّنَّةِ، فإذا أراد الاستدلال بحديث على حُكْمِ حادثة، فإنه لا بد أن يعرف عنه مثل معرفته عن الآية كما قلنا سابقاً…

الشرط الثالث: أن يكون عالماً بالمُجْمَع عليه من الأحكام، وذلك لئلا يجتهد في مسألة قد أجمع العلماء على حكمها. الشرط الرابع: أن يكون عالماً بالمختلف فيه من الأحكام، فيعرف المسألة وأدلة كل فريق، لذا حرص الأئمة الأربعة ومَنْ تَبِعهم على معرفة الاختلافات والمناظرات والمحاوَرات في المسائل التي اخْتُلِفَ فيها بين الصحابة.

الشرط الخامس: أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه…

الشرط السادس: أن يكون عالماً بالقياس…

الشرط السابع: أن يكون عالماً باللغة العربية وقواعدها مِنْ لغة ونحوٍ وبلاغة وبديع، وأن يعرف كل ما يتوقف عليه فهم الألفاظ؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، والرسول ﷺ مِن أفصح العرب، فلا يمكن لأي شخص أن يعرف ما تدل عليه ألفاظُهما إلا بمعرفة اللغة العربية، فبسبب معرفته لذلك يستطيع أن يفرق بين صريح الكلام، وظاهره، ومُجمَلِه، وحقيقته ومجازه، وعامه، وخاصه، ومحكمه، ومتشابهه، ومُطْلَقِه، ومقيده، ونصه، وفحواه، ولحنه، ومنطوقه، ومفهومه.

الشرط الثامن: أن يكون عارفاً بمقاصد الشريعة…

الشرط التاسع: أن يكون خبيراً بمصالح الناس، وأحوالهم، وأعرافهم، وعاداتهم.

الشرط العاشر: أن يكون عدْلاً مجتنباً للمعاصي القادحة في العدالة، وهذا الشرط يُشترَط لجواز الاعتماد على فتواه، فمن ليس بعدل وتوفرت فيه شروط المجتهد السابقة، فإنه لا تُقبَلُ فتواه ولا اجتهادُه، ولا يَعمَلُ بها الآخرون، أما هو فيجب عليه أن يعمل باجتهاده”. [الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح، الأستاذ الدكتور عبد الكريم النملة، مكتبة الرشد – الرياض – المملكة العربية السعودية، الطبعة السادسة،  1424 هـ – 2003 م، ص399-401].

وَلَا بُدَّ أَنْ يكون أيضاً – كما قال الإمامُ الشوكاني – “بالغاً عاقلاً، قد ثبت لَهُ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْ مَآخِذِهَا”. [إرشاد الفحول إلي تحقيق الحق من علم الأصول، محمد الشوكاني، تحقيق: الشيخ أحمد عزو عناية، دمشق – كفر بطنا، دار الكتاب العربي، الطبعة الأولى 1419هـ – 1999م، ج2 ص206 وما بعدها].

تعقيباتٌ هامّةٌ:

التعقيب الأول: هل يملك الحداثيون والعلمانيون هذه الشُّروطَ  حتَّى يدّعون أهلية الاجتهاد؟

قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَا تَسۡمَعُوا۟ لِهَـٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡا۟ فِیهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]

قال الإمامُ ابنُ جُزَيّ (741 هـ): “المعنى لا تسمعوا إليه، وتشاغلوا عند قراءته برفع الأصوات وإنشاد الشعر، وشِبْه ذلك حتى لا يَسمعَه أحد، وقيل: معناه قَعُوا فيه وعَيِّبُوه”.

قال الإمامُ ابنُ عطِيّةَ (546 هـ) في تفسيره «المحرر الوجيز»: “﴿لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ أيْ: تَطْمِسُونَ أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وتُمِيتُونَ ذِكْرَهُ، وتَصْرِفُونَ القُلُوبَ عنهُ”.

وأعداء الإسلام في هذا الزمان يقولون: “لا تسمعوا لكلام العلماء، وقَعُوا فيهم وعَيِّبوهم، وتشاغلوا بسماع اجتهادات الجهلاء، وأباطيل السفهاء”.

التعقيب الثاني: هل يجوز لعامَّةِ النّاس أنْ يأخذوا دينهم من هؤلاء الحداثيين والعلمانيين؟

إنّ الدِّينَ لا يؤخذُ من مجهول، أو من مَطْعون في علمه أو في دينه، إنّ الواجبَ أنْ نأخذ دينَنا مِنَ العلماء الْعُدُولِ وَالثِّقَاتِ، قالَ التّابِعِيُّ الجليل ابْنُ سِيرِينَ: “إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ”. [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].

وقال الإمامُ أبو حامد الغزّالي (505هـ): “لَا يَسْتَفْتِي الْعَامِّيُّ إلَّا مَنْ عَرَفَهُ بِالْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ”. [المستصفى، أبو حامد الغزالي، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1413هـ – 1993م، ص373].

إنَّ علماء الفيزياء والفلك، عندما تعترضهم بعضُ المسائل التي تحتاج في حلّها إلى تحويلها إلى معادلات مُعقّدَة، فإنهم قد يلجؤون إلى علماء الرياضيات؛ لصياغة هذه المعادلات وحَلِّها، ولا يخطرُ على بالِهم اللجوءُ إلى شاعرٍ أو طبيب أو فيلسوفٍ. فكيف يسمحُ أحدُ الناس أن يتركَ مَنْ عُرِفوا بالعلم والعدالة والتقوى، ويلجأَ إلى علماني أو حداثي أو إلى مَطْعون في علمه أو في دينه؛ لكي يأخذ منه الدين والفتوى؟

التعقيب الثالث: هل في مقْدور عامّةِ النّاس أن يكونوا علماء، ومُجتهِدينَ في الدِّين؟

إنّ الشريعة الإسلامية تتميّزُ بالواقعية، والواقعُ يشهد أنه لا يمكن لجميع النّاس أنْ يتخصصوا في علوم الشريعة الإسلامية، والنّظر في الأدلة واستنباط الأحكام؛ ولذلك فالواجب على عامّة النّاس اتباعُ العلماء وتقليدُهم.

قال الأستاذ الدكتور مصطفى ديب البغا – أستاذ الفقه وأصوله وقواعده في جامعة دمشق –: “التقليد بالنسبة للعامِّي – وهو الذي ليس لديه أهلية الاجتهاد – واجبٌ وفرضٌ في حقِّه…

ودليلُ مشروعيته: أنَّ كُلَّ مكلَّفٍ عليه أن يعرفَ حُكْم اللهِ عزَّ وجَلَّ في كلِّ تصرُّفٍ مِنْ تصرُّفاته، وليس كلُّ مكلَّفٍ لديه أهليةُ النَّظَرِ في الأدلَّةِ واسْتِنْباطِ الأحكام. وكذلك لوْ وجب على كُلَّ مكلَّفٍ الاجتهادُ لَتعطّلَتِ الصناعاتُ والتِّجاراتُ والزراعاتُ، ولَوَقعَ النَّاسُ في حرجٍ ومشقّةٍ شديدين، وهذا خلافُ مَقْصِدِ الشارع من التيسير ورفع الحرج”. [أصول الفقه الإسلامي دراسة عامة، الأستاذ الدكتور مصطفى ديب البغا، الطبعة الثالثة: 1428 هـ – 2007 م، دار المصطفى – دمشق – سوريا، ص263].

وقال الأستاذ الدكتور عبد الكريم النملة  في المسألة الرابعة مِن مسائل التقليد، في الفصل الخامس: “يجوز تقليد العامِّي للعالم في فروع الدين – كتفصيلات مسائل الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والمعاملات، والعقوبات ونحو ذلك – لإجماع الصحابة رضي الله عنهم والتابعين؛ حيث إن هؤلاء كانوا يُسألون عن الأحكام فيفتون، ولم يقل أحد منهم: اذهب أيها السائل واعرف الحكم بنفسك. وكان السائل يتبع المجتهد فيما يقول، وكان العلماء يبادرون إلى الإجابة من غير إشارة إلى ذكر الدليل، أو طريق الحكم، ولم ينكر أحد ذلك، فكان ذلك إجماعاً منهم على جواز اتباع العامي للمجتهد مطلقاً.

ولقوله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)، حيث إن هذا دلَّ على أنه يرد الحكم إلى أهل الاستنباط وهم المجتهدون”. [الجامع لمسائل أصول الفقه وتطبيقاتها على المذهب الراجح، عبد الكريم النملة، مكتبة الرشد – الرياض – المملكة العربية السعودية، الطبعة السادسة، 1424 هـ – 2003 م، ص412].

 

التساؤل الحادي عشر: ما هي الأمور التي يجب على عامَّة النّاس معرفتها والسؤال عنها؟

قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ” [رواه ابن ماجه وغيرُه، وقال الشيخُ المحدث الأرنؤوط: حديث حسن بطرقه وشواهده/ سنن ابن ماجه، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد – محمَّد كامل قره بللي – عَبد اللّطيف حرز الله، دار الرسالة العالمية، الطبعة: الأولى، 1430 هـ – 2009 م، ج1 ص151]

قال الإمامُ القاضي ناصر الدين البيضاوي (ت 685هـ): “المراد من (العلم): ما لا مندوحةَ للعبد من تعلمه، كمعرفة الصانع [أي: الله تعالى]، والعلم بوحدانيته، و ونُبُوَّةِ رسوله، وكيفية الصلاة، فإنّ تعلمَه فرضُ عيْنٍ”. [تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة، ناصر الدين البيضاوي، تحقيق: لجنة مختصة بإشراف نور الدين طالب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، عام النشر: 1433 هـ – 2012 م، حديث رقم 95، ج1ص155]

وقال الإمامُ ابن رجب الحنبلي (795 هـ): “وأما معرفة ما أمر الله به ونهى عنه، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه وينهى عنه فيجب على كل من احتاج إلى شيء من ذلك أن يتعلمه؛ ولهذا رُوِيَ: “طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ”.

فإنه يجب على كل مسلم معرفة ما يحتاج إليه في دينه، كالطهارة والصلاة والصيام. ويجب على مَنْ له مالٌ معرفة ما يجب عليه في ماله من زكاة ونفقة، وحج وجهاد. وكذلك يجب على كلِّ مَنْ يبيع ويشتري أن يتعلم ما يحل ويحرم من البيوع”. [ورثة الأنبياء شرح حديث أبي الدرداء، ابن رجب الحنبلي، دراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة: الثانية، 1424 هـ – 2003 م، ص22].

 

خاتمة: هذه بعض الكتب والأبحاث الهامة، حول الشريعة الإسلامية:

  • (تاريخ التشريع الإسلامي) للشيخ الأستاذ الدكتور مناع القطان.
  • (تاريخ الفقه الإسلامي) للشيخ الأستاذ الدكتور محمد علي السايس.
  • (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) للشيخ ابن تيمية.
  • (أسباب اختلاف الفقهاء) للشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي.
  • (أسباب الاختلاف الفقهيّ) لفضيلة المفتي الدكتور صفوان “محمد رضا” عضيبات/ مدير الإفتاء المركزي، دائرة الإفتاء العام. بحث نُشِر بمجلة البحث العلمي الإسلامي، العدد (23)، 1436هـ/2014م، ونُشِرَ أيضاً في الموقع: https://www.aliftaa.jo/Research.aspx?ResearchId=80
  • كتاب (ضوابط استنباط الأحكام من النصوص الشرعية)، للدكتور أحمد عبد المجيد محمد مكِّي.
  • بحث بعنوان (الاستنباط من النص شروطه وضوابطه)، للدكتور، محمد حمد كنان ميغا، نُشِر بِبوّابة ”الرابطة المحمدية للعلماء/ المملكة المغربية“، بتاريخ: 2016-11-24.
  • كتاب (فقه الواقع (أصول وضوابط))، للأستاذ الدكتور أحمد بوعود، تـقديم: عمر عبيد حسنة/ انظر هذا الكتاب – إن شئت – على الرابط:

https://islamweb.net/ar/library/index.php?page=bookcontents&ID=1&idfrom=2423&idto=2436&bk_no=1575

  • (مظاهر الانحراف في فهم السنة وضوابط العصمة من ذلك)، الأستاذ الدكتور عبدالعزيز دخان، مكتبة الصحابة، الشارقة – الإمارات، الطبعة الأولى: 1424هـ – 2003م.

تنبيه: هذا الكتاب يوجد في بعض المواقع بعنوان آخر، هو: (مظاهر الانحراف في فهم السنة النبوية وطرق السلامة منها).

– (منهج القران الكريم في إصلاح المجتمع)، للدكتور محمد السيِّد يوسف.

انتهى البحث بفضل الله وعونه.

وكتبه: عبد المجيد فاضل

 

الفِهْرِس

تمهيد

التساؤل الأول: ما هي الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية؟

التساؤل الثّانِي: منْ له الحَقُّ فِي التَّشْرِيعِ؟

التساؤل الثالث: ما هو المجال الذي يجوز فيه الاجتهاد؟

التساؤل الرابع: لماذا لمْ تأتِ جميعُ النصوص التي تتعلّق بالأحكام مُحْكَمَةً، لا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيل وَلاَ تُثِيرُ الاِخْتِلاَفَ؟

التساؤل الخامس: ما معنى القاعدة الفقهية القائلة: (لا يُنْكَرُ تغَيُّرُ الأحكام بِتغَيُّر الزمان)؟

وقفة هامّةٌ: الإجابةُ عن شُبْهتيْن يستدل بهما العلمانيون على جواز تعطيل النصوص الشرعية االمُحْكَمَ

الشبهة الأولى: الزعم أنّ عمر بن الخطاب ألْغى سهم المؤلفة قلوبهم التي جاءتْ في كتاب الله

الشبهة الثانية: الزعم أنّ عمر بن الخطاب أبطل حكم قطع يد السارق الذي جاء في كتاب الله

التساؤل السادس: هل صحيح أَنَّ الْفِقْهَ الإِسْلاَمِيَّ لَمْ يُعَالِجْ مَشَاكِل الْعَصْرِ؟

التساؤل السابع: هل في الشريعة الإسلامية حرجٌ وَشِدَّةُ على النّاس؟

أوَّلًا – إن الدنيا دارُ تكليفٍ وابتلاءٍ وامتحانٍ، وليست دارَ بقاءٍ وراحةٍ وسُرورٍ

ثانياً – الذي يؤمن باللَّهِ ويُحبُّه لا يستثقل عبادة الله تعالى وإطاعتِه، بل يجد حلاوةً في العبادة والطاعة

ثالثاً – الشريعةُ الإسلاميةُ مبنيةٌ على اليسر ورفع الحرج

رابعاً – المؤمن مأجورٌ على جميعَ المشقّاتِ

التساؤل الثامن: لماذا يَجِبُ التّمَسُّكُ بالْفِقْهِ الإِسْلاَمِيِّ؟

التساؤل التاسع: ما مدى خطورة الإعراض عن شريعة الله؟

التساؤل العاشر: ما هي الشروطُ التي يجب أنْ تتَوفّرَ في العالِم المجتهدِ الذي له الحق في إعطاء الفتوى؟

تعقيباتٌ هامّةٌ:

التعقيب الأول: هل يملك الحداثيون والعلمانيون هذه الشُّروطَ  حتَّى يدّعون أهلية الاجتهاد؟

التعقيب الثاني: هل يجوز لعامَّةِ النّاس أنْ يأخذوا دينهم من هؤلاء الحداثيين والعلمانيين؟

التعقيب الثالث: هل في مقْدور عامّةِ النّاس أن يكونوا علماء، ومُجتهِدينَ في الدِّين؟

التساؤل الحادي عشر: ما هي الأمور التي يجب على عامَّة النّاس معرفتها والسؤال عنها؟

خاتمة: هذه بعض الكتب والأبحاث الهامة، حول الشريعة الإسلامية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.