منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

تعريف السياسة الشرعية

تعريف السياسة الشرعية

0

تعريف السياسة الشرعية

تقديم

السياسة الشرعية فرع من فروع العلوم الشرعية، أفردها جماعة من العلماء بالتصنيف في القديم -على قلته مقارنة بأبواب الفقه الأخرى- والحديث، وتناثرت  مباحثه أو مسائله في ثنايا كتب التفسير والفقه والتاريخ وشروح الحديث، ولها أثر بالغ في حفظ مصالح الفرد والجماعة في الدنيا والأخرى؛ ولابن القيم كلام نفيس يجمل فيه فائدتها وحساسيتها حيث يقول:  “وهذا موضع مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وهو مقام ضنك، ومعترك صعب، فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرءوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها، وسدوا على نفوسهم طرقا صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها… وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلتا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه. فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات؛ فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه.[1]

 

أولا: التعريف اللغوي والاصطلاحي لمفردات “السياسة” و”الشرعية”

  • تعريف السياسة لغة

جاء في تاج العروس: سست الرعية سياسة أمرتها ونهيتها، وساس الأمر: قام به، وفلان مُجَرَّبٌ، قد ساسَ وسِيسَ عَلَيْه، أَي أَدَّبَ، وأُدِّبَ.[2]

وفي الصحاح: سست الرعية سياسة، وسوس الرجل أمور الناس…أي أُمِّرَ وأُمِّرَ عليه.[3]

وفي اللسان: والسِّياسةُ: القيامُ عَلَى الشَّيْءِ بِمَا يُصْلِحه، والسياسةُ: فِعْلُ السَّائِسِ، يُقَالُ: هُوَ يَسُوسُ الدوابَّ إِذا قَامَ عَلَيْهَا وراضَها، وَالْوَالِي يَسُوسُ رَعِيَّتَه.[4]

وجاء في الحديث النبوي الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لاَ نَبِيَّ بَعْدِي»،[5] قال النووي أي: “يتولون أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية والسياسة القيام على الشيء بما يصلحه”.[6]

  • تعريف الشرعية لغة واصطلاحا
  • تعريف الشرعية لغة

قال ابن فارس: الشِّينُ وَالرَّاءُ وَالْعَيْنُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ شَيْءٌ يُفْتَحُ فِي امْتِدَادٍ يَكُونُ فِيهِ، مِنْ ذَلِكَ الشَّرِيعَةُ، وَهِيَ مَوْرِدُ الشَّارِبَةِ الْمَاءَ، وَاشْتُقَّ مِنْ ذَلِكَ الشِّرْعَةُ فِي الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ[7].

والشريعة: هي الطريقة الواضحة والمنهج القويم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ الجاثية: 18، أي على دينٍ ومِلّة ومنهاج.[8]

  • تعريف الشرعية اصطلاحا

الشريعة: هي ما شرعه الله للخلق من أحكام.[9]

وقيل إنها: اسم للأحكام الجزئية التي يتهذب بها المكلف في الدارين، سواء كانت منصوصة من الشارع أو عائدة إليه.[10]

وحسب الموسوعة الكويتية فالشريعة هي “ما نزل به الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام في الكتاب أو السنة مما يتعلق بالعقائد أو الوجدانيات وأفعال المكلفين قطعيا كان ظنيا”.[11]

ثانيا: تعريف السياسة الشرعية عند المتقدمين

اختلف العلماء المتقدمون في تعريف مصطلح السياسة الشرعية، وتحديد مجالها فمنهم من وسع ومنهم من ضيق، وقد درجوا في غالبيتهم على استعمال لفظ السياسة مقرونا بلفظ الشرعية، وحتى من وردت عندهم منفردة فإنهم يقصدون بها نفس المعنى المراد منها مع صفتها الشرعية، ويمكن تقسيم تعاريفهم إلى ثلاثة اتجاهات:

  • اتجاه التعميم المطلق

ذهب فيه أصحابه مذهب التعميم المطلق في تعريفاتهم، بحيث جعلوها شاملة لكل أحكام الدين، سواء ما تعلق بأمور الدولة أو بغيرها، ومن العلماء الذين سلكوا هذا المسلك في التعريف الإمام الغزالي حيث اعتبر السياسة هي “الوسائل في استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة”.[12]

وقد أورد ابن عابدين هذا التعريف وعلق عليه بقوله: “وهذا تعريف للسياسة العامة الصادقة على جميع ما شرعه الله تعالى لعباده من الأحكام الشرعية، وتستعمل أخص من ذلك مما فيه زجر وتأديب ولو بالقتل”.[13]

  • اتجاه التعميم النسبي

سلك أصحابه مسلك التعميم النسبي، حيث جعلوا السياسة الشرعية في المجال المتعلق بتدبير شؤون الدولة من قبل الإمام في مختلف قطاعات الحياة، واعتبروا كل ما يقوم به الإمام بناء على ما يراه من مصلحة هو من قبيل السياسة الشرعية.

ومن هؤلاء العلماء ابن عقيل الحنبلي الذي عرفها ب “السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي”.[14]

وكذلك عرفها ابن نجيم بـ “ما كان من الأفعال، بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يصنعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي”.[15]

وهذه الأحكام التي سماها البعض السياسة الشرعية هناك من أطلق عليها “الأحكام السلطانية” مثل الماوردي وأبي يعلى.

  • اتجاه الحصر في القضاء والعقوبات

هذا الاتجاه سلك أصحابه التخصيص في مفهوم السياسة الشرعية حيث حصروها فقط في دائرة القضاء أو في دائرة العقوبات والقانون الجنائي بلغة العصر.

فنجد الطرابلسي عرفها بأنها “شرع مغلظ”.[16]

وقال ابن عابدين: “والظاهر أن السياسة والتعزير مترادفان”.[17]

وعرفها ابن فودي بقوله: “هي رعي مصالح العباد ودرء المفاسد بالكشف عن المظالم، بآداب تبين الحق، كالحكم بالقرائن من غير إقرار ولا بينة، وأخذ أهل الشر بالتهم وبتهديد الخصم”.[18]

ثالثا: تعريف السياسة الشرعية عند المتأخرين

لقد تميز مصطلح السياسة الشرعية عند العلماء المعاصرين باعتباره علما قائما بذاته كغيره من علوم الشريعة، مما جعل تعاريفهم أكثر ضبطا من تعاريف الأقدمين، فقد عرفها عبد الوهاب خلاف بأنها “تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية، بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار، مما لا يتعدى حدود الشريعة وأصولها الكلية، وإن لم يتفق وأقوال المجتهدين”.[19]

وقريب من هذا التعريف ما أورده عبد الرحمن التاج حيث قال: “الأحكام التي تنظم بها مرافق الدولة، وتدبر شؤون الأمة، مع مراعاة أن تكون متفقة مع روح الشريعة، نازلة على أصولها الكلية، وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين”.[20]

وعرفت كذلك ب “تدبير شؤون الدولة الإسلامية التي لم يرد فيها نص، أو التي من شأنها أن تتغير تتبدل بما فيه مصلحة الأمة ويتفق مع روح الشريعة وأصولها العامة”.[21]

ومن خلال هذه التعاريف يمكن إجمال تعريف السياسة الشرعية في “رعاية أمور الأمة بما يصلحها”.

 

[1] الطرق الحكمية، ص13/14.

[2]تاج العروس في جواهر القاموس، محمد مرتضى الزبيدي، تحقيق عبد الكريم العزباوي، الكويت، ط1: 1422ه/2001م، 16/157.

[3] الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، أبو نصر إسماعيل الجوهري، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين: بيروت، ط4: 1990م، ص939.

[4] لسان العرب، أو الفضل جمال الدين بن منظور، دار صادر: بيروت، ط3: 1414ه، 6/108.

[5] صحيح البخاري، البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، ط1: 1422ه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، رقم: 3455، 4/169. وصحيح مسلم، مسلم، تحقيق فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي: بيروت، ط1، كتاب الإمارة، باب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، رقم 1842، 3/1471.

[6] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، أبو زكريا النووي، دار إحياء التراث العربي: بيروت، ط2: 1392ه، 12/231.

[7] معجم مقاييس اللغة، أبو الحسين ابن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر: بيروت، ط1979م، باب شرع، 3/262.

[8] تهذيب اللغة، أبو أيوب الأزهري، تحقيق: محمد عوض مرعب، دار إحياء التراث العربي: بيروت، ط1 : 2001م، 1/271.

[9] الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، أبو يحيى الأنصاري، تحقيق مازن المبارك، دار الفكر المعاصر: بيروت، ط1: 1990، 1/70.

[10] الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية، أبو البقاء الكفوي، تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة: بيروت، فصل الشين، ص524.

[11] الموسوعة الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مطابع دار الصفوة: الكويت، ط1: 1412ه/1992م، 32/194.

[12] إحياء علوم الدين، أبو حامد الغزالي، دار المنهاج: جدة، ط1: 1432ه/2011م، 1/5.

[13] رد المحتار على الدر المختار، ابن عابدين، دار الفكر: بيروت، ط2: 1412ه/1992م، 4/15.

[14] عزاه ابن القيم لابن عقيل في إعلام الموقعين عن رب العالمين، دار ابن الجوزي: المملكة العربية السعودية، ط1: رجب 1423ه، 4/283.

[15] البحر الرائق شرح كنز الرقائق، ابن نجيم، ضبطه وخرج آياته وأحاديثه: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية: بيروت، ط1: 1418ه/1987م، 5/11.

[16] معين الأحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، أبو الحسن بن خليل الطرابلسي، دار الفكر، د ط، دت، ص169.

[17] رد المحتار على الدر المختار، ابن عابدين، 4/15.

[18] ضياء السياسات وفتاوى النوازل مما هو من فروع الدين من المسائل، عبد الله بن فودي، تحقيق وتقديم: أحمد ركاني، دار الزهراء للعالم العربي: القاهرة، ط: 1408ه، ص75.

[19] السياسة الشرعية أو نظام الدولة الإسلامية، عبد الوهاب خلاف، المكتبة السلفية: القاهرة، ص14.

[20] السياسة الشرعية والفقه الإسلامي، عبد الرحمن تاج، ترجمة وتحقيق: محمد عمارة، دار السلام للطباعة والنشر: القاهرة، طبعة 2014م، ص23/24.

[21] المدخل إلى السياسة الشرعية، عطوة عبد العال، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: الرياض، ط1: 1414ه/1994م، ص56.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.