منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

في بيته صلى الله عليه وسلم

في بيته صلى الله عليه وسلم/ الأستاذة زهرة سليمان أوشن

0

في بيته صلى الله عليه وسلم

بقلم: الأستاذة زهرة سليمان أوشن

 

( كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الدهر ).

تلك كانت كلمات أمنا خديجة بنت خويلد رضي الله عنها لحبيب الرحمن صلوات ربي وسلامه عليه، عندما جاءها يرجف من الغار قائلا زملوني تدثروني، بعد أن تلقي الآيات الأولى من الوحي، فطمأنته وهدأت روعه وطيبت خاطره بهذه الكلمات.

تلك شهادة خديجة في زوجها بعد مضي خمسة عشرة عاما معه، فأي بيت كان ذلك البيت الرائع وأي معاملة تلقت خديجة من رفيق دربها لتوسمه بهذه الكلمات الطيبات ؟؟؟

ولكن ليس لنا أن نعجب أو نستغرب أو نستكثر، فهو الحبيب المصطفى، القدوة والأسوة، يكفيه أنه تلقى شهادة من ربه ومولاه مفادها: ( وإنك لعلى خلق عظيم ) سورة القلم 4.

لقد كان في بيته الزوج الودود والأب الرحيم والأخ الكريم والرفيق الرقيق، والصاحب الوفي.

في بيته عند بعثته كان يعيش معه زوجه خديجة وأولادهما وولده بالتبني حينذاك زيد بن ثابت رضي الله عنه، الذي اختاره على والده وعمه عندما جاءا يبحثان عنه فترك له محمد صلى الله عليه وسلم الخيار، فاختار بيت رسول الله على بيت والديه وفضل الرفقة والحياة مع الحبيب على المعيشة مع أهله، ولك ولنا جميعا أن نتخيل ونرفع سقف توقعنا لروعة الخلق ورقة المعاملة التي تجعل شخصا ما يتنازل عن قومه وأهله ليبقى بجوار شخص غريب عنه، فأي أخ وأب وحبيب وطبيب وعظيم وجدت يا سيدنا زيدا لتؤثر محمدا عن العالمين؟

وفي بيت محمد كان هناك علي رضى الله عنه ابن عمه وزوج ابنته مستقبلا, وما مقامه في بيته وانضمامه إلى هذه الأسرة المباركة إلا علامة من علامات الوفاء ورد الجميل لعمه الذي أواه ورعاه لما كان صغيرا، فلما وسع الله عليه بعد زواجه من خديجة ضم عليا إلى أسرته ليخفف عن عمه بعض التكاليف وقد كثر بنوه وقلة أرزاقه، ولك أن ترى عليا المحب المضحي من أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم لتتوقع أي رعاية واهتمام وأي حدب وعطف حظي به في هذا الببت النور.

في بيته ولا أجمل من بيته ونعمة من الله أننا مسموح لنا أن ندخل بيته لنهنأ بالراحة في جنباته ونشنف أسماعنا بعذب كلامه وتقر أعيننا بطيب معشره وحسن تعامله.

والفرصة ولله الحمد سانحة والأمر متاح عبر قراءة سيرته وجولة في مسيرته الوضاءة التي لم يخف علينا منها شيء، فلعلنا ندخلها ونسعد بجواره وحواره وجماله خصاله، وهو الكريم بأبي هو وأمي، ونكون جميعا في معيته نتعلم من صحبته وننعم بأنوار رفقته.
وها نحن ذي نرصد بعين الفخر ونرسم المشاهد بمداد الحب لمواقف في بيته في هذه الأسطر محاولين أن نعبر بها إلى قرب يعلو بنا إلى مقامه السامق وموقعه الرفيع

تذكر عائشة- رضي الله عنه- وفاء النبي صلوات ربي عليه لخديجة بعد وفاتها، فتقول: ما غرت على أحد من نساء النبي غيرتي على خديجة، وما رأيتها، ولكن كان النبي يكثر من ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة؟ فيقول: (( إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد))

ويظهر البشاشة والسرور لأخت خديجة، لما استأذنت عليه لتذكره خديجة، قالت عايشة: (استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة، فارتاح لذلك، فقال: اللهم هالة بنت خويلد، فغرت، فقلت: وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرا منها قالت، فغضب ثم قال: والله ما أبدلني الله خيرا منها آمنت بي إذ كفر الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ منعني الناس ورزقني الله منها الولد دون غيرها، قالت عائشة فقلت في نفسي لا أذكرها بعدها أبدا ).

وها هي عائشة تسأل عن ماذا يصنع رسول الله في بيته فتقول: كان يكون في مهنة أهله، أي خدمة أهله فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة

وتقول: كان رسول الله يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته.

و كان يدلل أزواجه، فها هو ينادي عائشة: ياعائش ويناديها: يا حميراء، والحميراء تصغير حمراء يراد بها المراة البيضاء المشربة بحمرة في وجهها.

ولا يستنكف أن يعلن حبه لزوجاته، يقول عن خديجة: رزقت حبها وعندما سأله عمرو بن العاص أي الناس أحب إليك يا رسول الله، قال: عائشة

ويدخل السرورعليهن فقد كان يسابق السيدة عائشة ويتركها تسبقه ثم يسابقها مرة أخرى فيسبقها ويقول ضاحكا هذه بتلك.
وتحكي أنها رضي الله عنها كانت تغتسل مع رسول الله في إناء واحد فيبادرها وتبادره حتى يقول لها دعي لي وتقول له دع لي .

ومن الأفعال التي كان يظهر بها حبه لزوجاته أنه كان يشرب من موضع شرابهن، تقول عائشة كنت أشرب فأناوله النبي فيضع فاه على موضع في وأتعرق العرق فيضع فاه على موضع في، أي يأكل ما بقي من لحم تركته السيدة عائشة على العظم.

ويدخل عليهن السرور، فعن عائشة قالت: زارتنا سودة يوما فجلس رسول الله بيني وبينها إحدى رجليه في حجري والأخرى في حجرها، فعملت حريرة فقلت: كلي، فأبت فقلت: لتأكلي، أو لألطخن وجهك، فأبت فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهها، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجله من حجرها لتستقيد مني، فأخذت من القصعة شيئا فلطخت به وجهي،ورسول الله يضحك.

ويلتمس لهن الأعذار ويراعي غيرتهن، فقد روي أن زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها أهدت للنبي عليه السلام طبقا من طعام وهو في بيت عائشة رضي الله عنها، وحينما رأت عائشة ذلك ضربت بيدها الطبق فتكسر نصفين وتناثر الطعام في غرفتها، فلم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على أن تبسم قائلا: غارت أمكم.

ويستمع إلى مشورتهن فقد استمع إلى مشورة زوجه أم سلمة رضي الله عنها في صلح الحديبية، حينما أشارت عليه أن يحلق رأسه ويذبح هديه ويتحلل من إحرامه حتى يراه المسلمون فيفعلون مثله، حيث أصابهم الهم والغم يؤمئذ من تعنت كفار قريش وشدة شروطهم مع رغبتهم في دخول المسجد الحرام ما جعلهم يترددون في التحلل من إحرامهم.

وهذا مشهد يظهر جمال ذوقه ورقته صلوات ربي عليه، فعن أنس رضي الله عنه قال:خرجنا إلى المدينة قادمين من خيبر فرأيت النبي يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رجلهاعلى ركبته حتى تركب البعير ).

وها هي صفية مع رسول الله في سفر وكان ذلك يومها فأبطت في المسير فاستقبلها رسول الله وهي تبكي وتقول حملتني على بعير بطيء فجعل رسول الله يمسح بيديه عينيها ويسكتها.

وعن رفقه بهن يحدثنا أنس -رضي الله عنه -أن النبي كان في سفر وكان هناك غلام اسمه انجشة يحدو بهن أي ببعض أمهات المؤمنين فسارت بهن الأبل بسرعة كبيرة، فقال النبي: رويك يا أنجشة سوقك بالقوارير.

أما حبه لفاطمة ابنته فلعلنا نلخصه بمشهد استقبالها فقد كان إذا دخلت فاطمة قام من مجلسه وأمسك بيدها وقبلها ثم أجلسها في مجلسه، وهي تفعل كذلك معه إذ قدم عليها.

وحدث وأكثرعن حبه لأحفاده خاصة الحسن والحسين، ويكفي أن نذكر أن كتب السير تروي أنه بينما رسول الله على المنبر يخطب إذ أقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل وحملهما، ثم قال صدق الله: (إنما أموالكم وأولاكم فتنة )، رأيت هذين يمشيان ويعثران في قميصهما فلم أصبر حتى نزلت فحملتهما.

وها هو أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم يروي لنا جانبا من معاملة رسول الله له فيقول: ( والذي بعثه بالحق ما قال لي في شيء كرهه لم فعلته ولا لامني نساؤه إلا قال لهم: دعوه إنما كان هذا بكتاب وقدر، وما قال لشئ صنعته لم صنعته ؟ ولا لشئ تركته لم تركته؟
ويقول خدمته صلى الله عليه وسلم عشر سنين فوالله ما صحبته في حضر ولا سفر لأخدمه إلا كانت خدمته لي أكثر من خدمتي له.

وفي الختام نقول صدق حبيبنا القائل:( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.