منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

التكييف الشرعي للرقمنة والاقتصاد الرقمي (4) سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة

الدكتور أحمد الإدريسي

0

التكييف الشرعي للرقمنة والاقتصاد الرقمي (4)

سلسلة مقالات الاقتصاد الإسلامي والرقمنة

الدكتور أحمد الإدريسي

لا ينبغي أن نحكم على أية معاملة مالية جديدة بالجواز أو الإباحة حتى تتوفر فيها المعايير الشرعية والقانونية وتخضع للضوابط الشرعية. كما يجب الانتباه إلى أساليب الدعاية والتعريف بالمنتج والعمليات. والاحتياط في تعاملهم بالطرق والأساليب المغرية.

وينبغي من جهة أخرى البـحث في المسائـل الشـرعـية الـعامـة الـتي تـتوقـف عـليها رقـمنة كـثير مـن المعاملات المالية ومنتجات التمويل الإسلامي، وكـيف يمكن الـتعامـل مـعها فـي ظـل رقمنة المنتجات.

أولا: إعداد البيئة التشريعية للاقتصاد الرقمي.

التمويل الإسلامي قـائـم فـي أسـاسه عـلى الالـتزام بأحكام ـالشـريـعة، فـكلّ مـا يسـتجد طـرحـه مـن قِـبل الاقتصاد الإسلامي عامة، والتمويل خاصة، لابـد لـه مـن الإجـازة الشـرعـية قـبل نـقله إلـى حـيز الـتطبيق، وإنّ هـذه الإجـازة إلا من شَهــد لــهم المــيدان بــالــعلم والــتقوى حــتى لا يــكون بمــثابــة شــعار الشــرعــية لا تــصح تسويقيّ يسعى الطامعون إلى استغلاله في مصالحهم الشخصية.

وتــتمثل إعداد وتهــيئة الــبيئة الشــرعــية فــي مــجال رقــمنة الاقتصاد فــي أمــور، مــنها:

– إعــادة صــياغــة عــقود المنتجات بما يــناســب الــبيئة الــتطبيقية لممارســة المنتجات الــرقــمية حتى يــحفظ حــقوق المتعامــلين مــن الــضياع، وحــتى تــكون عــمليات التمويل واضــحة لا يـشوبـها أي لـبس أو خـطأ أو غـموض حتى يـجعله أكـثر قـدرة عـلى الـتعامـل مـع الـعملاء، فـإذا اسـتقرّ فـي نــفوس الــعملاء أنّ الــتعامــل مــع اcــصرف فــي ظــل الــتمويــلات الــرقــمية حــافــظ لــلحقوق فــإنّ ذلــك أدعــى لاسـتمراريـة تـعامـلهم مـعه وإقـبال اغيرهم عـليه.

– التــدريــب الشــرعــي وتهـيئتهم فـيما هـو ضـروري فـي عـلم الـتكنولـوجـيا المالـية لـتمكينهم مـن الـفهم الـصحيح بما يسـتجدّ مـن الصـور حـتى يـكونـوا أكـثر قـدرة عـلى تـطويـر المزيـد مـن المـنتجات الـرقـمية ولـيكونـوا قـادريـن عـلى إعـطاء الحـكم الـصحيح لما يـطوّره غـيرهـم مـن مـنتجات رقـمية، لأن؛ “الحـكم عـلى الشـيء فـرعٌ عـن تـصوره”.

– تـطويـر الـقوائم الـداخـلية الـناظـمة لـلمعاملات المالية، والعمليات المصرفية خاصة بهـدف إزالـة الـعوائـق التشـريـعية أمـام رقمنة الصيغ التمويلية أو حتى عملية الرقمنة بكليتها.

ثانيا: رقمنة المعاملات المالية وظهور الغرر والجهالة والغبن.

من البيوع والمعاملات المنهي عنها؛ كل معاملة تتصف بالغرر والجهالة والغبن، وكل معاملة تتصف بأي شكل أشكال الخداع، فعن عبد الله بن عمر ري الله عنه، أن رجلا ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بايعت فقل لا خلابة فكان الرجل إذا بايع، قال: لا خلابة). قال أبو عمر في شرح هذا الحديث: يقال: إن الرجل الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا بايعت فقل لا خلابة هو منقذ بن حيان، وذلك محفوظ من حديث ابن عمر، وغيره[1].

لذلك يجب الاحتياط في التعامل بالطرق والأساليب المغرية مثل الغرر والجهالة والغبن.

1- الغرر اليسير:

اليسير من الغرر والغبن الذي لا يمكن الاحتراز منه مُغتفر ويمضي في البيوع، فقد أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر قليل، كما صرح الإمام النووي. وقال ابن رشد: والعلماء متفقون على تجويز الغرر القليل[2]. وقال ابن العربي: والغبن ممنوع إجماعا؛ إذ هو من الخداع المحرم، لكن اليسير منه لا يمكن الاحتراز منه فيمضي في البيوع، إذ لو حكمنا برده ما نفذ بيع أبدا[3].

2- الغرر المؤثر:

الغرر المؤثر هو الغرر الكثير، في عقود المعاوضات المالية، إذا كان في المعقود عليه أصالة، ولم تدع للعقد حاجة. والغرر لا يكون مؤثرا إلا بالشروط[4]:

– أن يكون في المعقود عليه أصالة.

– أن يكون الغرر كثيرا.

– أن يكون في عقد من عقود المعاوضات المالية.

– ألا تكون للعقد حاجة ملحة.

ثانيا: التكييف الشرعي للتسويق الشبكي.

1- تطبيق الغرر على التسويق الشبكي:

التسويق الشبكي من عقود المعاوضات المالية المستجدة في العصر الحاضر، والغرر في التسويق الشبكي غرر كثير، وقيل هو عين القمار والميسر، الموجود في المعقود عليه أصالة وهو العمولات، لأن المشتري المسوق إنما يدفع مبلغ الشراء للحصول على حق التسويق، ومن ثم للحصول على العمولات، وهي مجهولة التحقق، قد تحصل وقد لا تحصل، وهذا هو الغرر المحرم في المعقود عليه.

2- الحكم الشرعي للتسويق الشبكي:

بناءً على ما سبق اتفق جماهير العلماء والباحثين في هذا العصر على أن التسويق الشبكي بهذه الصور عقد محرم فاسد لا يجوز التعامل به ولا الإعانة عليه، وعلة التحريم كثيرة، منها:

العلة الأولى: الغرر، لأن المشتري المسوق يدفع مبلغا لشراء السلعة أو للحصول على حق التسويق، توسلا بذا الشراء أو الدفع للحصول على العمولات والأرباح الاحتمالية وهي مجهولة التحقق، وهذا عين الغرر.

العلة الثانية: أكل أموال الناس بالباطل، وهذه العلة تتحقق في جوهر نظام التسويق القائم على ربط الناس ونظمهم في طبقات يأكل بعضهم من جهد بعض، والشركة تأكل من جهد الجميع دون وجه حق، فهو من أكل أموال الناس بالباطل، وشراء المنتج فيه صوري للوصول إلى العمولات والأموال الموعودة الاحتمالية التحقق وهذا لاستباحة القمار والميسر من الحيل المحرمة[5].

العلة الثالثة: وجود القمار والميسر، وهو من جهة المشتري المسوق أن العمولات الاحتمالية الناتجة من التسويق مقابل ما دفعه مجهولة التحقق، يمكن أن تزيد عما دفعه فيغنم أو تنقص أو تنعدم فيغرم. والقسم الثاني والثالث أصرح في القمار من الأول.

3- البديل الشرعي للتسويق الشبكي المحرم:

فرق أغلب العلماء بين التسويق الشبكي المحرم، وبين أن يكون التسويق الشبكي حلال شرعًا ويدخل في دائرة الإباحة، تبعًا لنية المسوق، ونية الشركة التي تعتمد على أسلوب التسويق الشبكي. وهناك بدائل شرعية للتسويق الشبكي المحرم، نذكر منها:

– عندما يكون التسويق للمنتج وليس للعمولة، ولذلك يجب أن يكون هناك منتج حقيقي مرغوب به، منافس في السوق، فعندها تقوم بالتسويق لهذا المنتج، لتحصل على عمولة، ويمكن أن يشترك أي شخص اشترى هذا المنتج في التسويق له أيضًا.

– إذا كان هناك منتج حقيقي يتم التسويق له، وهذا المنتج ليس وهميًا، وليس موضوع فقط كبديل عن دفع الاشتراك للدخول في الهرم التسويقي، والذي قال بعض العلماء بتحريمه.

– السمسرة المشروعة، حيث تدعو الشركة ذوي الكفاءة للعمل لديها كمسوقين، وتمنح كل مسوق عمولة محددة على كل عميل يقنعه بالانضمام إلى الشركة، مع مراعاة الشروط الأخرى التي اشترطها الشارع لصحة عقد البيع، وتجنب أسباب فساده.

وقد صدر المجلس الشرعي الوطني التابع لمجلس العلماء الإندونيسي فتوى برقم الإصدار (/2009VII/MUI DSN75/ (سنة 2009 م عن “دليل التسويق المباشر المتعدد الطبقات الشرعي” أو “التسويق الشبكي الإسلامي”، ونص فيه أن التسويق الشبكي الإسلامي يجب أن يتوفر فيه اثنتا عشر شروطا، ويمكن الرجوع إلى هذه الفتوى.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – ابن عبد البر؛ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. ج:17 / ص:7.

[2] – ابن رشد؛ بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ج:2  /ص:255.

[3] – ابن العربي؛ أحكام القرآن . ج:4  /ص:816.

[4] – الكاساني؛ أبو بكر بن مسعود. بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع. ج5 / ص:138.

[5]– الحيلة المحرمة هي: أن يُـظهر عقدا مباحا يريد به محرما، مخادعة وتوسلا إلى فعل ما حرم االله، واستباحة المحظورات، أو إسقاط واجب، أو دفع حق، وغير ذلك.

يُنظر: ابن قدامة؛ المغني. ج:6 / ص:116.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.