منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل تستحق مهنة “ربة بيت” مقابلا ماديا؟ (1)

د. عبد الحليم زوبير

0

هل تستحق مهنة “ربة بيت” مقابلا ماديا؟(1)

د.عبد الحليم زوبير

أثارت الدعوة إلى تثمين عمل ربة البيت جدلا فقهيا وأخلاقيا، دار حول عدالة القول بمشاركة المرأة زوجها ثروته بناء على قرارها في البيت، وعملها في مهام الطبخ والغسيل وسائر الأعمال اليومية؛ ولعل ما ييسر النظر بموضوعية إلى المسألة، محاولة عرض أسباب المطالب والمخاوف، لنتعرف ماذا يريد المطالبون بتثمين عمل المرأة في البيت، وما ذا يخاف الرافضون لذلك؟ أما قبل ذلك فالكلام مجرد انطباع أولي يضر ولا ينفع.

بماذا تستحق ربة البيت نصيبا من ثروة زوجها؟

إذا نحن وضعنا أنفسنا مكان سيدة تعمل طول النهار، بين المطبخ والمغسل وتنظيف البيت والاهتمام بتعليم الأطفال وتمريضهم، واستقبال ضيوف الزوج والعناية ببعض أقاربه، مع الحرص على ألا تفقد لياقتها الجسدية بما يهيئها لاستقبال زوج مرهق بضغوطات العمل، ومشاكسات الشركاء في العمل.. الخ فإننا لن نتردد في اعتبار المرأة شريكة الرجل في معاناة الكسب، وجمع الثروة؛ وذلك يتجلى بتفصيل في مهام، كلها ذات مقابل مالي، وعلى فرض عدم وجود الزوجة أو رفضها القيام بها، فإن الرجل مطالب باستئجار  خادمة تقوم بهذه الأعمال، بمقابل مادي محترم.

ويمكننا رصد المهام التالية:

1-المداومة في البيت:

ففي الماضي لم تكن هذه المهمة ذات شأن، حيث البيت يعج بالأسرة الممتدة جدا وجدة..، والجيران جميعا بمثابة أسرة واحدة؛ أما وقد انفردت الأسر عن بعضها البعض، وأغلق الجيران أبوابهم، حتى إن بعض اللصوص سرقوا بيوتا أمام أعين الجيران، دون أن يكلف أحد نفسه السؤال عما يجري، فمداومة المرأة في البيت له معنيان: الأول هو عنايتها بالبيت والحرص على استمرار الحياة فيه طول النهار؛ والمعنى الآخر ذلك الملل الطويل والهدوء الموحش، في الوقت الذي يكون الرجل في عمله والمرأة العاملة أيضا، في غاية النشاط، في مجتمع الزملاء، حيث العلاقات المهنية وتحقيق الذات، والإنجازات اليومية، وتقديرات الرؤساء والموظفين.

2-خدمة البيت:

ليست المرأة بدون مهنة في بيتها كما يتصور كثير من الرجال، فعمل المرأة عمل مستمر، قد يغطي على قيمته ما فيه من المرونة، بحيث تستطيع تقديم بعض المهام وتأخير بعضها، وضم بعض العمل إلى بعض، في أول النهار أو آخره، أو حتى ضم بعض الأعمال اليومية وإنجازها دفعة واحدة في نهاية الأسبوع؛ لكن عند التأمل نجد عملا مضنيا، يكلف جهدا وطاقة نفسية وبدنية، فمجرد قرار اختيار وجبة اليوم يرهق ربات البيوت، كما يرهق قرار اللباس المناسب كل يوم الموظفين والموظفات.

3-العناية بالأطفال:

كلما ازداد طفل تعقدت مهام السيدة في بيتها، وازادت أعباؤها، وقد يسبب ذلك شرخا في علاقتها بالزوج، الذي يفتقدها، فيغضب دون أن يقدم لها بديلا مساعدا؛ وعلى كل حال فربة البيت تقوم بأعمال جسام في رعاية أطفالها، أعمال مادية تتعلق بالتنظيف والتنظيم والتأمين داخل البيت، وفي الطريق إلى المدرسة ومراكز الدعم والأنشطة الموازية والترفيه؛ وأعمال معنوية تتمثل في التوجيه والتطبيع الاجتماعي ومراقبة تأثيرات المحيط الخارجي ووسائل الإعلام في حياتهم، وإحاطة الزوج بسير أبنائه المادي والتربوي.

4-استقبال الضيوف والاهتمام بالأقارب:

هذه إحدى المهام الأساسية التي بنيت عليها الأسرة المسلمة، ولا يمكنها القيام بهذا الدور في سياقنا المعاصر دون وجود زوجة صالحة مجاهدة في أعمال البيت؛ فالضيف في السياق المعاصر لا يكتفي بالقرى (ما يقدم للضيف أول نزوله) كما كان قديما، بل هناك غرفة يجب أن تكون جاهزة، وهناك أنواع من الأكل والشرب يجب أن تحضر، وكل ذلك يحتاج تركيزا وتخطيطا مسبقا، وخروجا إلى السوق مرة أو أكثر، ولا ينتهي الأمر عند العمل على تهيئة الأجواء لتمر الضيافة بخير، فالأطفال -في حال ضيق البيت- ينبغي أن يتعلموا الانحشار في غرفة واحد، مع تخفيض الصوت، كلما كان الضيف ثقيلا ينزل لأول مرة، أو كان الزوج يبرم معه صفقة تتعلق بالعمل؛ وكل ذلك لا يقوم به سوى الزوجة ربة البيت.

لكن الرافض لتثمين عمل المرأة في بيتها سيبادر لنسف هذه الادعادات بجملة من الفرضيات، نبحث عن أكثرها وجاهة، ومنها:

1-إن المرأة في بيتها لا تقوم إلا بخدمة نفسها، أما الأولاد فيقضون سحابة يومهم في المدرسة، وحتى ما تقوم به لخدمة الزوج فلا يعدو أن يكون تكملة لما تقوم به الآلة، التي تتكلف بالتنظيف والغسيل والعجين والطبخ.

2-فيما يتعلق بالأطفال تحرص المرأة على تباعد الولادات، والاكتفاء بولد واحد أو اثنين أو ثلاثة على الأكثر، ومصاريف الولادة والرضاعة والعلاج والتعليم الأولي الذي يعفي المرأة من مسؤولياتها مبكرا، يتحمله الزوج لوحده.

3-لا تتحمل المرأة أي مسؤولية تجاه الضيوف الذين لا يأتون إلا ناذرا، وفي الحالات الناذرة تلك يلزم الزوج بتخصيص وقت وميزانية للتسوق، وقد يصرف على ضيوف المرأة أكثر  ما يصرف على ضيوفه؛ ومثل ذلك يقال عن أقارب الزوج، الذين يغلق الباب في وجوههم عادة، ويصبح البيت خالصا للزوجة وأهلها، وحتى الأطفال لا يتعرفون من الأقارب إلا على أخوالهم؛ والزوج صاحب البيت والنفقة بمثابة زائر دائم، لا يملك من أمور البيت شيئا.

فبأي حق تستحق هذه المرأة نصيبا من بيت الزوجية بعد الطلاق أو وفاة الزوج؟

إن هذه الافتراضات والاعتراضات تدل على أن هناك خللا في المجتمع نتج عنه خلل في تصور موضوع الحكم؛أما الاختلال المجتمعي فهو أن الفرضيات الأولى تتحدث عن الجانب المشرق للمجتمع المغربي الأصيل، الذي تكافح فيه المرأة من أجل أسرتها، وتقوم بالمهام التي كانت موزعة سابقا بين أطراف كثيرة في المجتمعات القديمة، وهذه حالة مجتمعية لا تزال موجودة بحمد الله في مجتمعنا، تستحق التنويه والشكر؛ ولو نضمن أن تكون جل البيوت المغربية على هذا النحو لما ترددنا في التصفيق لتثمين عمل المرأة في البيت؛ وهل هناك عمل يستحق الثمن أكثر من هذا الذي تقوم به المرأة المغربية الأصيلة؟

لكن الخلل يتجلى في صحة الاعتراضات السالفة أيضا، فالكثير من ربات البيوت استسلمن للتفاهة، فلا هي عاملة تعذر بالتزاماتها المهنية، ولا هي قائمة بشؤون البيت، بما يجعله مأوى السكن وتربية الأبناء والنشاط العائلي وإكرام الضيف وبناء العلاقات الاجتماعية؛ ومن ذا الذي يقبل أن تعيش المرأة عالة على الزوج، لا تتحمل معه أي عبء،  ثم هي بعد ذلك تستحق جزءا من ثروته التي لم تشاركه فيها بأي طريق.

إذا فالموضوع الذي يستحق المناقشة اليوم، هو هذا الضياع بين النماذج الأصيلة والملفقة، وبالرجوع إلى السؤال الذي بدأنا به، فإن صيغة السؤال فيه نوع تضليل؟ ولعل الصيغة المثلى هي: متى تستحق الزوجة مقابل أعمالها في البيت؟ والأفضل السؤال بهذه الصيغة: كيف السبيل لترسيخ دور المرأة في بيتها؟

وتلك أسئلة لو ركزنا على الجواب عنها، لتجنبنا هذه الاستقطابات التي تمزق شملنا، وتضيع أهدافنا، وتكرس تخلفنا، ولا تقدم شيئا لبيوتنا.

يتبع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.