منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تعليقات أولية على التعديلات الشائعة حول مدونة الأسرة المغربية

د. عبد الحليم زوبير

0

تعليقات أولية على التعديلات الشائعة حول مدونة الأسرة المغربية

د. عبد الحليم زوبير

أعادت التسريبات حول تعديل مدونة الأسرة، وما أجازه العلماء وما منعوه، النقاش مجددا؛ ونظرة أولية حول ما يشاع من هذه التعديلات، يؤكد حقيقة واحدة هي: لا يوجد مشكل يضيق به الفقه الإسلامي، لكن الملاحظة ستلاحظ على طريقة النظر، ومعايير المنع والجواز التي استند لها العلماء في ما أجازوا وما منعوا من مقترحات التعديل.

                ويمكننا الحديث عن ثلاثة محددات مؤطرة للنقاش حول تعديلات مدونة الأسرة:

-الأول: قطعيات الشريعة، التي يجب أن ينتهي عندها اجتهاد المجتهدين، سواء تعلق الأمر بالنص القطعي ثبوتا ودلالة أو بإجماعات الأمة.

-الثاني: المصالح المعتبرة للمكلفين، بما يرفع عنهم الحرج، ويحقق مصالحهم في العاجل والآجل.

-الثالث: قواعد الاجتهاد المحكم، المنسجم في حد ذاته من جهة، والمنسجم مع كليات الشريعة من جهة أخرى.

                وبناء على هذه المحددات يمكننا إبداء بعض الملاحظات حول ما رشح عن تعديلات مدونة الأسرة، ومدى انضباط اجتهاد العلماء بهذه الضوابط:

الملاحظة الأولى:

لا يوجد في ما رشح عن العلماء من قبولهم أو منعهم لبعض التعديلات، ما يجعل اجتهادهم خارج القطعيات الشرعية وإجماعات الأمة، والنصوص التي يمكن الاستدراك بها على العلماء إما ضعيفة أو مؤولة، الأمر الذي يجعلنا نتفق على أن اجتهاد العلماء واقع في إطار القطعيات الشرعية.

الملاحظة الثانية:

تتعلق بمراعاة مصالح المكلفين، والمكلفون هنا هم الزوجان والأبناء وذووا الحقوق، ولا شك أن المصالح نسبية ومتغيرة، بطريقة يصعب على أحد الجزم بمصلحة خالصة لا يترتب عليها ضرر من جهة؛ فما يكون مصلحة للمرأة المطلقة مع أبناء، من زوج جائر، قد يكون ضررا في حال امرأة تحتال على الزوج ليطلقها، وتأخذ أمواله بغير وجه حق، بعد “أن تقلب عليه القفة” وتؤلب عليه أولاده والمجتمع والقضاء؛ كل هذا يجعلنا لا ننتظر من العلماء أن يوفقوا بين بعض المصالح المتناقضة بطبعها.

                لكن هذا لا يعفي العلماء من بعض الملاحظات التي يبدو من خلال هذه التسريبات -إن صحت- أن ميزان المصالح في نظر العلماء مختل بشكل واضح، ومن ذلك:

-ما أجازوا من إمكانية عقد الزواج للمغاربة المسلمين في المهجر دون شاهدي عدل مسلمين؛ وقبل إبداء الملاحظة لابد من التنبيه على أن رأي العلماء لم يتضح بعد، هل يتعلق باستبعاد شرط الإسلام في الشهود، أم تم استبعاد شرط الشهود رأسا، وهناك فرق بين الحالتين؛ وفي انتظار وضوح رأي العلماء الذي سيضمن ولا شك في متن المدونة في نسختها القادمة، نقول:

إن مسألة الشهود على الزواج من حيث النظر، ليست من قبيل القطعيات، وأكثر من خالف فيها الحنفية، الذين خالفوا الجمهور في تفاصيل هذه المسألة، وسنعود لهذه المسائل بما يناسب من التفصيل، لكن ما أود التنبيه عليه هنا، هو: هل هناك في ظروف المهاجرين ما يقتضي الخروج بالمسألة عن رأي الجمهور وظواهر الكتاب والسنة، ومذهب مالك رحمه الله؟ وإذا ثبت فعلا أن المهاجرين يجدون حرجا في وجود مسلمين للشهادة على الزواج، ألا يمكن حل هذه المسألة بتكليف القنصليات والسفارات المغربية في المهجر، بتدبير أمور الزواج للمغاربة، بوضع شهود عدول رهن إشارة المغاربة ينتقلون إليهم حيث كانوا بأثمان مناسبة، تتحمل منها الدولة ما يخفف العبء عن المتعاقدين.

إنه في حال ثبت أن هناك في المهجر إمكانية لعقد الزواج بشهادة المسلمين العدول، فإن المصير إلى هذه الرخصة لن يكون مبنيا على أساس متين؛ ولا أدري هل هناك تأكد من وجود هذا الحرج أصلا والحاجة إلى إعادة النظر؟ ونحن نتحدث عمن يعنيه العقد بشروطه الشرعية، أما من لا يرى في الإسلام سوى طقوس بالية لا معنى لها، فلا يتعسف له البحث عن الرخص.

الملاحظة الثالثة:

إن الاجتهاد الصحيح لا يقاس فقط بمدى ملائمته للنصوص والكليات الشرعية، لأن ذلك يمكن أن يختلف باختلاف النظار، ولكن هناك معيار أكثر موضوعية، وهو انسجام اجتهاد العالم بعضه ببعض، فمن كان رأيه في الأصول رأي الفقهاء والحنفية مثلا، ينبغي أن يتجلى ذلك في اجتهاداته الفقهية، وينبغي ألا يخرج عن ذلك؛ ومن كان رأيه الاحتياط على سنن أهل الحديث مثلا، ينبغي أن يكون اجتهاد متسما بالاحتياط؛ ولا يكون احتياط الفقيه أو ترخصه في الفروع وجيها ما لم يكن في أصوله ما يناسب ذلك المسلك؛ وإلا أشبه الأمر التلفيق الأصولي والفقهي، وعرض العلماء لتجريح المراقبين الذين لا يمكن في سياقنا المعاصر الحجر عليهم في الكلام والتعليق.

                وبالنظر إلى ما رشح عن اجتهادات العلماء، يمكننا عقد مقارنة ترخص العلماء واحتياطهم في بعض المسائل، ومدى انسجام الاجتهاد فيها؛ فالعلماء حسب هذه التسريبات، أجازوا -كما أسلفنا- استبعاد الشهود المسلمين في حال المهاجرين؛ متجهين في ذلك إلى الترخص من غير موجبات وجيهة فيما أرى والله أعلم؛ ولكنهم نحوا منحى الاحتياط في مسألة استعمال الخبرة لإثبات النسب، فمنعوا إثبات النسب بمقتضى الخبرة؛ فإن كان المعتمد عند العلماء هو اختلال الشكل الشرعي لعقد الزواج، فهذا الأمر ينطبق على الزواج بدون شهود أو بدون شهود مسلمين، بناء على قاعدة “المعدوم شرعا كالمعدوم حسا”؛ وإن كان معتمدهم في ذلك هو مصلحة المكلف، فإن مصلحة الآلاف من المغاربة في إثبات النسب بالخبرة أولى بالاعتبار، الذين يعيشون بدون أنساب صحيحة، يكل ما يعني ذلك من أزمات نفسية، تهيأ صاحبها للنقمة من المجتمع بطرق مختلفة، ليس أقلها الاستعداد لنشر الإجرام في مجتمع لا يشعر بالانتماء إليه.

                ولا نحتاج إلى التذكير بأنني لست بصدد الفتوى، ولا أنا من أهلها، وقد عافاني الله لحد الآن منها؛ لكن الموضوع يستحق أن ينظر إليه من زوايا متعددة، فإن الخطأ -في اعتقادي- مقبول في الموضوع، لأن المسائل من طبيعتها التشعب والاختلافـ لكن اختلال المنهج، بقدر يكون الشيء مباحا هنا، ويكون نظيره حراما هنا، في نفس الوقت، وبفتوى واحدة.

وسواء صحت هذه التسريبات أم لا فإن ما أوردناه جزء من ثضايا الاجتهاد الفقهي المعاصر، يحتاج مزيدا من البحث وتبادل الرأي.

ويتبع بإذن الله بشيء من التفصيل في تلك التعديلات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.