هذا ما تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
هذا ما تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟/ د. البشير قصري
هذا ما تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
د. البشير قصري
من عناية الله عز وجل بنا أن خلقنا ورزقنا وأرسل لنا خير رسله، وأنزل علينا أفضل كتبه، فأقام الحجة، وبين سبيل الرشد، وهدى إلى الطريق الأقوم، ولم يرحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا حتى أكمل الله لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، قال الله تعالى: ﴿اِ۬لْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِے وَرَضِيتُ لَكُمُ اُ۬لِاسْلَٰمَ دِيناٗۖ﴾[1].
روى الترمذي وغيره عن الصحابي الجليل العرباض بن سارية، قال: «وعظَنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسلَّمَ مَوعظةً ذَرَفَتْ منها العيونُ ووجِلَتْ منها القلوبُ فقلنا يا رسولَ اللهِ إنَّ هذه لموعِظَةَ مُوَدِّعٍ فماذا تعهَدُ إلينا ؟ فقال: تركتُكم على البيضاءِ ليلِها كنهارِها لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالِكٌ، ومن يَعِشْ منكم فسَيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرَفتُم من سُنَّتي وسُنَّةِ الخلفاءِ المهدِيِّينَ الرَّاشدينَ»[2]، في هذا الحديث الحَثُّ والتأكيدُ الشَّديدُ على التمسُّكِ بسنة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشِدين، والنَّهيُ عن الابتداعِ في الدِّينِ والتحذيرُ الشَّديدُ مِن ذلك، وفيه أيضا بيان مقام النبوة المحمدية وفضلها، فقد وصف ما تركنا عليه، وانتهت إليه رسالته، وسكت عما وجد الناس عليه، ولك أن تقدر البون الشاسع بين المدخلات والمخرجات لتقف على عظم العمل، بُعث في مجتمع جاهلي بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ضلال وضياع للوجهة والقصد، ليشيد السبيل الأقوم والطريق الأسلم، هي المحجة البيضاء، هي السنة النبوية، هي الإسلام وشرائعه، هي الإيمان ولوازمه، هي الإحسان ومقاماته وأحواله. فعلى ماذا تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمة خيرية عظيمة لا غثائية فاسدة، يقول الإمام عبد السلام ياسين: “على هذا تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تركنا أمة مقاتلة قوية على رد التحديات، وعلى اتخاذ المبادرات، وتحمل المشقات”[3]، ألف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمة متراحمة مجاهدة لا قاعدة، واحدة لا متفرقة، حافظ الجيل الأول على الإرث النبوي وضيعناه، فصرنا أمة منهمكة ومنهوكة، هزيلة وهازلة.
تركنا صلى الله عليه وسلم على تربية نبوية قرآنية -وكان من ثمرتها ما ذكرناه آنفا- ولولا جهاد أهل غزة، وصمودهم البطولي، وتضحياتهم في سبيل الله بكل ما يملكون لقلنا إن مفتاح هذه التربية بما هو صحبة وذكر وصدق، قد ضاع منا، وباب تلك العزة والشدة قد أحكم إغلاقه، وزمن الفضائل قد ولى، ولكن والحمد لله تبقى على مر العصور “بيضاء واضحة هي المحجة النبوية، لا إسلام الخمول والاستسلام، ولا الثورة والعنف، ولا الزهادة والانزواء، ولكن القوة في خدمة الحق والعدل”[4].
تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقيدة التوحيد، كأساس لبناء الشخصية الإنسانية، وذلك بأن يكون الله تعالى قبلة رجاك، ومنطلق إرادتك، وحادي مسارعتك، فإذا وحَّدت المطلوب (الله تعالى) اندرجت تحت توحيده كل المطالب، إذا وجدت الله وجدت كل شيء، وإذا فاتك الله فاتك كل شيء، لذلك قيل: من مات ولم يفز بالله فلا نهاية لحسرته، ولا تخفى الآثار النفسية والسلوكية للتوحيد على استقامة الإنسان “فالتوحيد يجمع عناصر نفسه، ويوحد اتجاه مشاعره نحو مصدر واحد للتلقي، فهو لا يخاف إلا واحدا، ولا يطمع إلا في واحد، ولا يتقي إلا واحدا، ولا يتقرب إلا لواحد، فيؤدي هذا التوحيد إلى أثر تركيبي في بناء الشخصية، فلا تتوزع مشاعره، ولا تنقسم نفسه، ولا تتشتت همته”[5].
تركنا رسول الله على شريعة الإسلام مرجعا حاكما لحركية وتفاعلات المجتمع الإنساني، وقد أشار بتعبير دقيق لأبرز معالمها العلامة ابن القيم الجوزية، في كتابه القيم إعلام الموقعين عن رب العالمين، فقال: “.. فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة على صدق رسوله صلى الله عليه وسلم”، فلينظر كل مسلم إلى هذا الذي تركنا عليه رسولنا الأكرم صلوات الله وسلامه عليه، هل حفظه أم ضيعه؟ هل هو سالك للطريق أم متصكع فيه؟ هل يهتدي بالمعالم والصوى، أم أخْفيت عنه؟ ولا يستوي الأعمى والبصير، وإلى الله المسير والمصير.
[1] – المائدة: 4.
[2] – أخرجه أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (42)، وأحمد (17144) باختلاف يسير.
[3] – القرآن والنبوة، عبد السلام ياسين، دار لبنان ، الطبعة الأولى، 2010م، ص98.
[4] – نفسه، ص101.
[5] – علم النفس المقارن، سعاد جبر سعيد، عالم الكتب الحديث، الأردن، الطبعة الأولى، 2008م، ص25.