منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مقدمات في الدراسة المصطلحية والمصطلح القرآني

مقدمات في الدراسة المصطلحية والمصطلح القرآني/  د. محمد الأحمادي

0

مقدمات في الدراسة المصطلحية

والمصطلح القرآني

 د. محمد الأحمادي

مقدمة:

أما بعد ففي هذه المقدمات أحاول أن أتعرض لقضية المصطلح، التي تعتبر من الأهمية بمكان، حيث لا يستغني عنها طالب علم في أي مجال من المجالات العلمية الشرعية أو الكونية، كما أحاول عرض منهج علمي متكامل أصيل؛ لدراسة المصطلحات في مختلف المجالات، ألا وهو منهج “الدراسة المصطلحية”، الذي أرسى قواعده فضيلة الأستاذ الدكتور الشاهد البوشيخي، حفظه الله وزاده بسطة في العلم والجسم. كما لا يخفى على دارس المصطلح أهميته في بعده العلمي؛ إذ يعتبر مفتاح كل علم وقوامه وسياجه ومقياس نضجه. كما تبرز هذه المقدمات علاقة “الدراسة المصطلحية” بالمصطلح القرآني كمنهج علمي لدراسة الألفاظ القرآنية، بغية فقه ألفاظ القرآن الكريم، حيث يقول الراغب الأصفهاني: “إن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن: العلوم اللفظية. ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة. فتحصيل معاني ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يمكن أن يبنيه… فألفاظ القرآن هي لب الكلام وزبدته وواسطته وكرائمه؛ وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم؛ وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم.”[1] و”الدراسة المصطلحية” أداة ومنهج علمي يسهل دراسة الألفاظ القرآنية من أجل فهم مراد الله من كلامه الكريم.

وفي المحصلة كان مضمون المقدمات كالآتي:

  • المقدمة الأولى: لماذا المصطلح؟
  • المقدمة الثانية: الاصطلاح أم المصطلح؟
  • المقدمة الثالثة: تعريف المصطلح
  • المقدمة الرابعة: أهمية المصطلح القرآني
  • المقدمة الخامسة: جهود العلماء في المصطلح القرآني
  • المقدمة السادسة: تعريف المصطلح القرآني
  • المقدمة السابعة: منهج دراسة المصطلحات القرآني

المقدمة الأولى: لماذا المصطلح؟

لا يخفى ما للمصطلحات من أهمية في العلوم وما يرتبط بها بشكل مباشر أو غير مباشر، باعتبار تأثير العلوم في شتى مناحي الحياة العامة والخاصة. لذلك يمكن اعتبار أهمية المصطلح في بعدين: بعد نظري تأسيسي علمي يغطي دراسة المصطلحات والمباحث العلمية التي تعنى بالمصطلح ومداره. وبُعد تداولي في اتجاه استعمال المصطلح، وتأثيرات هذا الاستعمال في مختلف الخطابات، وهو التأثير الذي يظهر في تشكل المفاهيم والسلوكات والقيم. كما هو الشأن بالنسبة للمصطلح القرآني على سبيل المثال، الذي يعطيه الاستعمال الإلهي وقعا على المتداولين له، وينعكس على تشكل تصورات وسلوك الأشخاص الذين يدينون لحمولة هذا المصطلح. من هنا تعلو أهمية دراسة المصطلح في بعديه العلمي والتداولي.

1- أهمية المصطلح في بعده العلمي:

قبل تحديد أهمية المصطلح، لابد من تأطير ذلك بإطار الرؤية التي لا مناص من أن تكون رؤية ذاتية لقضية المصطلح عموما. ونقصد بالرؤية الذاتية؛ الرؤية التي تنطلق من الذات لتعبر عن الذات وتصورات الذات. فهي تلك الرؤية الأصيلة في المنطلقات والمنهج، الصافية عن ملوثات الآخر ومشوشاته، الذي ما فتئنا انتكاسا وارتكاسا نتخذه منظارا لاكتشاف ذواتنا والعالم من حولنا، كما تتخذ العنكبوت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت. وتتضح ضرورة أصالة المنهج، “وذلك من خلال إرجاع الأبحاث الجارية في ساحة فكرنا حول المصطلح. -ابتكارا وتوليدا واشتقاقا- إلى الأصول الإسلامية الضرورية لكل أداة يراد استعمالها لأعمال التغيير على ساحة الفكر والعمل في المجتمع المسلم… بحيث تبرز لنا النتوؤات، وتظهر لنا التضاريس، حتى نحكم رقعة دلالة المصطلح ونطاق استعماله، فلا تضطرب بعد ذلك رؤانا ولا تختل مفاهيمنا حين نخاطب أو نخاطب به، وحتى تتضح لنا جذوره ومساره وتطوره، لنميز بوعي حدود منظومة المصطلحات الحاوية له، وندرك بكامل الفقه والعلم اشتقاقاته وتفاريعه وتركيباته…”[2]

أما أهمية المصطلح في بعده العلمي، أي في ارتباطه بالعلم، فمفروغ منها. إذ يعتبر المصطلح مفتاحا للعلم ومقياسا لنضجه وهو قوامه وسياجه. “فمعلوم أنه لا يمكن الاهتمام بفن من الفنون، ولا بعلم من العلوم، دون العناية بترسانة مصطلحاته، وخزان معاني ودلالات تلك المصطلحات، ومراقبة مفعولها في الأذهان ونسق المفردات والمصطلحات ومشتقاتها التي يتم تداولها المجتمع المعني بالأمر، من خلال لغة الخطاب والتخاطب.”[3]

لذا كان المدخل الطبيعي لأي علم من العلوم هو درك مصطلحاته؛ لأنها تختزن المفاهيم التي يعبر عنها، والإشكالات التي يطرحها أو يجيب عنها؛ لأن معرفة الإشكال علم في نفسه.

وإذا كان نضج العلم يكون لمدى تعقيده، فلن يتم ذلك إلا بضبط الأسس والقواعد المنظمة والمؤطرة لهذا العلم، والتي تحدد المنهج المعتمد فيه. لذلك اعتبر في عداد العلوم كل علم انبنى على ثلاثة أركان: “المصطلح، والقاعدة، والمنهج.”[4] إذ من المعلوم أن بداية علم من العلوم تكون ببداية تداول مفاهيمه في لفظ أو عدة ألفاظ، إلى أن تستقر في مصطلحات تسجل بداية العلم. ثم تأتي مرحلة تتشكل فيها قواعد العلم، باعتبار القاعدة “تركيبا نسقيا من المصطلحات، وظيفتها حل إشكال من الإشكالات.”[5] فما يلبث بعدئذ أن يتكون منهج العلم. فهو في الحقيقة “تركيب نسقي أعلى، لمجموعة من القواعد ذات الطبيعة المشتركة، أو المجتمعة على قاسم مشترك معين.”[6] أو هو “نسق من القواعد والضوابط التي تركب البحث العلمي وتنظمه.”[7] فكانت “المصطلحات أداة لقياس علمية العلم.”[8]

والقول بأن المصطلحات تكون سياجا للعلم، واضح، حيث لا يمكن الخوض في علم من العلوم إلا من قبل من اطلع بداية على مصطلحاته، وجمعها وأدرك كنه مفاهيمها ومقاصدها. وإلا تعذر عليه، بحكم العقل، الخوض أو القول فيه. وبهذا كانت المصطلحات بمثابة وقاية ذاتية للعلم، حامية له من التطفل والاجترار.

 2- أهمية المصطلح في بعده الاستعمالي:

يختلف خطاب اللغة العامة عن خطاب اللغة الخاصة، الذي يستعمل مصطلحات محددة المعنى، في مدى التأثير على الملقي والمتلقي. ويؤثر على تشكيل القيم والمواقف والأحكام والتصورات. فالمذاهب العلمية عموما، والعقدية والفكرية خصوصا، تتأسس وترتكز على ترسانة هامة من المصطلحات، توجه التفكير والسلوك على حد سواء. ونجد للمصطلحات وقعا على النفوس يحركها ويثيرها حتى تتقوى الانبعاثات والإرادات التي تسلم زمامها لمطالب هذه المصطلحات. وخير مثال يصدق على ما قلنا هو المصطلحات القرآنية. فنرى أثرها في النفوس بسبب ما أكسبه لها الاستعمال الإلهي. فنرى التأثير والاستجابة، ونرى الأثر في السلوك وفي النظرة للحياة والوجود إجمالا. فإن الاستعمال القرآني خص مصطلحات “في صيغ معينة بمدلول خاص، فأصبحت تجري للدلالة عليه في مختلف المقامات القرآنية. وظلت دلالتها الاصطلاحية تلك حاضرة في الأذهان، يتمثلها القارئ وينفعل بها لما تحمل من تميز عن سائر الدلالات الأخرى، يفتح أفقا من المعاني جديدة توجه المخاطب توجيها معرفيا ونفسيا مخصوصا، لا يتأتى بأي معنى من المعاني الأخرى التي يحملها اللفظ أو التركيب من حيث أصل ما وضع له.”[9]

وما يصدق على المصطلح القرآني، يصدق على مصطلحات الأنساق الأخرى، خصوصا الفكرية والتصورية منها. فلو قمنا بمسح للمصطلحات المتداولة بين طائفة من المصطلحيين، وقمنا بتفكيكها لاستيعاب حمولتها ثم تركيبها، لأدركنا أنساقها، ولكان بمقدورنا تحصيل مناهج أصحابها وتصوراتهم لمختلف القضايا والإشكالات.

فتتضح إذن أهمية المصطلح في ميدانه العلمي وميدانه الاستعمالي، ككائن حي يتفاعل مع الواضع والمخاطب به، أخذا وعطاء وتأثيرا وتأثرا.

المقدمة الثانية: الاصطلاح أم المصطلح؟

ظهر حديثا نقاش بين بعض الباحثين حول كلمة “مصطلح”، والعلاقة بينها وبين كلمة “اصطلاح”.

فمنهم من اعتبر كلمة “مصطلح” خطأ شائعا يجب تصحيحه، واستعمال الكلمة الصواب في اعتقاده “اصطلاح”. يقول يحيي جبر، وهو من يمثل هذا الرأي: “إنه لغريب حقا أن نجد معظم الباحثين يستعملون كلمة مصطلح بدلا من اصطلاح. مع العلم أن هذه الكلمة لا تصح لغة إلا إذا اصطلحنا عليها. ذلك أن أسلافنا لم يستخدموها، ولم ترد في المعجم لهذه الدلالة ولا لغيرها.”[10] ويعتبرها من الأخطاء الشائعة سماعا، وذلك لأنها لا تصح لدلالتها المستخدمة لها إلا مع حرف الجر (على)”[11] معتبرا فعل اصطلح متعديا. ونجد ممن عبر عن نفس الرأي د. أحمد شفيق الخطيب.[12]

ومنهم من يفرق بين هذين اللفظين، ولكن دون أن يخطّئ أحدهما. وممن نحل هذه النحلة، د. عبد الصبور شاهين. الذي يقول: “فنحن نتذوق في استعمالنا لكلمة (اصطلاح) معناها المصدري الذي يعني الاتفاق والمواضعة والتعارف، ونقصد في استعمالنا لكلمة: “مصطلح” معناها الاسمي الذي يترجم كلمة (term) الإنجليزية، ولذلك لا نجد بأسا في أن نقول : “إن اصطلاحنا على مصطلح ما ضرورة في البحث، وهو أولى وأفضل من أن نقول: إن اصطلاحنا على اصطلاح…”[13] ووصف هذا التكرار بالرقة، واعتبر أن هذه التفرقة لم تكن واضحة عند القدماء.

والسؤال الذي أثاره هذا النقاش، وما دفع بالبعض إلى إصدار أحكام على سبيل الجزم، هو: هل هذه الأحكام تقوم على الدليل؟ أم أنها “لا تقوم إلا على مجرد التخمين والتنبؤ، وليس على أساس من العلم المستند على وثائق وشواهد وأدلة حاسمة.”[14]

ولعل أهم ما كتب في هذا الموضوع، ما قدمه الدكتور عبد العلي الودغيري الذي اعتبر أنه استند في رده على من خطّأ كلمة (مصطلح) على أدلة استقرائية.[15]

ويمكن حصر الإشكال الذي طرحه من خطّأ كلمة (مصطلح) في النقط التالية:

  • أن لفظ (مصطلح) لم يرد عند القدماء، وإنما استعملوا لفظ (اصطلاح).
  • أنه لم يرد في القواميس القديمة.
  • أنه من الأخطاء الشائعة، وأنه لا يصح استعماله لغة إلا مع حرف الجر “على”.

أما أن يقال إن لفظ “مصطلح” لم يرد عند القدماء، فهو من باب المجازفة في البحث العلمي. فثابت في الكتب المطبوعة التي بين أيدينا إيراد أصحابها من أسلافنا القدامى كلمة “مصطلح”. كما نقل عن أصحاب بعض الكتب التي لم تصلنا استعمالهم للكلمة كذلك. وقد استعملت الكلمة أيضا في مجالات وعلوم مختلفة، منها التاريخ، والتصوف، وصناعة الإنشاء، وعلوم الحديث، والقراءات، وصناعة الشعر، واللغة، والمناظرة وغيرها.

ومما استشهد به بعض من أنكر الكلمة، كتاب الكاشاني (ق 8) المسمى “اصطلاحات الصوفية” وكتاب التهانوي (ق 12) الموسوم بـ”كشاف اصطلاحات الفنون” متوقفا عند العنوانين، حاكما بالجزم على عدم ورود لفظ “مصطلح” في ثنايا الكتابين.

لقد أورد الكاشاني الكلمة في مقدمة كتابه حيث يقول: “…فكسرت هذه الرسالة على قسمين: قسم في بيان المصطلحات ما عدا المقامات…”[16] وعلى هذا فقد ذكر اللفظين معا “مصطلح” و “اصطلاح”. أما التهانوي فيقول في مقدمة كشافه: “…فاقتبست منها المصطلحات أوان المطالعة، وسطرتها على حدة…”[17]

وممن استعمل اللفظين معا ابن خلدون (ق 8)، وذلك بالمعنى المتداول حاليا…[18]

ونجد القلقشندي (ق 8) صاحب “صبح الأعشى” يذكر كلمة “مصطلح” في مقدمة صبحه مرارا.

وأما في علوم الحديث، فقد عرف قديما علم من بين العلوم الحديثة الشريفة، سمي بعلم “مصطلح الحديث”. وكثر من ألف فيه قديما، واستعمل داخل مؤلفه كلمة “مصطلح”. ومن هؤلاء ابن الصلاح في مقدمته المشهورة. وذكر اللفظ ابن حجر العسقلاني في عنوان كتابه الفريد “نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر”. كما نجد مؤلفات أخرى ذكرها حاجي خليفة في كشفه. يورد أصحابها كلمة “مصطلح” في عناوينها في مختلف المجالات مثل علوم القراءات، والجدل والشعر وغير ذلك.

أما أن لفظ “مصطلح” لم يرد في القواميس القديمة، فهو قول صحيح. لكنه لا يصلح لأن يحتج به لرفض الكلمة وجعلها من الأخطاء التي لا تصح. فإنه من “المعروف في ضوابط القواميس العربية وقواعدها المقررة –لاسيما القديمة منها- عدم إيراد المشتقات المطردة، وكل الكلمات التي يمكن توليدها بآلية قياسية، وبقواعد صرفية معروفة، إلا في الحالات الشاذة أو عند الضرورة والاقتضاء.”[19] وإلا صارت أحجامها إلى أضعاف ما هي عليه. ومن تلك الصيغ المشتقة: أسماء المفعولين من غير الثلاثي التي تأتي على صيغة المضارع بإبدال حرف المضارعة ميما مضمومة وفتح ما قبل الآخر. وهي ما يطلق عليه بالمصادر الميمية. ومنها المصدر “مصطلح”. وهذا هو تفسير عدم إيرادها في القواميس، لا أنها لم تكن معروفة.

وأما أن استعمال كلمة مصطلح من الأخطاء الشائعة، وأنه لا يصح استعمالها إلا مع حرف الجر “على”، فهو صحيح إذا اقتصر الأمر على اعتبار صيغة “مصطلح” صيغة لاسم المفعول دون غيره. وهذا ما يتنافى مع القاعدة الصرفية التي تقول: إن صيغة اسم المفعول يشترك فيها كل من اسم الزمان، واسم المكان، واسم المفعول، والمصدر الميمي. وبهذا يمكن اعتبار كلمة “مصطلح” مصدرا ميميا لا حاجة إلى استعمالها مع حرف الجر “على”.

فيتلخص إذن أن استعمال الكلمة تكون إما اسما للمفعول يستدعي إِتْباعه بحرف الجر، أو مصدرا ميميا لا يستدعي ذلك.

إن أهم ما يستوقفنا هنا، هو إثارة هذا الإشكال خصوصا عند من أنكر جازما عدم ورود الكلمة في كتب السابقين. إن هذا الجزم بالحكم الذي تبين أنه لا ينبني على يقين، يدخل في ما يمكن أن نسميه “المجازفة البحثية” أو “الاستعجال البحثي” الذي من شأنه دفع الباحث إلى استعجال قطف الثمرات قبل نضجها. فلا هي ناضجة في ذاتها ولا هو مقتنع بنيئها. ولو تلطفنا في الأمر فيمكن تصنيف ذلك في خلل منهجي. لهذا يصر بعض الباحثين خصوصا في المسألة المصطلحية على ضرورة إصلاح المنهج كمدخل أساس لإصلاح الواقع. ولله در القدماء الذين كانوا يقتلون المسائل بحثا قبل الحكم على المسألة، ويلجمون أنفسهم عن الخوض في مسألة حتى يطلعوا على ما ألف فيها وأثير فيها من إشكالات. فكانت نتيجة منهجهم المتريث هذا، ظهور العلوم، وقيام ذواتها قياما كاملا.

المقدمة الثالثة: تعريف المصطلح:

حرص العلماء والباحثون قديما وحديثا على تعريف المصطلح. فقد أورد الجرجاني صاحب التعريفات خمسة تعاريف فقال: “الاصطلاح عبارة عن اتفاق قوم على تسمية الشيء باسم ما ينقل عن موضعه الأول  وإخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما. وقيل: اتفاق طائفة على وضع اللفظ بإزاء المعنى. وقيل: إخراج الشيء عن معنى لغوي إلى معنى آخر لبيان المراد. وقيل: لفظ معين بين قوم معينين.[20]

والملاحظ أن تعريفات السابقين والمعاصرين تكاد تدور حول نفس الرحى، إذ نجد لها قواسم ومشتركة تعطي للمصطلح قوامه وتشكله.

ومن تعاريف المعاصرين نختار بعض النماذج الموفية بالغرض.

يعرف الدكتور عبد العلي الودغيري المصطلح بكونه “اللفظ الذي خصصه الاستعمال في علم من العلوم، أو فن من الفنون، أو صناعة من الصناعات، بمفهوم معين.”[21] وبعبارة أدق: “اللفظ الذي يسمي مفهوما معينا داخل تخصص ما.”[22]

ويشير الدكتور محمود حجازي إلى اتفاق المتخصصين في علم المصطلح على أفضل تعريف وهو : “الكلمة الاصطلاحية، أو العبارة الاصطلاحية مفهوم مفرد، أو عبارة مركبة استقر معناها، أو بالأحرى استخدامها، وحدد في وضوح، وهو تعبير خاص ضيق في دلالاته المتخصصة، وواضح إلى أقصى درجة ممكنة، وله ما يقابله في اللغات الأخرى، ويرد دائما في سياق النظام الخاص بمصطلحات فرع محدد، فيتحقق بذلك وضوحه الضروري.”[23]

إن أهم ما يميز المصطلح كونه لفظا قد يكون مفردا أو مركبا. ولعل هذا ما كان واضحا في كلام الجرجاني، وفي أغلب التعاريف التي وقفت عليها. إلا أن اللافت للانتباه هو أن الدكتور حجازي وسم “الكلمة الاصطلاحية” أو “العبارة الاصطلاحية” بـ”مفهوم مفرد” وأظن أنها هفوة منه، خلط فيها بين المصطلح والمفهوم. خصوصا وأنه ذكر في كتابه تعاريف المصطلح عند الأوربيين منذ أقدم تعريف، يقول فيما يقول: “المصطلح كلمة أو مجموعة من الكلمات من لغة متخصصة… يوجد موروثا أو مقترضا، ويستخدم للتعبير بدقة عن المفاهيم…”[24] فهنا يظهر جليا أنه يفرق بين المفهوم والمصطلح.

ونحن في هذا المقام، لا بد من توضيح الفرق بين المصطلح والمفهوم. فالمفاهيم هي التصورات والمعاني والدلالات الكبرى، المتمركزة بالذهن، والتي “كثيرا ما تتجاوز البناء اللفظي وتتخطى الجذر اللغوي، لتعكس كوامن فلسفة الأمة، ودفائن تراكمات فكرها ومعرفتها، وما استنبطته ذاكرتها المعرفية.”[25]

أما المصطلح فهو “ما يصطلح جماعة من الناس، تجمعهم حرفة أو مصلحة أوسواهما، على إطلاق لفظ بإزاء معنى أو ذات، لا ينازعون فيما اصطلحوا عليه.” [26]

ومما يميز المصطلح، إضافة إلى كونه يكون مفردا أو مركبا، أنه ينتمي إلى لغة خاصة بمجال خاص. لذلك يجب أن يكون واضحا ضيقا. وهذا يستدعي التفريق بين اللفظ قبل اصطلاحيته، حينما كان موجودا في اللغة العامة، ووضعيته بعدما انتقل إلى اللغة الخاصة. إن هذا الوضوح، وهذا الضيق، إنما تأتى –وهو ما لا تغفله التعاريف السابقة- بالاستعمال الخاص الذي يتحدد بمَعْلمين بارزين هما: التكرار والاستمرار؛ فالتكرار المستمر لاستعمال لفظة معينة أو تركيب معين للتعبير عن مفهوم معين، هو الذي يكسب اللفظ أو التركيب اصطلاحيته. وعليه تثبت ميزة الثبات للمصطلح عن غيره من الألفاظ. فيمكن القول إذن: إن المصطلح قد تم إيجاده بعد خضوع لعملية نقل أو إخراج، تمخض عنها صرفه كلية عن التعبير عن مفهوم آخر في اللغة الخاصة.

لكن لا بد من التنبيه إلى أن المصطلح يمكن إيجاده بطريق آخر، خلاف النقل والإخراج الكليين، وذلك بتضييقه ليقتصر تعبيره عن مفهوم واحد من بين عدة مفاهيم كان يعبر عنها في اللغة العامة، فيصير بمثابة الوعاء الذي كان يستوعب مفاهيم متعددة، إذ صغر حجمه، وصار يستوعب قدر المقاس مفهوما محددا واضحا، وصدق من قال: إن المصطلح إذا اتسع ضاق.

وإذا نظرنا إلى مختلف تعاريف المصطلح، نلحظ أن ما يميزه أيضا، هدفه المحدد في بيان المراد، فالمصطلحات إنما وضعها أصحابها، أو تواضعوا عليها لتنزيل المفاهيم وتوصيلها بشكل واضح إلى المخاطبين، وبذلك تكون قوة المصطلحات في قوتها على كشف وتشخيص وضبط المفاهيم.

وعلى العموم يمكن أن نخلص إلى أن المصطلح يكون لفظة مفردة أو يكون تركيبا، وأنه ينتمي إلى لغة خاصة بمجال خاص، وأنه ضيق وواضح وثابت، وأن الهدف منه هو: التعبير البين عن مفهوم معين للبيان في التخاطب.

المقدمة الرابعة: أهمية المصطلح القرآني:

قال الراغب الأصفهاني: “إن أول ما يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن: العلوم اللفظية. ومن العلوم اللفظية تحقيق الألفاظ المفردة. فتحصيل معاني ألفاظ القرآن في كونه من أوائل المعاون لمن يريد أن يدرك معانيه، كتحصيل اللبن في كونه من أول المعاون في بناء ما يمكن أن يبنيه… فألفاظ القرآن هي لب الكلام وزبدته وواسطته وكرائمه؛ وعليها اعتماد الفقهاء والحكماء في أحكامهم وحكمهم؛ وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم.”[27]

يظهر من كلام الراغب، وهو الذي عاش مع القرآن وتحت ظلاله وتبحر في ألفاظه، أن مفتاح درك القرآن الكريم ومراد الله عز وجل من كلامه الكريم هو فقه ألفاظ القرآن، والتي نسميها المصطلحات القرآنية. بل إن فقه المصطلح القرآني كان الأساس في بناء العلوم الشرعية كلها، من تفسير وفقه وأصول وغيرها. وهذا ليس غريبا، فإنما أنشئت هذه العلوم لتَبَيُّن مراد الله عز وجل من وحيه وبيانه. فكانت متفاعلة مع المصطلح القرآني أخذا وعطاء.

لذلك نرى أن جهود الأمة، سابقيها ولاحقيها، قد أفرغت في دراسة المصطلح القرآني، حتى غدا ما خلفوه من تآليف ومصنفات، ما وصل منه وما لم يصل، أكبر مكتبة في التاريخ على الإطلاق.

إلا أن هذا وإن كان حقيقة تاريخية، فإنه لا يخفى ما عليه اليوم واقع دراسة المصطلح القرآني، الذي وجب تجديده بعين تنظر وراءا في التراث تحقيقا ومراجعة، وبالأخرى إلى المستقبل تشوقا وبناء.

وحتى نبرز اهتمام الأمة بالمصطلح القرآني نعرض نماذج لجهود العلماء في خدمته والاعتناء به.

المقدمة الخامسة: جهود العلماء في المصطلح القرآني:

1– جهود القدماء:

لقد تناول العلماء على اختلاف تخصصهم وتباين مذاهبهم المصطلح القرآني بالدرس. فمنهم أهل التفسير والفقهاء وأصحاب الأصول والكلام والصوفية واللغويون وغيرهم.

وأورد فيما يأتي نماذج من أولئك على سبيل التمثيل والإشارة.

 1-1- جهود المفسرين:

واتخذت جهودهم منحيين. فهناك من اعتنى منهم بالجانب التفسيري في مؤلفات عرفت بتفسير غريب القرآن، ونجد منها على سبيل المثال: كتاب “غريب القرآن”، لابن قتيبة (تـ276هـ)، وكتاب “الأشباه والنظائر” الشهير، لمقاتل بن سليمان (تـ950هـ).

وهناك من اعتنى بالجانب المعجمي لألفاظ القرآن الكريم. وأغلب من نحى هذا المنحى لم يغفل الجانب الاستعمالي في سياق الآيات، والنسق العام للقرآن الكريم. وأقرب مثال يمثل لذلك كتاب “مفردات ألفاظ القرآن” للراغب الأصفهاني.

1-2- جهود الفقهاء:

يعتبر مجال الفقه من أخصب المجالات مصطلحا. ويمكن تقسيم مصطلحات لغة الفقهاء إلى نوعين: مصطلحات فرعية وأخرى أصلية.

أما المصطلحات الفرعية فيخضع بعضها للتغيير “بتغير الزمان والمكان. ويتجدد بعضها، ويموت بعضها بسبب تغير أعراف الناس وتجددها وانقراضها.”[28] لكن المصطلحات “الأصلية الأساسية الكبرى هي عند الفقهاء، وهذا النوع من المصطلحات مأخوذ من الألفاظ القرآنية، على نحو من الأنحاء في الأخذ.”[29]

وحيث كان الفقه فهما للأصول واستنباطا للأحكام منها، لم يكن له دور في إحداث هذه الأصول المستقرة في مصطلحاتها القرآنية. ولم يتسن للفقهاء استنباط أحكامهم لولا الاهتمام بالدرس المتكامل للمصطلح القرآني. ويظهر ذلك في أمور منها: البحث عن المعاني اللغوية والاصطلاحية للفظ. إضافة إلى الاستدلال بالأدلة القرآنية في المقام الأول قبل أي دليل شرعي آخر، دون أن ننسى ما تركوه من تفاسير فقهية، كتفسير القرطبي، أو تفسير الجصاص وغيرهما. غير أن ما توج أعمالهم، هو ما ألفوه في المصطلحات الفقهية من قبيل تأليف “تحرير ألفاظ التنبيه” للإمام النووي وغيره.

1-3- جهود الصوفية:

تعتبر تركة الصوفية المصطلحية من الغنى بمكان. فقد جهدوا في تحديد معاني هذه المصطلحات، وحاولوا البسط في مدلولها، محاولين بيانها لمن أراد أن يسلك مسلكهم. وكما في الفقه، فهناك مصطلحات فرعية وأخرى أصلية. وهذه هي التي لها ارتباط بالمصطلح القرآني. كمصطلحات الصبر والشكر والذكر والإنابة والاستقامة والورع والزهد والكرم والجود والتوبة والفتوة وغيرها.

نجد من المؤلفات في هذا الباب ما أفرده أصحابه للمصطلحات الصوفية مثل الرسالة القشيرية[30]، وكتاب التعريفات للشريف الجرجاني. أو ما كانت المصطلحات مبثوثة في ثناياه، كما هو الشأن في موسوعة الإمام الغزالي “إحياء علوم الدين”. هذه أمثلة على وجه الإيجاز لجهود بعض القدماء في الاعتناء بالمصطلح القرآني. فماذا عن المعاصرين؟

2- الدراسات الحديثة:

يمكن الحكم على الدراسات الحديثة التي عنيت بالمصطلح القرآني بالقلة. وهي نسبة إلى جهود القدماء كنسبة الملح في الدقيق. وليس المقام مقام بسط أسباب ذلك. وإنما الغرض هو عرض اجتهاد من اجتهد من المعاصرين في درس المصطلح القرآني. إن ما يلاحظ على هذه الدراسات، أنها لم تشمل كل المصطلحات القرآنية، إذ اقتصرت على عدد قليل منها. ثم إن المنهج المتبع في ذلك لم يكن متكاملا. وقد يرجع ذلك إلى كون بعض الدراسات من بواكير الإنتاج المجدد للدراسات المصطلحية. فكان المنهج تبعا لذلك في بدايات البناء. إلا أن الدراسات المصطلحية الحديثة أولت الاهتمام بالمنهج في محاولة لإنضاجه وإتمام البناء.

ومن هذه الدراسات كتاب “مصطلحات قرآنية” للدكتور صالح عضيمة، وكتاب “في المصطلح الإسلامي” للدكتور إبراهيم السامرائي، وكتاب “التطور الدلالي في لغة الشعر ولغة القرآن” للدكتور عودة خليل أبو عودة، وكتاب “المصطلحات الأربعة” لأبي الأعلى المودودي.

لكن لا يفوتنا أن نشيد بدراسات قيمة للمصطلح القرآني، إلا أنها لم تأت منفردة، بل تضمنتها كتب التفسير وغيرها، وأهم مثال على ذلك، ما جاء في ثنايا كتب حسن البنا، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وسيد قطب.

وتتواصل الجهود في الآونة الأخيرة حول المصطلح القرآني على قدم وساق مع مجموعة من الباحثين في إطار الدراسات المصطلحية عموما. ويعتبر المغاربة من الرواد في هذا الباب، يظهر ذلك من إنشاء معهد متخصص في الدراسات المصطلحية بفاس. ودوريات متخصصة في ذلك كمجلة “دراسات مصطلحية” أو مجلة “اللسان العربي”.

المقدمة السادسة: تعريف المصطلح القرآني:

“يقصد بالمصطلح القرآني، إجمالا: كل لفظ قرآني عبر عن مفهوم قرآني، وتفصيلا: كل لفظ من ألفاظ القرآن الكريم، مفردا كان أو مركبا، اكتسب داخل الاستعمال القرآني خصوصية دلالية قرآنية جعلت منه تعبيرا عن مفهوم معين له موقع خاص داخل الرؤية القرآنية ونسقها المفهومي.”[31] فيدخل فيه “كل أسماء المعاني وأسماء الصفات المشتقة منها في القرآن الكريم، مفردة أو مركبة، مطلقة كانت أو مقيدة، وعلى الصورة الاسمية الصريحة، أم على الصورة الفعلية التي تؤول بالاسمية.”[32]

إن ما أعطى للمصطلحات القرآنية اصطلاحيتها، هو الاستعمال القرآني المطرد بمدلول خاص، وبصيغ خاصة. وهو ما يظهر في تعريف الدكتور عبد المجيد النجار، الذي يعتبر أن “المصطلحات القرآنية، ألفاظ وتراكيب خصها الاستعمال القرآني في صيغ معينة بمدلول خاص، فأصبحت تجري للدلالة عليه في مختلف المقامات القرآنية، وظلت دلالتها الاصطلاحية تلك حاضرة في الأذهان.”[33] وقد أشار الرازي رحمه الله إلى هذه الخصوصية الدلالية حيث قال: “إن الأسماء التي هي مشتقة من ألفاظ العرب، ولم تعرف قبل ذلك مثل المسلم والمؤمن والمنافق والكافر، لم تكن العرب تعرفها، لأن الإسلام والإيمان والنفاق والكفر ظهر على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما كانت العرب تعرف الكافر كافر نعمة، ولا تعرفه من معنى الكفر بالله (…) وكانت تعرف المؤمن من جهة الأمان(…) أما المنافق فإنه لا ذكر له في كلام العرب.”[34]

ويبدو جليا ارتباط المصطلح القرآني بالنص الذي يرد فيه، والنسق القرآني العام. لذلك يمكن أن نقول: إن ما يميز المصطلح القرآني، هو ثنائية المفهوم القرآني المطرد، والموقع داخل الرؤية النسقية القرآنية.

ولن يكون مجديا الالتفات إلى من يتحرج حرجا غير مبرر في أن يعتبر الألفاظ القرآنية مصطلحات لمجرد أن لفظ “مصطلح” يوحي إيحاء ضبابيا إلى التواضع الإنساني. ومن ثم تنزيهه عن واضع المصطلحات القرآنية، الله عز وجل.

المقدمة السابعة: منهج دراسة المصطلحات القرآنية:

إن أمرا لا يغفل عنه إلا الغافلون عن الله، هو أن حياة الناس والدواب لا تقوم إلا وفق كلمات الله تعالى المسطورة وحيا، والمنشورة كونا. والمدخل الطبيعي لفقه آيات الله، هو دراسة المصطلحات القرآنية. وإن لهذه الدراسة إطارا ومنهجا.

1- إطار الدراسة:

فحتى لا تزيغ الأفهام ولا تضيع المصطلحات القرآنية وسط الزخم الكبير من ألفاظ اللغة العامة، أو تختلط بمصطلحات لغات خاصة قد تشبهها في مبناها، ولكن تختلف عنها في معناها، لابد من تحديد إطار لدراسة المصطلحات القرآنية. فلا يمكن معرفة كنه المصطلح القرآني إلا إذا وضع في نسق الوحي. والوحي نسق من مفاهيم “ليست معزولة عن بعضها بعضا، وليست منثورة كيفما اتفق، وإنما هي فصوص في العقد الفريد للإسلام، منظومة نظما بديعا رائعا في نسق… وهي لا تقبل المس بما يخل بنسقيتها: لا تقبل زحزحة في المواقع أو تغييرا في الترتيب، ولا تقبل تغييرا للأحجام أو الألوان…”[35]

لذلك ومن أجل وضع المصطلح في موضعه من هذا النسق، وموضعه من شجرة القرآن المفاهيمية، لا بد من فقه هذا النسق فقها أصيلا، يربط المصطلح بباقي المصطلحات، ويكشف عن علاقاته وسياقاته.

يمكن أن نخلص إلى أن دراسة المصطلحات القرآنية لا يجوز بحال أن تخرج عن إطار الوحي في تصور نقي أصيل.

2- ملامح المنهج في دراسة المصطلح القرآني:

أما المنهج فلا بد أن يكون مقامه بمقام المصطلح القرآني، إذ لابد من استفراغ الجهد لإيجاد أنسب المناهج للتعامل مع المصطلح القرآني. فالأمر جلل، لأن التبين هو تبين لكلام رب العالمين، والبيان هو بيان مراده عز وجل. وعليه تتضح دعائم هذا المنهج، الذي يكون كفيلا بالفهم الكلي النسقي للقرآن  الكريم، فيما يلي:

  • لابد أن يكون المنهج شاملا، يضبط مواقع ورود المصطلح في القرآن الكريم، حتى ينأى عن النظرات التجزيئية التي تخل بالمفهوم والمراد.
  • لابد أن يكون هذا المنهج كشافا عن حجم المفهوم الذي تتأسس عليه اصطلاحية اللفظ.
  • لابد أن يكون المنهج أداة فعالة تمكن من تحديد علاقات المصطلح بسواه.
  • لابد أن يمكننا من تحديد موقع المصطلح من النسق المفهومي العام.

ولعل مناهج أصحاب الجهود المبذولة في درس دلالة الألفاظ القرآنية، على أهميتها وسبقها وجلالها، جاءت مفتقرة لما حددناه من دعائم.

ولا تفوتني الإشارة إلى أن بعض هذه الجهود التي انصبت على دراسة ألفاظ القرآن، والتي اعتبر أصحابها القرآن الكريم المرجع الأساس، والمنار الذي وجههم في بناء تصوراتهم على اختلاف تخصصاتهم، بقيت ناقصة ومقيدة بسبب الالتزام بالتخصص وما تدعوا الحاجة إليه، وتأثر المعرفة الإسلامية بالظروف التاريخية التي مرت بها، والتي جعلت الدراسات القرآنية أسيرة المذهبية والانتصار لها. فالإسقاطات العقدية والمذهبية كانت ولا تزال آفة الدراسات القرآنية، وللخروج من هذا المأزق لابد من رؤية منهجية واضحة وضبط منهجي.

وإجمالا بقيت مناهجهم مفتقرة للشروط الآنفة الذكر إذ يلحظ فيها “غيبة الإحصاء في دراسة مفاهيم الألفاظ، وقلة الاهتمام، أو انعدامه، بحجم المفهوم وعلاقاته بسواه، وموقعه في النسق العام.”[36]

3- أهمية المنهج:

اهتمت الدراسات القديمة والحديثة على الخصوص بالمنهج، كونه طريقة أو وسيلة لغاية معينة، وكونه حاجة ماسة للعقل المعاصر لوضوح المبادئ والمنطلقات وترتيبها، للوصول إلى النتائج المترتبة عليها. ولا يكاد يخلو حقل علمي من منهج كان ماديا أو غيره.

يمكن اعتبار المنهج الكيفية التي بها نقول شيئا أو نعلمه أو نفعله، طبقا لمبادئ معينة وحسب ترتيب معين.

فعلى سبيل التمثيل، كما هو معروف عن المنهج الفلسفي، أنه مجموعة قواعد وقوانين، تمكن الفيلسوف من معرفة الحق. وعن المنهج العلمي الذي يمثل طريقة تتلخص في ملاحظة الظواهر، واتخاذ افتراضات من تلك الملاحظة، ثم التحقق من نتائج هذه الافتراضات في تجارب علمية.

وإجمالا يمكن تعريف المنهج باعتباره “الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته، حتى يصل إلى نتيجة معلومة.”[37]

إن الحديث عن المنهج ليس من باب النافلة، إنه الفرض الواجب الإتيان به ليستقيم البحث العلمي عموما. ولكن الأمر انتكس على رأسه، وصار الوضع العلمي شاذا بسبب غياب المنهج، وعدم استقامته، الأمر الذي أدى إلى هدر الأوقات والأموال والطاقات، ومن ثم التخبط في تحديد الأولويات، وانعدام التنسيق بين الباحثين.

4- منهج الدراسة المصطلحية:

مقدمة:

في مجال الدراسات المصطلحية، والذي يرتبط به موضوع درسنا للمصطلح القرآني، تبلور منهج متكامل دقيق مجرب قائم بذاته، أعطى أكله ولا يزال. وهو منهج الدراسة المصطلحية، الذي سنحاول استبيانه فيما يلي.

لما كان المنهج عموما طريقة أو وسيلة لغاية معينة، فإنه يعتبر ضابطا مؤطرا للجهد المبذول في الدرس، يقوم على “رؤية معينة في التحليل والتعليل والهدف.”[38] هذا مفهوم عام للمنهج في الدراسة المصطلحية.

ويدخل في هذا، ما يطلق عليه بالمنهج الوصفي أو التاريخي. وإنما الاقتصار على ذكر المنهجين، إلا لأنهما من أكثر المناهج شيوعا في العلوم عامة، الانسانية منها على وجه الخصوص.

أما “طريقة البحث المفضلة المطبقة على كل مصطلح من المصطلحات المدروسة”[39] فهي المفهوم الخاص للمنهج. وهو يعبر عن الإجراءات العلمية المتبعة في الدراسة، والكيفية المتبعة في العرض.

بهذا يجب استحضار الدراسة المصطلحية أثناء البحث بمفهومها العام والخاص. وبعبارة أخرى، فإن ما يحدد معالم المنهج وإجراءاته، هو طبيعة مجال الدراسة –كما هو الشأن في موضوعنا أثناء التعامل مع المصطلح- وطبيعة الرؤية التي يصدر عنها الباحث.

– تعريف الدراسة المصطلحية:

حاول عدد من الباحثين تحديد تعريف مناسب للدراسة المصطلحية. فتعددت التعاريف وتقاطعت فيما بينها، لتحدد مشتركا أساسيا وفروقا بسيطة.

ولابأس بالتذكير بالتعريف السابق، وهو للدكتور الشاهد البوشيخي. يعرفها بأنها “ضرب من الدرس العلمي لمصطلحات مختلف العلوم، وفق منهج خاص، بهدف تبين وبيان المفاهيم التي عبرت أو تعبر عنها تلك المصطلحات، في كل علم، في الواقع والتاريخ معا.”[40]

ونورد هنا تعاريف أخرى، شكلت تقاطعات وتداخلات كثيرة مع التعريف السابق، وتختلف عنه في التركيز على جوانب، أو بسط أخرى. لكنها اتخذت جوهرا واحدا هو لب الدراسة المصطلحية.

من هذه التعاريف تعريف الدكتورة فريدة زمرد. تقول إن الدراسة المصطلحية أو ما أطلقت عليه “علم اصطلاح النص”، هي “دراسة منهجية جامعة تتبين مفاهيم المصطلحات من نصوصها، وتبين المقومات الدلالية الذاتية للمصطلح وامتداداته داخل النسيج المفهومي للنص، عبر ضمائمه واشتقاقاته، والقضايا الموصولة به.”[41] ولعل أبرز ما يلاحظ في تعريفها: التركيز على النص، باعتباره البوثقة التي يتشكل فيها المصطلح ذاتا وامتدادا، ولهذا اقترحت استبدال “اصطلاح النص” بـ”المصطلحية”. وخلصت إلى أن علم اصطلاح النص: “دراسة علمية منهجية عبر النص قصدا، وللنص عبر المصطلح نتيجة.”[42] وحق لها ذلك؛ لأن المصطلحات إنما هي مفاتيح لفهم مراد النص، ولا يمكن تحديد مفهوم المصطلح، إلا عبر النص الإطار الذي يتحرك فيه.

ما يلاحظ على هذا التعريف، أنه ركز على منهج الدراسة المصطلحية بالمفهوم الخاص الإجرائي، بحيث تبدو جليا الوسائل الإجرائية للمنهج، وإن لم تكن الإشارة واضحة إلى مراحله بأسمائها، من إحصاء ودراسة نصية ومفهومية… كما سيأتي. في حين لم يغط تعريفها المفهوم العام لمنهج الدراسة المصطلحية، الذي يتجلى في رؤية الباحث والمنهج المعتمد، كالوصفي أوالتاريخي، كما نجد في التعريف الأول.

نقف الآن مع الدكتور عبد العلي الودغيري، فهو لم يتحدث عن الدراسة المصطلحية بهذا الاسم، ولكنه تحدث عن “علم المعجم” أو “علم دراسة الألفاظ” والذي اعتبره فرعا من فروع الدراسة المعجمية[43]. ففي تعريفه “لعلم المعجم” أو “علم دراسة الألفاظ” يقول: إنه “علم يهتم بدراسة البنية الشكلية للوحدات المعجمية، من حيث صيغتها أو أصلها الاشتقاقي، أو عناصرها المكونة لها، من ناحية، ويهتم من ناحية أخرى بالجانب الدلالي، فيدرس هذه الوحدات من حيث دلالتها المعجمية العامة، ودلالتها الخاصة التي تكتسبها بالتطور أو بالاستخدام في المجالات والحقول المختلفة. ويهتم على الخصوص بدراسة اللفظ في علاقاته بغيره من الألفاظ، كعلاقة الترادف أو التضاد أو الاشتراك، وغير ذلك من الموضوعات الشبيهة بما ذكر.”[44]

لا شك أن هذا التعريف يحمل قواسم مشتركة كبيرة مع التعريفين السابقين. فنلمح منه إشارات حول المنهج التاريخي والوصفي، من خلال قوله: “التي تكتسبها بالتطور أو بالاستخدام.” كما نرى جليا هدف هذا العلم الذي يشبه تماما هدف علم اصطلاح النص، الذي ذكر سابقا، في تبين دلالات المصطلح وامتداداته وعلاقاته بغيره. وهي أمور تعبر عن المنهج الخاص الإجرائي في الدراسة المصطلحية.

هذا عن تعريف الدراسة المصطلحية عموما. يبقى أن نفصل في منهج الدراسة المصطلحية في جانبه الإجرائي. وهو ما عبر عنه التعريف الأول بـ”وفق منهج خاص”، وذلك بعد الحديث عن دعائم منهج الدراسة المصطلحية وموضوع الدراسة المصطلحية وهدفها.

– دعائم منهج الدراسة المصطلحية:

لتحديد دعائم منهج الدراسة المصطلحية، سننطلق مع أحد تعاريفها. ونشير إلى أننا لسنا بصدد تعريفها؛ فسيأتي ذلك لاحقا. وإنما مطلب المقام في تحديد هذه الدعائم إيراد أحد التعاريف.

تعرف الدراسة المصطلحية بأنها “ضرب من الدرس العلمي لمصطلحات مختلف العلوم، وفق منهج خاص، بهدف تبين وبيان المفاهيم التي عبرت أو تعبر عنها تلك المصطلحات في كل علم، في الواقع والتاريخ معا.”[45]

يمكن رصد دعائم منهج هذه الدراسة المصطلحية في العلمية والتكاملية والمنهجية. “ووصف بالعلمية؛ لأنه مقدمات وطرائق ونتائج، كلها موزونة بميزان العلم. فالبحث العلمي إذن، هو ذلك الدرس المنهجي المؤسس على صحة المنطلقات، وصحة المقدمات، بهدف الوصول إلى نتائج صحيحة.”[46]

وتبدو العلمية انطلاقا من استعمال وسائل الاستيعاب والتحليل والتعليل، كما يبدو على سبيل المثال من خلال مرحلة الإحصاء في المنهج الخاص التطبيقي للدراسة المصطلحية؛ أو من خلال مرحلتي الدراسة المعجمية والمفهومية.

أما التكاملية فتظهر “حسب أولياتها في المراحل، من الوصفية إلى التاريخية فالموازنة فالمقارنة”[47]، ولهذا يقدم في مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات الدراسة الوصفية قبل التاريخية[48]، فيقدم “المؤلَّف قبل المؤلف، والمؤلف قبل العصر، والعصر قبل التاريخ”[49]؛ لأن “الأصل استدراك المؤرخ على الواصف؛”[50] “إذ لا يمكن إصدار الحكم على مصطلح ما، أو نص ما أو قضية أو إشكال أو نسق معرفي أو علم أو تراث بأكمله، قبل التعرف عليه عن قرب ومعاينته –كما هو- وليس ذلك إلا بوصفه بالطرق المعلومة… وإن كل قفز على هذه المرحلة، ليفوت فرصا علمية ذهبية، ويضيع جهودا وقتية وذهنية…”[51]

وأما المنهجية فتظهر فيما عبر عنه التعريف بـ “الواقع والتاريخ معا”. وهذا يوحي إلى المنهجين الوصفي والتاريخي، اللذين سبقت الإشارة إليهما، وأن يتم تقديم الدراسة الوصفية على الدراسة التاريخية…

والمقصود بالمنهج الوصفي، ذلك المنهج الذي “يعتمد على تجميع الحقائق والمعلومات، ثم مقارنتها وتحليلها وتفسيرها، للوصول إلى تعميمات مقبولة.”[52]

أما المنهج التاريخي، فهو منهج “يعتمد على الوثائق ونقدها وتحديد الحقائق التاريخية، ثم يحاول الباحث، بعد مرحلة التحليل هذه، مرحلة أخرى هي التركيب، حيث يتم التأليف بين هذه الحقائق وتفسيرها.”[53]

وبهذا يمكن اعتبار الدراسة الوصفية دراسة مصطلحية مرحلية، تؤطرها مرحلة تاريخية محددة. أما الدراسة التاريخية فهي دراسة عمودية لعدد من المراحل؛ بهدف تتبع المصطلح وتطوره لتبين معناه وبيان مراده.

– موضوع الدراسة المصطلحية وهدفها:

أما موضوع الدراسة المصطلحية فهو المصطلحات، فهي المفاتيح لهذه العلوم، ومقاييس نضجها ومحددات أنساقها.

وأما هدفها: فهو رصد هذه المصطلحات في الواقع والتاريخ معا، في هذا الترتيب؛ أي تقديم المنهج الوصفي، وتأخير التاريخي. والقصد هو تبين دلالات هذه المصطلحات من أجل بيانها. لذلك كان التبين والبيان أساسين للدراسة المصطلحية. لكن قبل هذا ومعه يجب التغلب على معضلة إعداد النص، “ذلك بأن الدراسة المصطلحية تقوم على نصوص، وقاصمة الظهر بالنسبة إلى المصطلحي هي انعدام الإعداد العلمي للنصوص.”[54]

 – المنهج الإجرائي لدراسة المصطلح القرآني:

إن منهج الدراسة المصطلحية من جانبه الإجرائي هو المنهج الخاص ضمن منهج الدراسة المصطلحية بمفهومه العام. ولكل مصطلح قرآني خصوصيته في دراسته حسب واقع كل مصطلح. وتتحدد معالم هذا المنهج في خمسة أركان:

  1. الإحصاء:

ويقصد به الاستقراء التام لكل النصوص التي ورد بها المصطلح المدروس، وما يتصل به، لفظا ومفهوما وقضية، في المتن المدروس[55].

ويشمل الإحصاء:

  • إحصاء لفظ المصطلح ومشتقاته.
  • الاستقراء التام لجميع ألفاظ المصطلح، مفردا أو مجموعا، معرفا أو منكرا، اسما أو فعلا، مضموما إلى غيره، أو مضموما إليه غيره.
  • إحصاء التراكيب الدالة على المصطلح دون لفظه.
  • إحصاء القضايا العلمية المندرجة تحت مفهومه.
  1. الدراسة المعجمية:

ونقصد بها دراسة المصطلح في المعاجم اللغوية والاصطلاحية، وذلك لاستيعاب جهود السابقين، والتذوق الجيد للمصطلح في سياقاته، ثم تصحيح الأخطاء الناتجة عن التذوق.

وتهتم الدراسة المصطلحية المعجمية:

  • بالمعنى العام للجذر اللغوي. بالاستعانة بـ”معجم مقاييس اللغة لابن فارس”.
  • المعنى الخاص للمصطلح المدروس، أي بمشتق المصطلح بالتحديد في المعاجم.
  • بتطور المعاني وترتيبها في المادة المعجمية، من حيث المعنى الحسي والعقلي، والتصنيف الوضعي أو المجازي، وعلاقة اللغوي بالاصطلاحي، والأصلي أو الفرعي.
  • بالمأخذ: وهو المعنى اللغوي الذي منه أخذ المعنى الاصطلاحي وطور من اللغوي إلى الاصطلاحي.
  • بشروح المصطلح مع تفصيل الأدق والأجمع والأقدم.
  1. الدراسة النصية للمصطلح:

ويقصد بها ما يلي:

  • دراسة المصطلح في جميع النصوص، بهدف تعريفه واستخلاص ما يتعلق به من خصائص وصفات وغير ذلك.
  • دراسة المصطلح ضمن أسرته المفهومية المآلفة والمخالفة، بهدف تدقيق الفهم وضبط الفروق والعلاقات.

وإذا كانت الدراسة مرتبة حسب المواد اللغوية، فإنه يضاف في دراسة المصطلح دراسة مادة اصطلاحية، بهدف حصر المستعمل منها اصطلاحيا وتصنيفه اشتقاقيا ومفهوميا، ويقدم التصنيف المفهومي على الاشتقاقي.

وتهتم الدراسة النصية:

  • بالفهم الدقيق للمصطلح في كل نص.
  • باستخلاص كل ما يمكن استخلاصه مما يتعلق بالمصطلح في كل نص.
  • بأحوال الورود من تعريف وتنكير، واسمية وفعلية ومصدرية.
  • بحجم الورود جملة، وحسب أحوال الورود، مثل عدد المعرف أو المنكر…
  • بعناصر المعنى أو المعاني إن تعددت، وبنسب حضورها.
  • بخصائص كل معنى عند التعدد.
  • بالصفات المحمودة والمذمومة إن وجدت “النعوت والعيوب”.
  • بالواقع داخل الأسرة المفهومية.
  • بعلاقات الائتلاف: الترادف والتعاطف وغير ذلك.
  • بعلاقات الاختلاف: التضاد والتقابل والتناظر…
  • بالفروق الداخلية والخارجية.
  • بأنواع الضمائم ومعانيها.
  1. الدراسة المفهومية:

ويقصد بها دراسة النتائج التي فهمت واستخلصت من نصوص المصطلح وما يتصل به، وتصنيفها تصنيفا مفهوميا يجلي خلاصة التصور المستفاد لمفهوم المصطلح المدروس في المتن المدروس، من تعريف يحدد العناصر والسمات الدلالية المكونة للمفهوم، وصفات مصنفة، كالخصائص التي تحدد طبيعة وجود المصطلح في الجهاز المصطلحي، والوظيفة التي يؤديها والموقع في النسق. وأخرى مبينة لمدى قوة أو ضعف اصطلاحية المصطلح… وصفات حاكمة كالنعوت التي ينعت بها أو العيوب التي يعاب بها. وعلاقات تربط المصطلح بغيره، سواء كانت علاقات ائتلاف أو اختلاف أو غيرها. وضمائم تبين مدى نمو المصطلح داخل ذاته، بانضمامه إلى غيره أو انضمام غيره إليه. ومشتقات من جذره اللغوي والمفهومي تبين امتدادات نحو المصطلح الخارجي. وقضايا ترتب بالمصطلح أو يرتب بها تمكننا منه بعد التمكن منها.

  1. العرض المصطلحي:

ويقصد به “الكيفية التي ينبغي أن تعرض و تحرر عليها خلاصة الدراسة المصطلحية للمصطلح. وهو الركن الوحيد الذي يرى بعينه لا بأثره.”[56] ويتضمن العناصر الكبرى التالية على الترتيب:

  • التعريف:

ويتضمن:

  • المعنى اللغوي: ويشمل مدار مادة المصطلح، خصوصا المعنى اللغوي الذي أخذ منه معنى المصطلح.
  • المعنى الاصطلاحي العام: وهو المعنى الذي اشتهر لدى دارسي القرآن والحديث من مفسرين وشراح الحديث وما يلحق بهم، لا سيما الأقرب إلى المصطلح المدروس.
  • مفهوم المصطلح: وهو ما يعبر عنه بالتعريف، الذي وصلت إليه الدراسة معبرا عنه بأدق لفظ وأوضحه وأجمعه. وشرطه المطابقة للمصطلح، تجوزا؛ لأنه لا يوجد شيء يطابق شيئا آخر، لكن يجب مراعاة كل السمات الدلالية للمفهوم، وقد لا يستطيع الانسان أن يدخل في التعريف جميع العناصر، فله أن يدخل الأغلب، وينبه عن الباقي وهو يعقب على التعريف، فلا يتركه فالتا.

فإذا تم التعريف.”وهو اللب والنواة بدأ الحديث عن الصفات وهي اللحمة والكسوة.”[57]

      • الصفات:

وتتضمن:

  • الصفات المصنفة: “وهي الخصائص التي تحدد طبيعة وجود المصطلح في الجهاز المصطلحي موضوع الدراسة، كالوظيفة التي يؤديها والموقع الذي يحتله وغير ذلك.”[58]
  • الصفات المبينة: “وهي الخصائص التي تحدد درجة الاتساع أو الضيق في محتوى المصطلح، ومدى القوة أو الضعف في اصطلاحية المصلح وغير ذلك.”[59]
  • الصفات الحاكمة: “وهي الصفات التي تفيد حكما على المصطلح، كالنعوت أو العيوب التي ينعت بها أو يعاب وغير ذلك.”[60]
  • فإذا تمت الصفات الخاصة بالذات، بدأ الحديث عن علاقات المصطلح بغيره من المصطلحات ائتلافا واختلافا وتداخلا وتكاملا.
      • العلاقات:

وهي كل علاقة تربط المصطلح بغيره من المصطلحات، وأهمها ثلاثة أنواع:

– علاقات الائتلاف: كالترادف والتعاطف وغيرها.

– علاقات الاختلاف: وقد تكون مخالفة كاملة كالتضاد، أو مخالفة جزئية أو بسيطة. وهي مخالفة المغايرة كالتخالف والتقابل والتناظر…

– علاقات التداخل والتكامل: كالعموم والخصوص، والأصل والفرع وغيرها. فإذا تمت العلاقات أمكن الانتقال إلى ما ضم إلى المصطلح أو ضم المصطلح إليه.

      • الضمائم:

وتتضمن “كل مركب اصطلاحي (ضميمة) مكون من لفظ المصطلح المدروس، مضموما إلى غيره، أو مضموما إليه غيره، لتفيد الضميمة المركب في النهاية مفهوما جديدا خاصا مقيدا ضمن المفهوم العام المطلق للمصطلح المدروس. فكأن المصطلح بضمائمه ينمو ويتشعب مفهوميا من داخله.”[61]

وأهم أشكال الضمائم:

  • ضمائم الإضافة: وهي ما أضيف إلى المصطلح أو أضيف المصطلح إلى غيره.
  • ضمائم الوصف: سواء كان المصطلح فيها واصفا أو موصوفا.

والضميمة تُعامل كالمصطلح من جهة ضرورة تعريفها ومن جهة إبراز خصائصها وعلاقاتها… وقد توجد ضمائم الضمائم كما يمكن أن تكون الضميمة في السورة الاسمية كالتواصي بالحق. أما إذا كانت فعلية فتحتاج لتتبع طويل الاستعمال لترجح.

وبعد الفراغ من الضمائم أمكن الانتقال إلى المشتقات.

      • المشتقات:

في هذا المقام، تعرض جميع الألفاظ الاصطلاحية التي تنتمي مع المصطلح إلى نفس الجذر اللغوي والاصطلاحي. وتدرس المشتقات وتعرض بنفس الطريقة التي طبقت على المصطلح الأساس، مع إبراز الروابط اللغوية والدلالية التي تجمعها.

وعند الانتهاء من المشتقات بدئ وختم بالقضايا.

      • القضايا:

وتتضمن: “كل المسائل المستفادة من نصوص المصطلح المدروس وما يتصل به، المرتبطة بالمصطلح أو المرتبط بها المصطلح، مما لا يمكن التمكن من مفهومه حق التمكن، إلا بعد التمكن منها حق التمكن. وهي متعذرة الحصر لكثرة صورها وتنوعها من مصطلح إلى مصطلح. وأهميتها لا تكاد تقدر في التصور العام للأبعاد الموضوعية للمفهوم، ولاسيما في بعض العلوم.”[62]

ومن أصنافها: “الأسباب والنتائج، والمصادر والمظاهر، والشروط والموانع، والمجالات والمراتب، والأنواع والوظائف، والتأثر والتأثير…[63]

وبعرض القضايا نكون قد أتينا على نهاية آخر عنصر من العناصر الستة من “العرض المصطلحي”، آخر ركن من الأركان الخمسة التي شيد عليها منهج الدراسة المصطلحية.

والحمد لله رب العالمين.


المصادر والمراجع

  • أبجديات البحث في العلوم الشرعية محاولة في التأصيل المنهجي، فريد الأنصاري، منشورات الفرقان، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1/1997.
  • الأسس اللغوية لعلم الاصطلاح، د. محمود حجازي، مكتبة غريب، القاهرة.
  • أصول البحث العلمي ومناهجه، أحمد بدر، وكالة المطبوعات، الكويت، ط 1، 1973.
  • أولويات البحث العلمي في الدراسات القرآنية، جريدة المحجة، العدد:228.
  • بناء المفاهيم: دراسة معرفية ونماذج تطبيقية، مجوعة من باحثي المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1/07. منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، 1418هـ/1998م
  • حول توحيد المصطلحات العلمية، مجلة اللسان العربي عدد:44، من ص9 إلى 32، سنة 1997.
  • دراسات مصطلحية، مجلة حولية محكمة يصدرها معهد الدراسات المصطلحية، ع2، 1423هـ/2002م.
  • القرآن الكريم والدراسة المصطلحية، د.الشاهد البوشيخي، مطبعة آنفو برينت فاس.
  • قضايا المعجم العربي في كتابات الطيب الشرقي، د.عبد العلي الودغيري.

10-كلمة مصطلح بين الصواب والخطأ، عبد العلي الودغيري اللسان العربي ع 48 ص 9 سنة 1999.

11-مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية، د. الشاهد البوشيخي، مطبعة آنفو برينت فاس.

12-المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي، فريد الأنصاري. الطبعة الأولى، 1424هـ/2004.

13-مصطلح الشهادة على الناس، الدكتور عبد المجيد النجار، ندوة فاس: 1/289.

14-المصطلح مصادره ومشاكله وطرق توليده، يحيى جبر، مجلة اللسان العربي، العدد36 ص143. 1413هـ/1992م

15-مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين قضايا ونماذج، د.الشاهد البوشيخي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى، 1413هـ/1993.

16-مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبين للجاحظ، د.الشاهد البوشيخي، دار القلم للنشر والتوزيع، الكويت، الطبعة الثانية، 1415هـ/1995م.

17-مفهوم التأويل، د.فريدة زمرد، مطبعة آنفو برانت، فاس، الطبعة الأولى، أكتوبر2001.

18-معجم مفردات ألفاظ القرآن، العلامة الراغب الأصفهاني، تحقيق نديم مرعشلي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.

19-نحو معجم تاريخي للمصطلحات العلمية المعرفة، د. الشاهد البوشيخي، مطبعة آنفو برينت فاس.

20-نحو منهج لدراسة مفاهيم ألفاظ القرآن الكريم، الشاهد البوشيخي(مرقون)، ص:6. عرض ألقي في ندوة القرآن المجيد وخطابه العالمي التي نظمتها كلية الآداب بأكادير، بتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن أيام 13-19/1418 موافق 21-26/5/1997.

21-نحو تصور حضاري للمسألة المصطلحية، د. الشاهد البوشيخي، مطبعة آنفو برينت فاس.

22-ندوة الدراسات المصطلحية والعلوم الإسلامية بفاس، 1414هـ/1993م.

23-نظرات في المصطلح والمنهج، د. الشاهد البوشيخي، مطبعة آنفو برينت فاس.

24-نظرات في منهج الدراسة المصطلحية ومدى اهتمام إمام الحرمين به في كتاب الكافية، مرقون، د.الشاهد البوشيخي.


الفهرس

 

المقدمة الأولى: لماذا المصطلح؟   4

1- أهمية المصطلح في بعده العلمي:  4

2- أهمية المصطلح في بعده الاستعمالي:  6

المقدمة الثانية: الاصطلاح أم المصطلح؟  7

المقدمة الثالثة: تعريف المصطلح:  11

المقدمة الرابعة: أهمية المصطلح القرآني:   14

المقدمة الخامسة: جهود العلماء في المصطلح القرآني:  15

1– جهود القدماء:  15

1-1- جهود المفسرين: 15

1-2- جهود الفقهاء:  15

1-3- جهود الصوفية:  16

2- الدراسات الحديثة: 16

المقدمة السادسة: تعريف المصطلح القرآني:  18

المقدمة السابعة: منهج دراسة المصطلحات القرآنية:  19

1- إطار الدراسة: 19

2- ملامح المنهج في دراسة المصطلح القرآني:   19

3- أهمية المنهج:   20

4- منهج الدراسة المصطلحية: 21

مقدمة:  21

– تعريف الدراسة المصطلحية:  22

– دعائم منهج الدراسة المصطلحية:  24

– موضوع الدراسة المصطلحية وهدفها:   25

– المنهج الإجرائي لدراسة المصطلح القرآني: 26

  1. الإحصاء:  26
  2. الدراسة المعجمية:  26
  3. الدراسة النصية للمصطلح:  27
  4. الدراسة المفهومية:  28
  5. العرض المصطلحي: 28

1.5.التعريف: 28

2.5.الصفات:  29

3.5.العلاقات: 29

4.5.الضمائم:  30

5.5.المشتقات:  30

6.5.القضايا:   30

المصادر والمراجع 32

الفهرس   34


[1] – المفردات: ص: ن.

[2] – محمد بريش، ندوة الدراسات المصطلحية والعلوم الإسلامية بفاس 1414هـ/1993م، 2/717.

[3] – محمد بريش، ندوة الدراسات المصطلحية والعلوم الإسلامية بفاس: 2/716.

[4] – المصطلح الأصولي عند الشاطبي، فريد الأنصاري، ص48.

[5] – المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي، فريد الأنصاري، ص: 48.

[6] – المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي، فريد الأنصاري، ص: 48.

[7] – أبجديات البحث في العلوم الشرعية، فريد الأنصاري، ص:40.

[8] – المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي، فريد الأنصاري، ص:55.

[9] – مصطلح الشهادة على الناس، الدكتور عبد المجيد النجار، ندوة فاس: 1/289.

[10] – المصطلح مصادره ومشاكله وطرق توليده، يحيى جبر، مجلة اللسان العربي، العدد36 ص143. 1413هـ/1992م.

[11] –  المصطلح مصادره ومشاكله وطرق توليده، يحيى جبر، مجلة اللسان العربي، العدد36 ص143.

[12] – انظر حول توحيد المصطلحات العلمية، مجلة اللسان العربي عدد44، من ص9 إلى 32، سنة 1997.

[13] – اللغة العربية لغة العلوم والتقنية، عبد الصبور شاهين: ص:119. دار الاصطلاح، الدمام، الطبعة الأولى، 1983.

[14] – كلمة مصطلح بين الصواب والخطأ، عبد العلي الودغيري اللسان العربي ع 48 ص 9 سنة 1999.

[15] – كلمة مصطلح بين الصواب والخطأ، عبد العلي الودغيري اللسان العربي ع 48 ص 10 سنة 1999.

[16] – منشورات الهيئة العامة للكتاب. تحقيق د. كمال إبراهيم جعفر 1981، مصر.

[17] – كشاف اصطلاحات الفنون: 1/1. دار صادر بيروت.

[18] – مقدمة ابن خلدون ص475. دار الفكر، بيروت، 1981.

[19] – كلمة مصطلح بين الصواب والخطأ لعبد العلي الودغيري، اللسان العربي عدد 48 ص 14 سنة 1999.

[20] – التعريفات: ص:44.

[21] – قضايا المعجم العربي في كتابات الطيب الشرقي، عبد العلي الودغيري ص:194.

[22] – مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين قضايا ونماذج، الشاهد البوشيخي، ص: 54.

[23] – الأسس اللغوية لعلم الاصطلاح، د. محمود حجازي، مكتبة غريب، القاهرة، دون تحقيق، ص:12.

[24] – الأسس اللغوية لعلم الاصطلاح ص:11.

[25] – بناء المفاهيم: دراسة معرفية ونماذج تطبيقية، مجوعة من باحثي المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1/07. منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجينيا، 1418هـ/1998م.

[26] – بناء المفاهيم: دراسة معرفية ونماذج تطبيقية، مجوعة من باحثي المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1/07.

[27] – المفردات: ص: ن.

[28] – جهود الفقهاء في دراسة المصطلح القرآني، د. محمد الروكي، مجلة دراسات مصطلحية، ص:27، ع2، 1423هـ/2002م.

[29] – جهود الفقهاء في دراسة المصطلح القرآني، د. محمد الروكي، مجلة دراسات مصطلحية، ص:27.

[30] – انظر على الخصوص: الفصل الأول: مصطلحات التصوف، والفصل الثاني: شرح المقامات أو مدارج أرباب السلوك. الرسالة القشيرية، عبد الكريم القشيري.

[31] – القرآن الكريم والدراسة المصطلحية، د. الشاهد البوشيخي، ص20.

[32] – نحو معجم تاريخي للمصطلحات القرآنية المعرفة، د. الشاهد البوشيخي، ص: 2.

[33] – مصطلح الشهادة على الناس، عبد المجيد النجار، ندوة فاس، 1/289.

[34] – كتاب الزينة، أبو حاتم الرازي. 1/140-141.

[35] – القرآن الكريم والدراسة المصطلحية، د.الشاهد البوشيخي، ص: 6-7.

[36] – القرآن الكريم والدراسة المصطلحية، د. الشاهد البوشيخي، ص: 12.

[37] – أصول البحث العلمي ومناهجه، أحمد بدر، ص: 32.

[38] – نظرات في المصطلح والمنهج، د. الشاهد البوشيخي، ص: 22.

[39] – نظرات في المصطلح والمنهج، د. الشاهد البوشيخي، ص: 22.

[40] – نظرات في المصطلح والمنهج، د. الشاهد البوشيخي، ص: 15.

[41] – مفهوم التأويل، د. فريدة زمرد، ص:38.

[42] – مفهوم التأويل، د. فريدة زمرد، ص: 40.

[43] – الدراسة القاموسيةLexicographie  فرع آخر من فروع الدراسة المعجمية.

[44] – قضايا المعجم العربي في كتابات الطيب الشرقي، د.عبد العلي الودغيري، ص: 4.

[45] – نظرات في المصطلح والمنهج، د. الشاهد البوشيخي، ص: 15.

[46] – أولويات البحث العلمي في الدراسات القرآنية، جريدة المحجة، العدد228، ص8.

[47] – نظرات في المصطلح والمنهج، د. الشاهد البوشيخي، ص: 17.

[48] – انظر مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية، د. الشاهد البوشيخي، ص: 14.

[49] – مصطلحات نقدية وبلاغية، د. الشاهد البوشيخي، ص: 14.

[50] – مشروع المعجم التاريخي للمصطلحات العلمية، د. الشاهد البوشيخي، ص: 21.

[51] – مفهوم التأويل، د. فريدة زمرد، ص: 40- 41.

[52] – أصول البحث العلمي ومناهجه، أحمد بدر، ص:222.

[53] – أصول البحث العلمي ومناهجه، أحمد بدر، ص:222.

[54] – مصطلحات النقد العربي لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين، قضايا ونماذج، د.الشاهد البوشيخي، ص:15.

[55] – نظرات في المصطلح والمنهج، ص23.

[56] – نظرات في المصطلح والمنهج. ص: 26.

[57] – نظرات في المصطلح والمنهج. ص: 27.

[58] – نظرات في المصطلح والمنهج. ص: 28.

[59] – نظرات في المصطلح والمنهج. ص: 28.

[60] – نظرات في المصطلح والمنهج. ص: 28.

[61] – نظرات في المصطلح والمنهج. ص: 29.

[62] – نظرات في المصطلح والمنهج. ص: 30.

[63] – نحو منهج لدراسة مفاهيم ألفاظ القرآن الكريم، الشاهد البوشيخي(مرقون)، ص:6. عرض ألقي في ندوة القرآن المجيد وخطابه العالمي التي نظمتها كلية الآداب بأكادير، بتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن أيام 13-19/1418 موافق 21-26/5/1997، وهو الآن في كتاب: نظرات في المصطلح والمنهج ص:30-31.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.