منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“لا تزهد في معروف، فإن الدهر ذو صروف”

"لا تزهد في معروف، فإن الدهر ذو صروف"

0

“لا تزهد في معروف، فإن الدهر ذو صروف”

يحكى أن رجلا كان دائم التّرحال والتجوال، يحب مساعدة الصديق والغريب، والبعيد و القريب، ولا يتوانى عن تقديم المعروف في كل حال من الأحوال. في يوم من الأيام، ساقته الأقدار إلى بلاد بعيدة، أهلُها لا يُقرون الضيف، ولا يستلّون السيف، وكان لسانهم ليس بلغة أو كلام، وإنما إشارات بالسبابة والإبهام. وجد الرجل نفسه غريبا وحيدا وسط هؤلاء القوم، وأخذت نفسه بالمعاتبة له واللوم، فالمؤونة كادت منه  أن تنفد، وحتى لغة القوم كان من المستحيل له تعلمها لينجو بحياته ويُنقذ. وبينما هو يتجول في أحياء القرية، قدم نحوه أحد الصبية، فقال له مخاطبا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي، هلاّ سمحت لي أن أصطحبك عند شيخي أبي عطية؟ فإنه يجيد اللغة العربية. وافق الرجل في الحال، وَ من شدة فرحه ودهشته هرول دون جدال، ولمّا وصلا إلى البيت المنشود، والشيخ المقصود، استقبلهما رجل عجوز هزيل البنية، أبيض الشعر، كثيف اللحية، ثيابه مختلفة عمّا كان يرتديه القوم، وفي يده اليمنى يحمل كتابا متوسط الحجم. ألقى الرجل التحية على الشيخ أبي عطية، فردّ الشيخ السلام، ورحّب به ضيفا عنده كما يفعل الكرام. وعندما جلسا إلى مائدة الطعام، أخذ العجوز ينظر بتمعّن في وجه الرجل، وفجأة صاح مندهشا : أنت لا تتذكر هذا العجوز الماثل أمامك!؟ أجابه الرجل بتلعثم: عذرا سيدي لقد غاب عني الوعي و الفهم، بسبب عناء السفر و قلّة النوم. ابتسم الشيخ قائلا: للّه ذرّك يا صانع المعروفِ حيث تمضي تزرع فسيلة، دون أن تدرك أنها ستغدو يوما ما شجرة أصيلة. أنا يا ولدي كنت ذات يوم على وشك الهلاك في صحراء قاحلة، بعد أن فقدت الأهل والراحلة. فإذا  بشاب اسمه صفوان، كأنه ملك أنعم الرحمان به علي في ذلك المكان؛ أنقذ حياتي وأنجدني، و أخذني معه على راحلته إلى أن بلغنا بلاد الشام، فأمّنني على حياتي، وأموالٍ كانت بحوزتي. أتدري من هو ذلك الشاب؟ إنه أنت. عرفتُك بهيئتك المتواضعة رغم قوتك، وبندبة الجرح على وجنتك.
هتف الرجل فرحا: سبحان الله!  لقد مضت عشر سنوات، فرّقتنا فيها السّبل والرّحلات.
تعانق الرجلان تعانُق الخلان، وأكرم العجوز صديقه صفوان، وأخبره أنهما منذ افترقا عاهد نفسه على صنع معروف يتقنه عرفانا وشكرا، فقرّر تعليم اللغة العربية و القرآن الكريم، ثمّ إنّه قبل بضعة أشهر طرحته النّوى مطارحها حتى وجد نفسه عند هؤلاء القوم، فبدأ بتعليم أبنائهم لإخراجهم من ظلمات الوهم إلى أنوار الفهم.
وقد صدق من قال :” لا تزهد في معروف، فإن الدّهر ذو صروف”.
حكايتنا انتهت أيها الأحباب الكرام، وخير ختام لا يكون إلا بالصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الخلق و الأنام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.