في التذكير بأهمية البحث العلمي
د. أحمد الفراك
مقدمة: في أهمية البحث العلمي
نعرِف جميعا أن البحث العلمي بوصفه خطَّة منظمة في تجميع واستقصاء المعارف والمعلومات وفحصها وتحليلها وإعادة تركيبها، سعيا لاكتشاف الحقيقة أو إنشائها وتوزيعها، أو مراجعتها وتقويمها، وتمرينا ذهنيا يُسهم في إنتاج الأفكار والأشياء التي تستجيب للحاجيات البشرية وما يرتبط بها من آليات وأجهزة تيسر حياة الناس وتوفر لهم الرخاء، له أهمية أكبرى في تقدم العلوم والمعارف والتقنيات. وهذا أساسٌ في تقدم ونهضة الأمم وتحسين أنماط حياة الشعوب على جميع المستويات، وخاصة في الأزمنة المعاصرة التي أضحى العلم فيها روح العصر[1]، ومن أجل ذلك تُخصص الدول القوية قسطا كبيرا من ميزانياتها لمؤسسات البحث العلمي (مراكز ومعاهد وجامعات وغيرها) تأسيسا وتشجيعا ودعما وتوجيها ومتابعة، وما توليه من عناية ورعاية للإنتاج والإبداع في مختلف القضايا العلمية؛ في الدين والتقنية والكون والإنسان والعمران.
بالعلم تنهض الحضارات وبه تُحارَب الأمم، وقد نستفيد في هذا الباب من حرص الإدارة الأمريكية على إبادة آلاف العلماء في العراق، واعتبارهم أخطر من الأسلحة الحربية، ولذلك دعا حينها مارك كلايتون مفتشي الأسلحة الدولية: “ألا يكتفوا بالبحث عن أسلحة الدمار الشامل فقط، ولكن عليهم محاولة إيجاد الأشخاص الذين يعرفون كيف يصنعونها”[2]، و”أدَّت فرق الموت التابعة للموساد الإسرائيلي دورًا مهما في عمليات الاغتيال التي نالت من العلماء العراقيين، في محاولة لمنع دولة الاحتلال امتلاك العرب للطاقة النووية، وبرز هذا الدور بشكل كبير في فترة الاحتلال الأمريكي للعراق، إذ إنه بعد فشل الولايات المتحدة في إقناع علماء الذرة والبيولوجيا العراقيين للتعاون معها والعمل في خدمتها، تحركت عناصر الموساد لتصفية هؤلاء. ورصدت دولة الاحتلال أجهزة ومعدات ومتخصصين وأموالا، بينما زودتها أجهزة الأمن الأميركية بسِير حياة كاملة للعلماء العراقيين والأكاديميين من أجل تسهيل عملية قتلهم.
وكشف تقرير صدر عن مركز المعلومات الأميركي (2005) أن الموساد قام باغتيال 530 عالما عراقيا وأكثر من 200 أستاذ جامعي وشخصيات أكاديمية ما بين 2003 و2006، وتشير معلومات إلى أن “الموساد” جند 2400 عنصر، إضافة إلى وحدة نخبة سرية تتضمن أكثر من 200 عنصر مؤهل من قوات البشمركة من أجل الإجهاز على العلماء وتصفيتهم. وتذكر دراسة للأستاذ إسماعيل جليلي بعنوان “محنة الأكاديميين العراقيين”، قُدّمت إلى مؤتمر مدريد الدولي في نيسان 2006، أن “الموساد” الإسرائيلي شنّ 307 اعتداء على الأكاديميين والأطباء، وتمكن من اغتيال 74 % منهم.”[3] فهي حربٌ على العلم والمعرفة والإبداع.
مكابدة البحث العلمي جهادٌ مستأنف
احترافُ البحث العلمي بصدقٍ ومداومة هو لأهل الطلب والسؤال والاستقصاء، المرابطين في ثغور العلم والمعرفة، لمن له قضية استراتيجية تُهِمُّه وتشغل ذهنه وتقُضُّ مَضجعه، وبذلك فهو اجتهادٌ وجهادٌ متواصل يبذله الباحث في حقول التعلم والتدريب وفي حل إشكالات العلم ومشكلات الحياة. ولا شك أن تعلُّم العلم وتعليمه جهادٌ مستمر ومثمر في كل حين، وإنَّ من العلم والتعليم لجهادا من أعلى مقامات الجهاد،ففي الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَن جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخيرٍ يتعلمُّه أو يُعلِّمُّه فهو في منزلة المجاهدين في سبيل الله، ومن جاءه لغير ذلك فهو بمنزلةِ الرجلِ ينظر إلى متاع غيره”[4]، فما يزال الباحث يتعلم ويتحرَّى العلم النافع وهو في سلك المجاهدين بالكلمة والحُجة، حتى يُكتب عند الله مجاهدا. وإلا فهو يتفرَّج.
في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِين}(التحريم:9)، قال ابن قيم الجوزية: “الجِهَادُ بِالحجَّةِ وَالبَيَان، وَهَذَا جِهَاد الْخَاصَّة من أتباع الرُّسُل، وَهُوَ جِهَاد الأئمة، وَهُوَ أفضل الجهادين؛ لعظم منفعَته، وَشدَّة مُؤْنَته، وَكَثْرَة أعدائه… وَالْمَقْصُود أن سَبِيل الله هِيَ الْجِهَاد، وَطلب الْعلم، ودعوة الْخلق بِهِ إلى الله؛ ولهذا قال معاذ رضي الله عَنهُ: عَلَيْكُم بِطَلَب الْعلم؛ فَإِن تعلمه لله خشيَة، ومدارسته عبَادَة، ومذاكرته تَسْبِيح، والبحث عَنهُ جِهَاد”[5]. فالبحث جهاد.
عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نَقيَّة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقُه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلتُ به”[6].
وفي ذلك يقول الإمام الحسن اليوسي: “إن طلب العلم والاشتغال بالتعليم نوعٌ من الجهاد، بل هو الجهاد الثاني، بل هو أهم الجهادين، وذلك أن جهاد العدو مطلوب للدفاع عن بيضة الإسلام، والعلم مطلوب لدفع الجهل عنهم، ثم إذا نظرنا وجدنا العدو تسلط على الأموال والرقاب وهي أمور دنيوية لا بد من فراقها إما بذلك أو بغيره والموعد الآخرة، ولو تسلط الجهل عياذا بالله لم تبق عقيدة صحيحة ولا إيمان ولا عمل صالح. وهذا هو الهلاك الذي يستمر إلى الآخرة”[7]. ولا حاجة لسرد النصوص الكثيرة الدالة على رفعة العلم وفضل التعلم والتعليم والتدريب.
- في ديوان الخالدين
في الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن مما يلحق المؤمن مِن عمله وحسناته بعد موته، علماً علمه ونشره”[8]، تلقى العلم وبذله في الناس، ونجد عند الإنجليز مثلا يقول: “انشُرْ أو اندثر” (Publish or Perish)، وكأنك تكتب وتنشر مكتوبك لتخلد، وعليه فالذي لا يكتب لا يخلد. وبانتشار العلم ينتشر ذكر صاحبه وتلك حياةٌ له.
والنشر بقواعده وضوابطه ومقاصده هو أشهر مقياسٍ لقدرة الباحث على الإسهام في تقدم الإنتاج العلمي لوطنه وأمته، ولأهمية الكتابة اعتبرها عبد الرحمن ابن خلدون من معالم العمران البشري، أي إنها إرث حضاري للأمم، بل عدَّها “صناعة شريفة”[9]، لأنها تحمل شرف العلوم فتشرُف بشرفها، وقد أثنى العلماء قديما على الكُتَّاب “الخالدين” الذين يكابدون الكتابة بصدقٍ وعمق وتجرُّدٍ، لا الذين يتكسَّبون بأقلامهم ويريدون بها وجهَ الناس ومالَهم وما عندهم.
وفي ذلك قال الشاعر:
وما من كاتبٍ إلا ستبـقى …..كتابتـه وإن فنيت يــداه
فلا تكتب بكَفك غير شيءٍ …..يسُرك في القيامة أن تراه
ومن وصية الباجي لولديه قوله: “والعلم سبيلٌ لا يُفضي بصاحبه إلا إلى السعادة، ولا يَقصُر به عن درجة الرفعة والكرامة، قليله يَنفع، وكثيره يُعلي ويَرفع، كنزٌ يَزكو على كل حال، ويَكثُر مع الإنفاق، ولا يَغصِبه غاصِب، ولا يُخاف عليه سارق ولا محارِب، فاجتَهِد في طلبه، واستعذِب التعب في حِفظه، والسهر على درْسه، والنَّصْبَ الطويل في جمْعه، وواظِبا على تقييده وروايته، ثم انتقِلا إلى فهمه ودرايته… والعلم وِلاية لا يُعزَل عنها صاحبها، ولا يَعرى من جَمال لابِسُها، وكلّ ذي ولاية وإن جَلَّتْ، وحُرمة وإن عظمت، إذا خرَج عن ولايته أو زال عن بلدَته؛ أصبَحَ مِن جاهِه عاريا، ومن حاله عاطلا، غيرَ صاحبِ العلم، فإنَّ جاهَه يَصحَبه حيث سار، ويتقدَّمه إلى جميع الآفاق الأقطار، ويَبقى بَعدَه في سائر الأمصار”[10].
في احتراف البحث العلمي
وإذا كان البحث العلمي بهذه الأهمية القصوى فكيف نتعلمه حتى نصير به متعلمين وعارفين؟
3-1: صحبة الكُتاب والكتاب
يُتعلم البحث بصُحبة الباحثين وصحبة الكتب واكتساب التقاليد العلمية في البحث والكتابة، بالصبر والتدرج والمثابرة. فالصُّحبة لا يُستغنى عنها في طلب العلم، والمعرفة تختمر مع التكرار والدربة والمراجعة، وتجنُّب الرأي الفطير، فلا تكتُب حتى تطَّلع على ما كُتب في موضوع بحثك، وتُمعن النظر تحليلا ونقدا في الفكرة وتُدمن التفكير فيها من وجوهٍ متعددة وفي أوقات مختلفة. وتعرض أفكارك على محك تطور العلم وتقدم الخبرات وتغير الوقائع.
3-2: عدم التهيّب من الكتابة
لا تترك الكتابة خشية الوقوع في الخطأ أو خوفا من لوم الناس، فالخطأ واردٌ على الدوام، وكل بني آدم خطاؤون، واللوم واقع على كل حال، وكل يُؤخذ من كلامه ويُترك، ولو توقف الناس عن الكتابة بهذه الأعذار لما كتب أحد. قال عبد الله بن المقفع(ت142ه): “من وضع كتاباً فقد اسْتَهْدَفَ؛ فإن أجاد فقد استشرَفَ، وإن أساء فقد استُقذفَ”[11]، والكاتب يكتب ليتعلم، محاولة بعد محاولة، وقد ورد في “كشف الظنون” لحاجي خليفة (ت1068هـ) مقتطف من رسالة للقاضي الفاضل (ت596هـ) بعث بها إلى عماد الدين الأصفهاني، تقول: “إني رأيتُ أنه لا يَكتُبُ إنسانٌ كتاباً في يومه إلاَّ قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زِيد كذا لكان يُستحسَن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا مِن أعظم العِبَرِ، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جُملة البشر”[12].
3-3: محاولة بعد محاولة
نقرأ قبل أن نكتب، ونتعلم القراءة الجيدة، ونُصبر أنفسنا على معاناة المداومة عليها إلى أن تصير القراءة مُتعة وعلاجا، ونواظب على مجالسة أهل العلم والتخصص ومذاكرتهم، وبعد ذلك نكتب ونتعلم الكتابة ونُجودها بالتدرج، ولا نكتب إلا فيما يفيد وينفع، فحقول الإفادة والنفع في المعارف والعلوم لا حد لها.وفي ذلك قال الوليد الحِميَري في مقدمة كتابه “البديع في وصف الربيع”: “إن أحق الأشياء بالتأليف، وأولاها بالتصنيف؛ ما غَفَلَ عنه المؤلفون، ولم يُعْنَ به الـمُصنفون؛ مما تأنَسُ النفسُ إليه، وتلقاه بالحرص عليه”[13]، وسند الكثير من القضايا والمسائل التي غفل عنها السابقون، واستدركها المعاصرون، وبعضها ما تزال مجهولة سيكتشفها اللاحقون. والعلم دائما بجودته وبركته لا بجديده وكثرته.
ونختم بأبيات للإمام الشافعي رحمه الله في الموضوع:
تعلم فليسَ المرءُ يولدُ عالماً __ وَلَيْسَ أخو عِلْمٍ كَمَنْ هُوَ جَاهِلُ
وإنَّ كَبِير الْقَوْمِ لاَ علْمَ عِنْدَهُ __ صَغيرٌ إذا الْتَفَّتْ عَلَيهِ الْجَحَافِلُ
وإنَّ صَغيرَ القَومِ إنْ كانَ عَالِماً __ كَبيرٌ إذَا رُدَّتْ إليهِ المحَافِلُ[14]
وقال أيضا:
اصْبِر على مرِّ الجفا من مُعلمٍ __ فإنَّ رسُوبَ العلمِ في نَفَراتهِ
ومنْ لَم يذُق مرَّ التَّعلُّمِ سَاعة ً __ تجرَّعَ ذلَّ الجَهلِ طولَ حَياته[15].
والحمد لله رب العالمين
[1]– تريفيل، جيمس. لماذا العلم؟ ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، الكويت، عدد 372، ط1، 1431ه/2010م
[2] – ميرفت، عوف. “من الذي يقف وراء اغتيالات علماء العراق؟” من موقع (www.sasapost.com)، منشور يوم 25 أكتوبر، 2015، وشوهد في1 فبراير 2018م.
[3] – ميرفت، عوف. من الذي يقف وراء اغتيالات علماء العراق؟ من موقع https://www.sasapost.com/assassinations-of-iraqi-scientists/، منشور 25 أكتوبر، 2015، وشوهد في1 فبراير 2018م.
[4] – ابن ماجه، محمد بن يزيد. سنن ابن ماجة، كتاب المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، رقم 227
[5] – ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت،1/70.
[6]– البخاري، محمد بن إسماعيل. كتاب العلم، باب فضل من علِم وعلَّم، رقم 79. ومسلم، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم، رقم: 2282
[7] – اليوسي، أبو علي الحسن. رسائل أبي علي الحسن اليوسي، تحقيق فاطمة خليل القبلي، دار الثقافة، الدار البيضاء، ط1، 1981، 1/138
[8] – ابن ماجه، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، كتاب المقدمة، باب ثواب معلم الناس الخير، رقم 242
[9] – ابن خلدون، عبد الرحمن. المقدمة، تحقيق درويش الجويدي، المكتبة العصرية، بيروت، ط1، 1416ه/1996م، ص 386
[10]– الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف. النصيحة الولَدية، تحقيق إبراهيم باجس عبد المجيد، دار ابن حزم، بيروت، ط1، 1421ه/2000م، ص:22-24
[11] – المسعودي، أبو الحسن. مروج الذهب ومعادن الجوهر، تنقيح وتصحيح شارل بلا، منشورات الجامعة اللبنانية قسم الدراسات التاريخية، بيروت، ط11، 1965، 1/17
[12] – ابن قدامة، موفق الدين. روضة الناظر وجنة المناظر، مؤسسة الريان، بيروت، ط 1، 1419ه/1998م، 1/42.
[13] – الحميري، إسماعيل بن عامر. البديع في وصف الربيع، دار الآفاق الجديدة، المغرب، ط1، 1989م، ص 8.
[14] – الشافعي، محمد بن إدريس. ديوان الشافعي، تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ط2، 1405ه/1985م، ص 105
[15] – المرجع نفسه، ص 59