فيما أظهره الله عليه من المعجزات الدالة على صدق نبوته(16) منحة المولى
د. نبيلة الوزاني الثهامي
فيما أظهره الله عليه من المعجزات الدالة على صدق نبوته(16) منحة المولى
د. نبيلة الوزاني الثهامي
من منن الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم أن أحاطه بالعناية والتأييد، فخصه بكرامات ومعجزات شاهدات على صدق رسالته، وفيها من التلطف والانتصار على أعدائه ما يثلج صدره ويزيد المؤمنين إيمانا ويقينا.
فقد أيّد الله سبحانه وتعالى نبيه محمد ﷺ بآيات باهرات ومعجزات ظاهرات، شهد بها الناس في حياته، وحُفظت لنا في أصح المصادر، وهي دلائل ناطقة بصدق رسالته وعظيم مكانته عند ربه.
القرآن الكريم: المعجزة الخالدة
أعظم ما أُعطي رسول الله ﷺ هو القرآن الكريم، الذي تحدّى الله به الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا، وبقيت معجزته خالدة على مر العصور:
( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) -1
انشقاق القمر
من المعجزات العظيمة ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
” أن أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فأرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ مَرَّتَيْنِ”. -2
نبع الماء من بين أصابعه ﷺ
خرج الماء من بين أصابع النبي ﷺ كالعين الجارية، كما ذكر أنس رضي الله عنه:
رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأُتي رسول الله ﷺ بوضوء فوضع يده في الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه حتى توضؤوا عن آخرهم.” -3
تكثير الطعام القليل
ومن بركاته ﷺ:
وفي حديث طويل أن أبا طلحة وزوجه أم سليم دعوا رسول الله ﷺ إلى طعام، وجاء عليه السلام ومن كان معه من الناس، وليس عندهم ما يكفيهم من الطعام… فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هَلُمِّي يا أُمَّ سُلَيْمٍ ما عِنْدَكِ، فأتَتْ بالخُبْزِ، فأمر رسول الله ﷺ بذلك فَفُتَّ، وعصرت أم سليم عُكَّةً لهَا فأدَمَتْهُ، ثم قال فيه رسول الله ﷺ ما شاء الله أنْ يقول، ثم قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا… والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً.” -4
حنين جذع النخلة
عن جابر رضي الله عنه:
كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع نخلة، فقالت امرأة من الأنصار وكان لها غلام نجار: يا رسول الله إن لي غلامًا نجارًا، أفآمره أن يتخذ لك منبرًا تخطب عليه؟ قال: بلى. فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال الجذع الذي كان يقوم عليه كما يئن الصبي: فقال النبي ﷺ: إن هذا بكى لما فقد من الذكر.” -5
تسبيح الطعام في يده الشريفة ﷺ:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
لقد كنا نأكل الطعام مع النبي ﷺ ونحن نسمع تسبيح الطعام. فجاء النبي ﷺ بإناء فوضع يده فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، وقال: حيّ على الوضوء المبارك، والبركة من السماء حتى توضأنا كلنا.” -6
إخباره بالغيب
من معجزاته أيضًا إخباره عن أمور مستقبلية وقعت كما أخبر، مثل قوله في حق عمار بن ياسر رضي الله عنه:
ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.” -7
شهادة الجمادات والحيوانات له ﷺ
شهد له الحجر بالسلام قبل البعثة، كما قال ﷺ:
إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم علي قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن.” -8
كما شهدت له الشاة المسمومة حين أخبرته بما فيها:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها، فقيل: ألا نقتلها؟ قال: لا.” -9
وجاء في غير مسلم أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ” إن الذراع تخبرني أنها مسمومة ” -10
قال الحافظ ابن حجر: “.. وفي الحديث تكليم الجماد له ” صلوات ربي وسلامه عليه. -11
حفظ الله تعالى له من أعدائه
حماه الله من كيد أعدائه مرارًا، ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنه:
غزا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاه. فنزل رسول الله ﷺ وتفرّق الناس يستظلّون بالشجر، فنزل رسول الله ﷺ تحت سمرة وعَلَّق بهَا سيفه، ونمنا نومة، فإذا رسول الله ﷺ يدعونَا، وإذا عنده أعرابي قال: إن هذا اخترط علىَّ سيفي، وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت: الله، ثلاثًا، ولم يُعاقبه وجلَس.” -12
خاتمة
هذه المعجزات النبوية العظيمة، الثابتة في الصحيحين، تشهد بأن محمد ﷺ رسول الله حقًا، مؤيد من ربه، وأن دعوته لم تكن نتاج اجتهاد بشري، وإنما وحي من عند الله عز وجل. ولا تزال هذه الآيات شاهدة للمتأملين، ومصدرًا لليقين في قلوب المؤمنين، ودليلاً على صدق قوله تعالى:
* ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4].
قائمة المصادر والمراجع:
1- سورة الإسراء: الآية 88.
2- صحيح مسلم، رقم (2008)، صحيح البخاري، رقم (3637).
3- صحيح البخاري، رقم (3573)، وصحيح مسلم، رقم (2279).
4- صحيح البخاري، رقم (6686)، وصحيح مسلم، رقم (2040).
5- مسند الإمام أحمد، رقم (1420)، وصحيح البخاري، رقم (918) بمعناه.
6- سنن الترمذي، رقم (3633)، سنن النسائي، رقم (77)، صحيح البخاري، رقم (3579).
7- صحيح البخاري، رقم (447)، وصحيح مسلم، رقم (2915).
8 – صحيح مسلم، رقم (2277).
9 – صحيح مسلم، رقم (2190)، صحيح البخاري، رقم (2612) ومسند الإمام أحمد، رقم (13285) باختلاف يسير.
10- السيرة النبوية لابن هشام، ج2، ص 338
11- فتح الباري لابن حجر، ج10، ص256.
12- صحيح البخاري، رقم (2910)، وصحيح مسلم، رقم (843).
13- سورة النجم: الآيتان 3 ـ 4