منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في ظلال الإسلام 

في ظلال الإسلام 

0
الفهرس إخفاء
في ظلال الإسلام
يحتوي القرآن الكريم على العديد من الآيات المبينات التي لو وضعتها البشرية جمعاء نصب أعينها واطمأنت لها، لاهتدى لها قلبها، وارتاحت نفسها لها، وأنير بها عقلها، ولتغير وجهها وانقلبت صراعاتها إلى سلام ووئام. من هذه الآيات، قوله تعالى ( إن الدين عند الله الإسلام ) آل عمران ۱۹ وقوله عز وجل ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) آل عمران 85 وقوله سبحانه ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) المائدة 3 فالإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين الموحدين، وهو دين الفطرة التي فطر الناس عليها، ودعت إليه جميع الأنبياء، ونادت به جميع الرسالات، منذ عهد آدم عليه السلام أبو البشر، ومرورا بسيدنا إبراهيم أبو الأنبياء، وانتهاء بسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام خاتم الأنبياء والمرسلين. قال تعالى ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) الحج 78 وقال عز وجل ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) الشورى 13 وقال الرسول عليه الصلاة والسلام ( إنا معاشر الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ) وقال عليه الصلاة والسلام ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه )
والإسلام دين ينظم علاقة الإنسان بربه وعلاقته بأخيه الإنسان ومن ثم علاقته بالكون وما فيه. وقسمت أحكامه إلى: عبادات ومعاملات. تشمل العبادات الأحكام التي تنظم علاقة العبد المكلف بالله، مثل: الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرهم. ولقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام العبادات مجمله في حديثه حين سئل عن الإسلام قائلا ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) ومن المعلوم أن الصلاة والزكاة والصيام والحج، كانت مشروعة في الأمم قبلنا، وعدم ذكر للحج في كتب اليهود والنصارى لا يعنى إنه لم يكن مشرعا لهم، لأن ما بأيديهم من كتب دخلها التحريف والتبديل، وقد أخبرنا المولى عز وجل في كتابه الكريم بقوله لخليله إبراهيم ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) الحج 27 أما المعاملات فتشمل الأحكام التي تنظم أفعال المكلف وعلاقته بغيره، كالأحكام المدنية والشخصية، مثلا في إطار الأسرة تشمل الزواج والطلاق وتربية الأبناء، وفي المرافعات تشمل القضاء والشهادة، والجنايات والحدود، كما تشمل العلاقات بين الحاكم والمحكوم، والعلاقات الدولية، والأحكام الاقتصادية، والمعاملات المالية والعقود، وغيرها من المواضيع والأحكام الفرعية المتعددة، كما تشمل أخلاقيات التعامل مع عباد الله بشتى أنواعهم وعقائدهم، كالصدق والعدل والأمانة والنصح والرحمة والعفو والإنصاف والإحسان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الدين المعاملة ). وقد أمرنا المولى عز وجل بقوله ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) سورة البقرة آية 208 بالدخول في جميع شرائع الإسلام عاملين بجميع أحكامه ولا نترك منها شيئا، كما يفعل أهل الكتاب من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، قال تعالى في سورة البقرة آية 85 ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه تبارك وتعالى بالإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر، ومثلهم من يؤمن بالصلاة والزكاة والصيام والحج ويكفر بالجهاد وإقامة حدود الله ولا يتبع أوامر الله في المعاملات المالية ولا يتحلى بمكارم الأخلاق في معاملته مع الآخرين. والمثال البسيط على ذلك إذا أمرك طبيب بتناول عدة أدوية بجرعات محددة وفي أوقات معينة، هل تستطيع أن تتناول بعضها وتترك بعضها، فضلا عن مخالفة أوقاتها وكمياتها، ثم تذهب للطبيب تسأله عن سبب عدم شفائك!!!. ولذا على المسلم أن يقيم الإسلام في قلبه وجوارحه، ويظهر أثره في فكره وسلوكه ومعاملاته، حتى يكون له كصبغة صبغ ولون بها نفسه وتصرفاته وما يحيط به، فضلا عن اصطباغ كل أجهزة الدولة به أيضا، قال تعالى ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ) البقرة 138 وهذا الدين قد كتب الله له الرفعة والعلو، قال تعالى في سورة التوبة آية 33 ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ) وأن أهله لا يزالون في علو ومكانة حسنة، ما داموا متمسكين به، عاملين بأحكامه، فما الدين إلا منهج رباني للحياة، من صنع الله ليس من وضع البشر، يعلو كل المناهج التي وضعتها العقول البشرية، ففيه الحل لما نواجهه من مشاكل حياتية بكل أنواعها، منذ الولادة حتى الممات، ومن بداية الاستيقاظ حتى النوم، سواء كنا أفرادا أو دولا. وقد أعزنا الله به، ويأبى على معتنقيه أن يستذلوا، فلا يجعل في قلب المسلم مكانا للذل إلا ذل التواضع والرحمة لأخيه المسلم، وقد كفل الإسلام للمسلمين من التشريعات ما يحفظ لهم عزتهم وكرامتهم، ولكنهم أضاعوها بتركهم للجهاد، فالجبان الرعديد الذي لا هم له في قتال الكفار، ولا طاقة له بالذود عن حياضه، يكون ذليلا مستعبدا تابعا غير متبوع في لدنيا، وأما في الآخرة فإنه يهلك ما لم يتغمده الله برحمته بترك فريضة محكمة أنزلها الله في كتابه أعز بها الإسلام والمسلمين وأذل بها الشرك والمشركين. والقدرة على الجهاد لا تتوقف على كثرة المال ولا على كثرة السلاح فقد كان المسلمون الأوائل في كثير من غزواتهم التي انتصروا فيها ورفعوا بها راية الإسلام عالية، في أشد حالات الفقر والضنك بل كانوا أقل عدة وعتاد من الأعداء.
وعلى المسلم أن يتعلم أمور دينه، ويختار لنفسه، أما أن يكون عالما بدينه، ينشغل بنشره ووعظ الناس، أو يكون طالب علم، يسعى في معرفة ما يهمه من أمور دينه، فإن لم يستطع فليكن مستمعا للعلم، فإن لم يستطع فليكن محبا للعلم والعلماء الصالحين، ولا يرتضي لنفسه أن يكن إمعة، يقول برأيه أو مقلدا لرأي للآخرين ومتنقلا بين أرائهم المتباينة، بدون علم أو سند شرعي. قال أبو الدرداء رضي الله عنه:كن عالما أو متعلما أو محبا أو متبعا، ولا تكن الخامس فتهلك. روى عن النبي عليه الصلاة والسلام إنه قال ( ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حر ولا مملوك إلا ولله عز وجل عليه حق أن يتعلم من القرآن ويتفقه في دينه ) ثم تلا هذه الآية قال تعالى ( وما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) آل عمران 79 أي كونوا علماء حكماء حلماء عاملين معلمين ومربين للناس مصلحين لأمورهم بسبب ما تعلمتموه وما درستموه حفظا وفهما. ولا يمنعه هذا من تعلم علوم الدنيا والتفوق فيها بل وامتهانها والتربح منها وإفادة غيره بها ومساعدتهم بما يقدر في مواجهة أعباء الحياة، وليكن بهذا مع حسن خلقه وجميل سلوكياته وجها مشرفا للمسلمين، وخير داعي للإسلام. فخير الناس أنفعهم للناس أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله خلقا خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله ) ويقول عليه الصلاة والسلام ( إن لله أقوما أخصهم بالنعم لمنافع العباد يقرهم فيها ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم ) فبقدر ما تحمل من هموم الناس يكون قدرك عند الله، والله لم يجعلك ملاذا للعباد إلا وهو يعلم استحقاقك لهذا الشرف العظيم، ثم هو لا يتركك تحمل العبء وحدك، بل يمدك بقوته ويساندك بتوفيقه ويسدد خطاك في طريق الخير الذي هيأك له وهيأه لك. تحدثنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بحديث سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقوله ( ما عظمت نعمة الله عز وجل على عبد إلا اشتدت إليه حاجة الناس ومن لم يحمل تلك المؤنة للناس فقد عرض نعمة الله عليه للزوال ) ويقول النبي عليه الصلاة والسلام ( لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في مسجدي هذا شهرا ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) وفسره فقال ( واليد العليا المنفقة واليد السفلى السائلة ).
وواجب على المسلمين كافة إبلاغ دعوة الله وبذل الجهد في ذلك، قال تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته ) المائدة 67 فتكليف النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ دعوته تكليفا لأمته، وقد صرحت بذلك الآيات البينات من كتاب الله تعالى ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) يوسف 108 وقد دلت هذه الآية على أمور أن تكليف النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ رسالة ربه، تكليف لأمته، لا يتخلى عنه مؤمن، ولا يتركه أمين، وأن يكون الداعي على بصيرة من الأمور، ومن يتخاذل عن الدعوة إلى الله تعالى وهو قادر عليها لا يعد تابعا للنبي صلى الله عليه وسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( بلغوا عني ولو آية ). وكل منا يعمل في مجاله بدقة وإتقان وابتغاء لوجه الله وسيرى الله عمله ورسوله والمؤمنون، قال تعالى ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) التوبة 105حيث تنص الآية الكريمة على أن هناك ثلاث جهات تراقب من يعمل، الله سبحانه وتعالى ورقابته تنعكس فيما يسمى بالرقابة الذاتية، الرسول صلى الله عليه وسلم ورقابته هي رقابة السلطة التنفيذية والتي يتولاها ولي الأمر في كل زمان ومكان، والمؤمنون ورقابتهم هي رقابة الرأي العام والسلطات الشعبية سواء تمثلت في مجالس منتخبة أو أفراد عاديين، والرقابة الذاتية هي خط الدفاع الأول ضد أي انحراف، وبخصوص الرقابة الشعبية فنجد حرص الخلفاء الراشدين وبخاصة أبي بكر وعمر وعلي على دعوة جماهير الشعب إلى ممارسة هذا النوع من الرقابة على تصرفات الحكام فلم تخلو خطبهم من ذلك، يقول عمر بن الخطاب: أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم وأمرته بالعدل أقضيت ما علي. فقالوا: نعم. قال: لا حتى انظر في عمله أعمل ما أمرته أم لا.
فالهدف من كل رسالة وخاصة الرسائل السماوية هو إصلاح حال الناس، قال تعالى ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) هود 88 وطرق الإصلاح تختلف من قوم لقوم، كما يختلف أسلوب المصلح من فرد لآخر، والمصلحون هم شموع الأرض، ومصابيحها التي يهتدي بها، وهم أملها بعد الله في تصحيح مسار البشر، وإنقاذ الأرض قبل خرابها، وهم قدر الله في محاربة ومقاومة المفسدين، وهم الذين يصطفيهم الله في الدنيا ويجمعهم معا في الآخرة ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) النحل 122. والصلاح يشمل الأعمال والأقوال، وعلى أي منا لا يعمل من الأعمال إلا الصالح منها، ولا يقول من الأقوال إلا السديد منها وهو الذي يوافق الصواب والحق. والقرآن الكريم لا يذكر لفظ العمل إلا مضافا إليه كلمة الصالح، فلا يقبل الله إلا العمل الصالح، ومن أراد قبول توبته فعليه بالعمل الصالح ( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ) المائدة 39 وأهل النار يريدون الخروج منها لكي يعملوا صالحا، قال تعالى في سورة فاطر 37 ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ) كما قال تعالى ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) فصلت 33 وقال عز وجل في سورة الأحزاب آية70 ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) والأمر بالتقوى ليس في القول فقط ولكنه مصاحب للعديد من آيات الأوامر والنواهي في آيات القرآن الكريم، بل كانت وصية عامة لنا ولمن قبلنا قال تعالى ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) النساء 131 أي وصينا الأولين والآخرين وأمرناكم بما أمرناهم به بتقوى الله. قال تعالى في سورة آل عمران آية 102 ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) والتقوى هي الميزان الذي يوزن به المرء ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات 13 ومن وصايا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لقادة جيوشه: أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله فإن تقوى الله أفضل العدة وأقوى المكيدة في الحرب. وأصل التقوى مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزا بينه وبينك، فالمتقي هو الذي يقي نفسه ما يضرها، وهو الذي يتقي عذاب الله بطاعته، إن التقوى هي الحارس القابع في أعماق النفس لضامن امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته، ومن ثم يجب أن تكون التقوى هي الجو الذي يسود جماعة المؤمنين في جميع أحوالها. كما أمرنا الرسول عليه الصلاة والسلام بالحياء، وهو خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع التقصير في حق ذي الحق، قال صلى الله عليه وسلم ( لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء ) وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الحياء من الإيمان ) والحياء يحمل المرء على ألا يظهر منه ما ينفر منه الذوق السليم، وهذا أساس الائتلاف في المجتمعات، قال صلى الله عليه وسلم ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) وتحذيرا لمن تسول له نفسه الإساءة للآخرين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( افعل كما شئت كما تدين تدان ) أي كما تفعل تجزيء.
ومن الملاحظ أن أهم مبادئ الإسلام وهي الصلاة الصيام الحج الزكاة، الصبر، الجهاد، تقوى الله، ولاية المؤمنين، إصلاح النفس، ذكر الله، طاعة الله ورسوله، اجتناب ما نهى الله عنه، أكل الحلال، القصاص، الآداب الاجتماعية، المعاملات لاجتماعية، الأحوال الشخصية، جاءت كلها بصيغة الجمع لبيان أهمية جماعة لمسلمين في أدائها، فمن صيغ الجمع التي نزلت بها سور الأحكام ومن وجوب دعوة كل فرد إلي لزوم جماعة المسلمين، وجب وجود قاعدة عريضة من المؤمنين، تؤيد وتقوي دعائم المجتمع الإسلامي، ولقد دعا الإسلام المسلمين إلى الوحدة ونهاهم عن التفرق والتشرذم، قال تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) سورة آل عمران آية 103 وقوله تعالى ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) سورة آل عمران آية 105 وقوله تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) سورة الأنفال آية 46 ومن الآيات والأحاديث التي تصف علاقة المسلم بالمسلم مهما باعدت بينهما الأوطان وناءت بينهم الديار بأنها علاقة أخوية، قال تعالى ( إنما المؤمنون إخوة ) سورة الحجرات آية 10 وقال عليه الصلاة والسلام ( ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى ) البخاري. وهذه الأخوة التي تفوق أخوة الرحم والنسب والجنس والعرق، وما تستلزم على المسلم تجاه أخيه المسلم من واجبات لا يمكن القيام بها خير قيام إلا في ظل وحدة المسلمين، لم تعد الوحدة بين المسلمين فريضة شرعية فقط، بل أصبحت ضرورة حتمية يحتمها علينا الواقع الذي نعيشه اليوم، ونحن في أمس الحاجة إلى الوحدة أكثر من الأمس، وكل يوم يمر تزداد حاجتنا إليها أكثر من سابقه.
والابتلاء سنة من سنن الحياة في الأولين والآخرين، قال تعالى ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) العنكبوت 2 -3 وقال تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) الأنبياء 35 والابتلاء بالشر مفهوم أمره ليكشف مدى احتمال المبتلى ومدى صبره على الضر ومدى ثقته في ربه ورجاء رحمته، أما الابتلاء بالخير فهو أشد وطأة، وإن خيل للناس إنه دون الابتلاء بالشر، وإن كثيرين يصمدون أمام الابتلاء بالشر، ولكن القلة القليلة هي التي تصمد أمام الابتلاء بالخير، قال تعالى ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ) البقرة 155 روى الترمذي عن سعيد بن أبي وقاص قال قلنا يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال ( الأنبياء ثم الأمثل فلأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ) قال تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) البقرة 214 أي أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولما يصبكم من الابتلاء ما أصاب الذين من قبلكم من فقر ومرض وخوف ورعب وزلزلوا بأنواع المخاوف حتى قال رسولهم والمؤمنون معه على سبيل الاستعجال للنصر من الله تعالى متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب. وقال تعالى ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) آل عمران 140 وإن كانت هذه الآية نزلت بعد ما أصاب المسلمين في غزوة أحد، لكن الشاهد أنها عامة في كل المعارك على كل الجبهات، فالقتلى والجرحى يكونون من الطرفين وإن اختلف عددهما، والأيام دول يوم هزيمة وآخر نصر، لا نصر مطلقا ولا هزيمة مطلقا، وقال تعالى ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ) النساء 104 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه ) ورحمة الله وسعة كل شيء وفي لحظة الانتكاس التي تمر بها الأمم والأفراد، لا معين لها إلا الالتجاء إلى الله، وعدم القنوط من رحمته ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) الحجر 56 والقرآن الكريم به من السنن ما تخالف السنن الطبيعية التي اعتادها البشر في حياتهم، مما تدفعنا لعدم اليأس نهائي، وتبين لنا أن الفرج قريب جدا وأن مع العسر يسرا. ولنجعل الأمل في الله دائما وأبدا.
فالعداوة التي يكنها أعداء الإسلام للمسلمين سواء كانت حربا تبيد الأخضر واليابس، يوجهون إلينا شتى أنواع أسلحتهم، يفتكون بكل ما تصل إليه نيرانها، لا يفرقون بين رجل أو امرأة، أو بين طفل وعجوز، أو بين إنسان وحيوان، لا يبقون على بشر ولا على شجر ولا حتى على حجر، يهدمون المباني السكانية على من فيها، يجرفون الأراضي الزراعية، ويقلعون ما بها من زرع، وينسفون المصانع والمستشفيات والمحال التجارية ودور الإذاعة والتلفزيون، ويدكون الموانئ والمطارات، كما يفعل اليهود بشعب فلسطين وكما فعلت أمريكا بالمجاهدين في أفغانستان مصداقا لقوله تعالى ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) سورة النساء آية 102 أو حربا بالألسنة أو بالأيدي مصداقا لقوله تعالى في سورة آل عمران آية 118( لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر ) ولقوله تعالى في سورة الممتحنة آية 2 ( إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ) فعداوتهم لنا سببها، عداوتهم لديننا الحنيف، ولن تخرج حروبهم لنا عن كونها حربا دينية لا يبتغون من ورائها إلا محو الإسلام وإبادة كل ما هو مسلم، مصداقا لقوله تعالى ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) سورة البقرة آية 217 ولقوله تعالى في سورة البقرة آية 120 ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) وقوله تعالى ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) سورة النساء آية 89 وستسمر إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

في ظلال الإسلام

يحتوي القرآن الكريم على العديد من الآيات المبينات التي لو وضعتها البشرية جمعاء نصب أعينها واطمأنت لها، لاهتدى لها قلبها، وارتاحت نفسها لها، وأنير بها عقلها، ولتغير وجهها وانقلبت صراعاتها إلى سلام ووئام. من هذه الآيات، قوله تعالى ( إن الدين عند الله الإسلام ) آل عمران ۱۹ وقوله عز وجل ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) آل عمران 85 وقوله سبحانه ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) المائدة 3 فالإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده المؤمنين الموحدين، وهو دين الفطرة التي فطر الناس عليها، ودعت إليه جميع الأنبياء، ونادت به جميع الرسالات، منذ عهد آدم عليه السلام أبو البشر، ومرورا بسيدنا إبراهيم أبو الأنبياء، وانتهاء بسيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام خاتم الأنبياء والمرسلين. قال تعالى ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ) الحج 78 وقال عز وجل ( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ) الشورى 13 وقال الرسول عليه الصلاة والسلام ( إنا معاشر الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ) وقال عليه الصلاة والسلام ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه )

والإسلام دين ينظم علاقة الإنسان بربه وعلاقته بأخيه الإنسان ومن ثم علاقته بالكون وما فيه. وقسمت أحكامه إلى: عبادات ومعاملات. تشمل العبادات الأحكام التي تنظم علاقة العبد المكلف بالله، مثل: الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرهم. ولقد بين الرسول عليه الصلاة والسلام العبادات مجمله في حديثه حين سئل عن الإسلام قائلا ( الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) ومن المعلوم أن الصلاة والزكاة والصيام والحج، كانت مشروعة في الأمم قبلنا، وعدم ذكر للحج في كتب اليهود والنصارى لا يعنى إنه لم يكن مشرعا لهم، لأن ما بأيديهم من كتب دخلها التحريف والتبديل، وقد أخبرنا المولى عز وجل في كتابه الكريم بقوله لخليله إبراهيم ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ) الحج 27 أما المعاملات فتشمل الأحكام التي تنظم أفعال المكلف وعلاقته بغيره، كالأحكام المدنية والشخصية، مثلا في إطار الأسرة تشمل الزواج والطلاق وتربية الأبناء، وفي المرافعات تشمل القضاء والشهادة، والجنايات والحدود، كما تشمل العلاقات بين الحاكم والمحكوم، والعلاقات الدولية، والأحكام الاقتصادية، والمعاملات المالية والعقود، وغيرها من المواضيع والأحكام الفرعية المتعددة، كما تشمل أخلاقيات التعامل مع عباد الله بشتى أنواعهم وعقائدهم، كالصدق والعدل والأمانة والنصح والرحمة والعفو والإنصاف والإحسان. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الدين المعاملة ). وقد أمرنا المولى عز وجل بقوله ( يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ) سورة البقرة آية 208 بالدخول في جميع شرائع الإسلام عاملين بجميع أحكامه ولا نترك منها شيئا، كما يفعل أهل الكتاب من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، قال تعالى في سورة البقرة آية 85 ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) والاستفهام هنا للإنكار والتوبيخ على التفريق بين أحكامه تبارك وتعالى بالإيمان ببعضها والكفر بالبعض الآخر، ومثلهم من يؤمن بالصلاة والزكاة والصيام والحج ويكفر بالجهاد وإقامة حدود الله ولا يتبع أوامر الله في المعاملات المالية ولا يتحلى بمكارم الأخلاق في معاملته مع الآخرين. والمثال البسيط على ذلك إذا أمرك طبيب بتناول عدة أدوية بجرعات محددة وفي أوقات معينة، هل تستطيع أن تتناول بعضها وتترك بعضها، فضلا عن مخالفة أوقاتها وكمياتها، ثم تذهب للطبيب تسأله عن سبب عدم شفائك!!!. ولذا على المسلم أن يقيم الإسلام في قلبه وجوارحه، ويظهر أثره في فكره وسلوكه ومعاملاته، حتى يكون له كصبغة صبغ ولون بها نفسه وتصرفاته وما يحيط به، فضلا عن اصطباغ كل أجهزة الدولة به أيضا، قال تعالى ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ) البقرة 138 وهذا الدين قد كتب الله له الرفعة والعلو، قال تعالى في سورة التوبة آية 33 ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ) وأن أهله لا يزالون في علو ومكانة حسنة، ما داموا متمسكين به، عاملين بأحكامه، فما الدين إلا منهج رباني للحياة، من صنع الله ليس من وضع البشر، يعلو كل المناهج التي وضعتها العقول البشرية، ففيه الحل لما نواجهه من مشاكل حياتية بكل أنواعها، منذ الولادة حتى الممات، ومن بداية الاستيقاظ حتى النوم، سواء كنا أفرادا أو دولا. وقد أعزنا الله به، ويأبى على معتنقيه أن يستذلوا، فلا يجعل في قلب المسلم مكانا للذل إلا ذل التواضع والرحمة لأخيه المسلم، وقد كفل الإسلام للمسلمين من التشريعات ما يحفظ لهم عزتهم وكرامتهم، ولكنهم أضاعوها بتركهم للجهاد، فالجبان الرعديد الذي لا هم له في قتال الكفار، ولا طاقة له بالذود عن حياضه، يكون ذليلا مستعبدا تابعا غير متبوع في لدنيا، وأما في الآخرة فإنه يهلك ما لم يتغمده الله برحمته بترك فريضة محكمة أنزلها الله في كتابه أعز بها الإسلام والمسلمين وأذل بها الشرك والمشركين. والقدرة على الجهاد لا تتوقف على كثرة المال ولا على كثرة السلاح فقد كان المسلمون الأوائل في كثير من غزواتهم التي انتصروا فيها ورفعوا بها راية الإسلام عالية، في أشد حالات الفقر والضنك بل كانوا أقل عدة وعتاد من الأعداء.

وعلى المسلم أن يتعلم أمور دينه، ويختار لنفسه، أما أن يكون عالما بدينه، ينشغل بنشره ووعظ الناس، أو يكون طالب علم، يسعى في معرفة ما يهمه من أمور دينه، فإن لم يستطع فليكن مستمعا للعلم، فإن لم يستطع فليكن محبا للعلم والعلماء الصالحين، ولا يرتضي لنفسه أن يكن إمعة، يقول برأيه أو مقلدا لرأي للآخرين ومتنقلا بين أرائهم المتباينة، بدون علم أو سند شرعي. قال أبو الدرداء رضي الله عنه:كن عالما أو متعلما أو محبا أو متبعا، ولا تكن الخامس فتهلك. روى عن النبي عليه الصلاة والسلام إنه قال ( ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حر ولا مملوك إلا ولله عز وجل عليه حق أن يتعلم من القرآن ويتفقه في دينه ) ثم تلا هذه الآية قال تعالى ( وما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ) آل عمران 79 أي كونوا علماء حكماء حلماء عاملين معلمين ومربين للناس مصلحين لأمورهم بسبب ما تعلمتموه وما درستموه حفظا وفهما. ولا يمنعه هذا من تعلم علوم الدنيا والتفوق فيها بل وامتهانها والتربح منها وإفادة غيره بها ومساعدتهم بما يقدر في مواجهة أعباء الحياة، وليكن بهذا مع حسن خلقه وجميل سلوكياته وجها مشرفا للمسلمين، وخير داعي للإسلام. فخير الناس أنفعهم للناس أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعياله ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن لله خلقا خلقهم لحوائج الناس يفزع الناس إليهم في حوائجهم أولئك الآمنون من عذاب الله ) ويقول عليه الصلاة والسلام ( إن لله أقوما أخصهم بالنعم لمنافع العباد يقرهم فيها ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم ) فبقدر ما تحمل من هموم الناس يكون قدرك عند الله، والله لم يجعلك ملاذا للعباد إلا وهو يعلم استحقاقك لهذا الشرف العظيم، ثم هو لا يتركك تحمل العبء وحدك، بل يمدك بقوته ويساندك بتوفيقه ويسدد خطاك في طريق الخير الذي هيأك له وهيأه لك. تحدثنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بحديث سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقوله ( ما عظمت نعمة الله عز وجل على عبد إلا اشتدت إليه حاجة الناس ومن لم يحمل تلك المؤنة للناس فقد عرض نعمة الله عليه للزوال ) ويقول النبي عليه الصلاة والسلام ( لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في مسجدي هذا شهرا ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اليد العليا خير من اليد السفلى ) وفسره فقال ( واليد العليا المنفقة واليد السفلى السائلة ).

وواجب على المسلمين كافة إبلاغ دعوة الله وبذل الجهد في ذلك، قال تعالى ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته ) المائدة 67 فتكليف النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ دعوته تكليفا لأمته، وقد صرحت بذلك الآيات البينات من كتاب الله تعالى ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين ) يوسف 108 وقد دلت هذه الآية على أمور أن تكليف النبي صلى الله عليه وسلم بتبليغ رسالة ربه، تكليف لأمته، لا يتخلى عنه مؤمن، ولا يتركه أمين، وأن يكون الداعي على بصيرة من الأمور، ومن يتخاذل عن الدعوة إلى الله تعالى وهو قادر عليها لا يعد تابعا للنبي صلى الله عليه وسلم. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( بلغوا عني ولو آية ). وكل منا يعمل في مجاله بدقة وإتقان وابتغاء لوجه الله وسيرى الله عمله ورسوله والمؤمنون، قال تعالى ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ) التوبة 105حيث تنص الآية الكريمة على أن هناك ثلاث جهات تراقب من يعمل، الله سبحانه وتعالى ورقابته تنعكس فيما يسمى بالرقابة الذاتية، الرسول صلى الله عليه وسلم ورقابته هي رقابة السلطة التنفيذية والتي يتولاها ولي الأمر في كل زمان ومكان، والمؤمنون ورقابتهم هي رقابة الرأي العام والسلطات الشعبية سواء تمثلت في مجالس منتخبة أو أفراد عاديين، والرقابة الذاتية هي خط الدفاع الأول ضد أي انحراف، وبخصوص الرقابة الشعبية فنجد حرص الخلفاء الراشدين وبخاصة أبي بكر وعمر وعلي على دعوة جماهير الشعب إلى ممارسة هذا النوع من الرقابة على تصرفات الحكام فلم تخلو خطبهم من ذلك، يقول عمر بن الخطاب: أرأيتم إن استعملت عليكم خير من أعلم وأمرته بالعدل أقضيت ما علي. فقالوا: نعم. قال: لا حتى انظر في عمله أعمل ما أمرته أم لا.

فالهدف من كل رسالة وخاصة الرسائل السماوية هو إصلاح حال الناس، قال تعالى ( إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ) هود 88 وطرق الإصلاح تختلف من قوم لقوم، كما يختلف أسلوب المصلح من فرد لآخر، والمصلحون هم شموع الأرض، ومصابيحها التي يهتدي بها، وهم أملها بعد الله في تصحيح مسار البشر، وإنقاذ الأرض قبل خرابها، وهم قدر الله في محاربة ومقاومة المفسدين، وهم الذين يصطفيهم الله في الدنيا ويجمعهم معا في الآخرة ( وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) النحل 122. والصلاح يشمل الأعمال والأقوال، وعلى أي منا لا يعمل من الأعمال إلا الصالح منها، ولا يقول من الأقوال إلا السديد منها وهو الذي يوافق الصواب والحق. والقرآن الكريم لا يذكر لفظ العمل إلا مضافا إليه كلمة الصالح، فلا يقبل الله إلا العمل الصالح، ومن أراد قبول توبته فعليه بالعمل الصالح ( فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه ) المائدة 39 وأهل النار يريدون الخروج منها لكي يعملوا صالحا، قال تعالى في سورة فاطر 37 ( وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ) كما قال تعالى ( ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) فصلت 33 وقال عز وجل في سورة الأحزاب آية70 ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) والأمر بالتقوى ليس في القول فقط ولكنه مصاحب للعديد من آيات الأوامر والنواهي في آيات القرآن الكريم، بل كانت وصية عامة لنا ولمن قبلنا قال تعالى ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) النساء 131 أي وصينا الأولين والآخرين وأمرناكم بما أمرناهم به بتقوى الله. قال تعالى في سورة آل عمران آية 102 ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) والتقوى هي الميزان الذي يوزن به المرء ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) الحجرات 13 ومن وصايا الخليفة الراشد عمر بن الخطاب لقادة جيوشه: أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله فإن تقوى الله أفضل العدة وأقوى المكيدة في الحرب. وأصل التقوى مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزا بينه وبينك، فالمتقي هو الذي يقي نفسه ما يضرها، وهو الذي يتقي عذاب الله بطاعته، إن التقوى هي الحارس القابع في أعماق النفس لضامن امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، فوق الضمانات المكفولة بالتشريع ذاته، ومن ثم يجب أن تكون التقوى هي الجو الذي يسود جماعة المؤمنين في جميع أحوالها. كما أمرنا الرسول عليه الصلاة والسلام بالحياء، وهو خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع التقصير في حق ذي الحق، قال صلى الله عليه وسلم ( لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء ) وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( الحياء من الإيمان ) والحياء يحمل المرء على ألا يظهر منه ما ينفر منه الذوق السليم، وهذا أساس الائتلاف في المجتمعات، قال صلى الله عليه وسلم ( إذا لم تستح فاصنع ما شئت ) وتحذيرا لمن تسول له نفسه الإساءة للآخرين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( افعل كما شئت كما تدين تدان ) أي كما تفعل تجزيء.

ومن الملاحظ أن أهم مبادئ الإسلام وهي الصلاة الصيام الحج الزكاة، الصبر، الجهاد، تقوى الله، ولاية المؤمنين، إصلاح النفس، ذكر الله، طاعة الله ورسوله، اجتناب ما نهى الله عنه، أكل الحلال، القصاص، الآداب الاجتماعية، المعاملات لاجتماعية، الأحوال الشخصية، جاءت كلها بصيغة الجمع لبيان أهمية جماعة لمسلمين في أدائها، فمن صيغ الجمع التي نزلت بها سور الأحكام ومن وجوب دعوة كل فرد إلي لزوم جماعة المسلمين، وجب وجود قاعدة عريضة من المؤمنين، تؤيد وتقوي دعائم المجتمع الإسلامي، ولقد دعا الإسلام المسلمين إلى الوحدة ونهاهم عن التفرق والتشرذم، قال تعالى ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ) سورة آل عمران آية 103 وقوله تعالى ( ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ) سورة آل عمران آية 105 وقوله تعالى ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) سورة الأنفال آية 46 ومن الآيات والأحاديث التي تصف علاقة المسلم بالمسلم مهما باعدت بينهما الأوطان وناءت بينهم الديار بأنها علاقة أخوية، قال تعالى ( إنما المؤمنون إخوة ) سورة الحجرات آية 10 وقال عليه الصلاة والسلام ( ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى ) البخاري. وهذه الأخوة التي تفوق أخوة الرحم والنسب والجنس والعرق، وما تستلزم على المسلم تجاه أخيه المسلم من واجبات لا يمكن القيام بها خير قيام إلا في ظل وحدة المسلمين، لم تعد الوحدة بين المسلمين فريضة شرعية فقط، بل أصبحت ضرورة حتمية يحتمها علينا الواقع الذي نعيشه اليوم، ونحن في أمس الحاجة إلى الوحدة أكثر من الأمس، وكل يوم يمر تزداد حاجتنا إليها أكثر من سابقه.

والابتلاء سنة من سنن الحياة في الأولين والآخرين، قال تعالى ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين ) العنكبوت 2 -3 وقال تعالى ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) الأنبياء 35 والابتلاء بالشر مفهوم أمره ليكشف مدى احتمال المبتلى ومدى صبره على الضر ومدى ثقته في ربه ورجاء رحمته، أما الابتلاء بالخير فهو أشد وطأة، وإن خيل للناس إنه دون الابتلاء بالشر، وإن كثيرين يصمدون أمام الابتلاء بالشر، ولكن القلة القليلة هي التي تصمد أمام الابتلاء بالخير، قال تعالى ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ) البقرة 155 روى الترمذي عن سعيد بن أبي وقاص قال قلنا يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال ( الأنبياء ثم الأمثل فلأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ) قال تعالى ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب ) البقرة 214 أي أظننتم أيها المؤمنون أن تدخلوا الجنة ولما يصبكم من الابتلاء ما أصاب الذين من قبلكم من فقر ومرض وخوف ورعب وزلزلوا بأنواع المخاوف حتى قال رسولهم والمؤمنون معه على سبيل الاستعجال للنصر من الله تعالى متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب. وقال تعالى ( إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ) آل عمران 140 وإن كانت هذه الآية نزلت بعد ما أصاب المسلمين في غزوة أحد، لكن الشاهد أنها عامة في كل المعارك على كل الجبهات، فالقتلى والجرحى يكونون من الطرفين وإن اختلف عددهما، والأيام دول يوم هزيمة وآخر نصر، لا نصر مطلقا ولا هزيمة مطلقا، وقال تعالى ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ) النساء 104 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من خطاياه ) ورحمة الله وسعة كل شيء وفي لحظة الانتكاس التي تمر بها الأمم والأفراد، لا معين لها إلا الالتجاء إلى الله، وعدم القنوط من رحمته ( ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون ) الحجر 56 والقرآن الكريم به من السنن ما تخالف السنن الطبيعية التي اعتادها البشر في حياتهم، مما تدفعنا لعدم اليأس نهائي، وتبين لنا أن الفرج قريب جدا وأن مع العسر يسرا. ولنجعل الأمل في الله دائما وأبدا.

فالعداوة التي يكنها أعداء الإسلام للمسلمين سواء كانت حربا تبيد الأخضر واليابس، يوجهون إلينا شتى أنواع أسلحتهم، يفتكون بكل ما تصل إليه نيرانها، لا يفرقون بين رجل أو امرأة، أو بين طفل وعجوز، أو بين إنسان وحيوان، لا يبقون على بشر ولا على شجر ولا حتى على حجر، يهدمون المباني السكانية على من فيها، يجرفون الأراضي الزراعية، ويقلعون ما بها من زرع، وينسفون المصانع والمستشفيات والمحال التجارية ودور الإذاعة والتلفزيون، ويدكون الموانئ والمطارات، كما يفعل اليهود بشعب فلسطين وكما فعلت أمريكا بالمجاهدين في أفغانستان مصداقا لقوله تعالى ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) سورة النساء آية 102 أو حربا بالألسنة أو بالأيدي مصداقا لقوله تعالى في سورة آل عمران آية 118( لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر ) ولقوله تعالى في سورة الممتحنة آية 2 ( إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون ) فعداوتهم لنا سببها، عداوتهم لديننا الحنيف، ولن تخرج حروبهم لنا عن كونها حربا دينية لا يبتغون من ورائها إلا محو الإسلام وإبادة كل ما هو مسلم، مصداقا لقوله تعالى ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) سورة البقرة آية 217 ولقوله تعالى في سورة البقرة آية 120 ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) وقوله تعالى ( ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ) سورة النساء آية 89 وستسمر إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

أخيرا فمنذ بدء الدعوة الإسلامية، لم يكن يقدم على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والانضمام إلى التجمع الإسلامي، إلا كل من نذر نفسه لله، وتهيأ لاحتمال الأذى والفتنة والجوع والغربة والعذاب والموت في أبشع الصور في بعض الأحيان، وهذه النقطة يجب أن يعيها الغيورين على الدعوة الإسلامية، فيجب إعداد أنفسهم لمثل هذه المحن والمصاعب التي تعرض لها الجيل الأول من المسلمين، فالإسلام يحتاج إلى طليعة على مستوى جيد من الإعداد والتكوين، طليعة نذرت نفسها لهذا الدين، طليعة راسخة العقيدة والإيمان ثابتة القلب والجنان، طليعة سامية الخلق عميقة الإدراك ماضية العزيمة، طليعة تعيش الإسلام بكل وجودها وتمنحه كل وجودها.

يقول سيد قطب: وانتصر (محمد بن عبد الله) يوم صنع أصحابه رضوان الله عليهم صوراً حية من إيمانه تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، يوم صاغ كل منهم قرآنا حيا يدب على الأرض، يوم جعل من كل فرد نموذجا مجسما للإسلام، يراه الناس فيرون الإسلام. إن النصوص وحدها لا تصنع شيئا، وإن المُصحف وحده لا يعمل حتى يكون رجلا، وإن المبادئ وحدها لا تعيش إلا أن تكون سلوكا، ومن ثم جعل (محمد) هدفه أن يصنع رجالا، لا أن يلقي مواعظ، وأن يبني أُمة، لا أن يقيم فلسفة. أما الفكرة ذاتها فقد تكفل بها القرآن الكريم، وكان عمل (محمد) أن يحول الفكرة المُجردة لشيء تلمسه الأيدي وتراه العيون. ولقد انتصر (محمد بن عبد الله) يوم صاغ من فكرة الإسلام شخوصا وحول إيمانهم بالإسلام عملا، وطبع من المُصحف عشرات النسخ ثم مئات ثم ألوف، لكن لم يطبعها بالمداد على صحائف من ورق، إنما طبعها بالنور على صحائف من القلوب وأطلقها تعامل الناس وتأخذ منهم وتعطي وتقول بالفعل والعمل ما هو

الإسلام الذي جاء به (محمد بن عبد الله) من عند الله. سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه قائلا: ما بال المسلمين قد اختلفوا عليك ولم يختلفوا على أبي بكر وعمر؟. قال رضي الله عنه: لأن أبا بكر وعمر كانا وليين على مثلي وأنا اليوم والي على مثلك. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له ) وقال تعالى في سورة الأنعام آية 132 ( ولكل درجات مما عملوا ) أي لكل عامل من طاعة الله أو معصيته منازل ومراتب من عمله يبلغه الله إياها، ويثيبه بها، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وقال تعالى في سورة البقرة آية 148 ( لكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ) فلكل أمة من الأمم قبلة أو جهة يتوجهون إليها حسية كانت أو معنوية، فتسابقوا أنتم أيها المؤمنون إلى فعل الخيرات التي أمرتم بفعلها وسيجمعكم الله يوم القيامة من أي مكان كنتم فيه ليجازيكم على عملكم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.