منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

إسهامات ابن جني في تأسيس نظرية الأدب عند العرب من خلال الخصائص

إسهامات ابن جني في تأسيس نظرية الأدب عند العرب من خلال الخصائص/ د. رشيدة مصلاحي

0

إسهامات ابن جني في تأسيس نظرية الأدب

عند العرب من خلال الخصائص

إعداد: الدكتور رشيدة مصلاحي

نشأت الدّراسات العربية بفروعها المختلفة متعلّقة بالقرآن الكريم؛ وقد شعر العلماء والأدباء منذ الصدر الأول للإسلام بحاجتهم إلى الشعر العربي، للاستفادة منه في فتح مغاليق الألفاظ والأساليب الغريبة الموجودة في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، فانكبّوا على هذا الشعر يروونه، ويدرسون أساليبه ومعانيه. ثمّ إنّ الأسئلة التي استقطبت اهتمام خصوم الإسلام تمحورت حول “إعجاز القرآن”: هل القرآن معجز بألفاظه، أم بمعانيه، أم بهما معاً؟

ونفس الإشكالية شغلت البلاغيين والمتكلّمين فضلاً عن النحاة واللغويين وعلماء أصول الفقه؛ فعاشوها بتركيز اهتمامهم على جانب آخر هو جانب المفاضلة بين اللفظ والمعنى في العملية البيانية البلاغية، ولعلّ الجاحظ هو أوّل من أخذ المبادرة في نقاش هذا الموضوع، أو على الأقلّ هو الذي أعطاه أبعاداً خاصّة[1]، وذلك حين فصل بين اللفظ والمعنى؛ إذ جعل للألفاظ جهابذة وللمعاني نقاداً، وكذلك حينما أعلى من شأن اللفظ على حساب المعنى في نصّ له مشهور يقول فيه: “المعاني مطروحة على الطريق يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي والمدني، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفي صحة الطبع وجودة السبك”[2].

وعلى الرّغم من أنّ سياق كثير من نصوص كتاب البيان والتبيين، والذي يتحدّث فيه الجاحظ عن اللفظ يدلّ على أنّه لا يقصد اللفظ المفرد بل ما ينتظم بالألفاظ من العبارات؛ فإنّ كثيراً من الدّارسين قد أخذوا عنه جانباً واحداً هو إبرازه لجانب اللفظ.

ومع يقيننا بأنّ الجاحظ لم يقصد قط إلى الحطّ من قيمة المعاني “مع ذلك يبدو أنه كان هناك من حمل تصريح الجاحظ ومن تابعه على موقفه، على محمل الميل إلى اللفظ والدّعوة إلى العناية به على حساب المعنى، والدّليل على ذلك هو صياغة عنوان الباب عند ابن جني، والقول بوجود من ادّعى على العرب العناية باللفظ دون المعنى”[3]. كلّ ذلك يغرينا ونحن نتفحّص الخصائص بأن نتحدّث عن زاوية فكر ابن جني البلاغي، أو نظره الفنّي للغة.

وجدير بالذكر أنّ كثيراً من المداخل البلاغية في الخصائص تتستّر تحت عناوين خادعة تخفي حقيقتها، وعلى سبيل المثال: يتحدّث ابن جني عن قلب التّشبيه مرّة ضمن (باب من غلبة الفروع على الأصول)[4]، ومرّة تحت (باب في مشابهة معاني الإعراب معني الشعر)[5]. كل ذلك يشجعنا ونحن نتفحص عناوين أبواب الخصائص بأن نجزم بأنّ لابن جني فكراً بلاغياً متميّزاً، ونظراً فنّياً متفرّداً للغة.

ففي الجزء الأوّل من الخصائص يتناول ابن جني إحدى المسائل البلاغية الرّئيسية، والتي ارتكزت عليها النظرية الأدبية عند العرب، وهي قضية اللفظ والمعنى ودور كلّ من العنصرين وقيمته في تكوين النص الأدبي، وذلك في الباب الذي عقده بعنوان (باب في الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها للمعاني).

وكما يلاحظ قارئ هذا الباب يحمل العنوان بذور أفكار وآراء سابقة في الموضوع، فهناك دعوى بإغفال العرب العناية بالمعنى وميلها إلى العناية باللفظ، والدّليل على ذلك هو صياغة عنوان الباب عند ابن جني؛ ثمّ إنّ الجديد في كلام ابن جني هو إزالة التناقض تماما بين العنصرين اللفظ والمعنى[6].

ويظهر لنا من خلال قراءة هذا الباب أنّ ابن جني؛ قد خاض مواجهة مع من قال إنّ من الشّعر ما قد يكون حسن اللفظ دون أن يكون تحتحه كبير فائدة في المعنى، وفي مقدّمة هؤلاء ابن قتيبة في مقدمة (الشعر والشعراء) في سياق تقسيمه الشهير للشّعر إلى أربعة أضرب هي: “ما حسن لفظه وجاد معناه”. وما حسن لفظه وحلا، فإذا أنت فتشته لم تجد هناك فائدة في المعنى”. “وما جاد معناه وقصرت ألفاظه عنه…”. “وما تأخر معناه وتأخر لفظه”[7].

لقد مثّل ابن قتيبة للضّرب الثاني –الذي حسن لفظه وحلا دون أن يكون تحته فائدة في المعنى بأبيات اختلف في نسبتها بين كثير عزة وآخرين وهي:

ولمَّا قَضَيْنا مِن مِنًى كلَّ حاجةٍ *** ومسَّح بـالأركان مَنْ هو مـاسِحُ

أخذنا بأطرافِ الأحاديـثِ بيننا  *** وسالـت بأعـناق المطيِّ الأباطِحُ

ثمّ أبدى رأيه فيها بقوله “هذه الألفاظ –كما ترى- أحسنُ شيء مخارج ومطالع ومقاطع، وإن نظرت إلى ما تحتها من المعنى وجدته: ولما قطعنا أيام منى واستلمنا الأركان وعالينا إبلنا الأنضاء، ومضى الناس لا ينتظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث وسارت المطي في الأبطح”[8]. ويمكن أن نلمح في كلام ابن قتيبة تواضع قيمة الأبيات عنده، وأنّها لا تخرج عن الضرب الذي سلكها فيه، وهو الأشعار الحسنة اللفظ القليلة الفائدة في المعنى.

وقد تابع ابنَ قتيبة كلّ من ابن طباطبا (ت322هـ)، وقدامة ابن جعفر (ت337ه)، وأبي هلال العسكري (ت395هـ)، والباقلّاني (ت403ه)ـ. وهذا أمر حقيقي تؤيّده نصوص تصريحاتهم التي تعزّز من زاوية أخرى أنّ ابن جني بموقفه المتميّز في المسألة هو الذي أفلت من تأثير ابن قتيبة؛ متّخذاً من مجموعة الأبيات الحائية التي وقف عندها النقاد الخمسة واصفين إياها بحلاوة اللفظ وتواضع المعنى؛ فقد اتخذ منها ابن جني دليله على رأيه الذي سبق إليه في القول بأنّ تميّز اللفظ هو السبيل إلى تميّز المعنى وهو الدّليل عليه[9].

وهنا يأتي ردّ ابن جني الذي يقول فيه: “هذا الموضع قد سبق إلى التعلّق به من لم ينعم النظر فيه، ولا رأى ما أراه القوم منه، وإنما ذلك لجفاء طبع الناظر وخفاء غرض الناطق. وذلك أن في قوله (كل حاجة) ما يفيد منه أهل النسيب والرقة وذوو الأهواء والمقة ما لا يفيد غيرهم ولا يشاركهم فيه من ليس منهم..”[10].

هكذا يرى ابن جني أنّ العرب لم يغفلوا شأن المعاني، وإنّما وفّوها حقّها وأولوها عنايتهم، متوسّلين إلى ذلك بالعناية باللفظ والتأنّق فيه[11]. أمّا ما يتعلّق بالأبيات الحائية التي وقفوا عليها وأجمعوا على أنّها –بعبارة ابن جني- شريفة اللفظ مشروفة المعنى، فقد رأى هو أنّ معناها لا يقلّ قيمة عن لفظها إن لم يتقدّم عليه.

هذا الموقف من جانب ابن جني ونصوصه التي حملته إلينا؛ لا يقل أهمية عن نص الجاحظ الشهير الذي حمل تصريحه بأنّ “المعاني مطروحة في الطريق…”، بل هو في تقدير أحد الباحثين المعاصرين وهو عبد الحكيم راضي –وبعيداً عن الحماسة المفضية إلى المبالغة- أهمّ من نص الجاحظ، لأنّه من ناحية أخرى يحمل التوجيه السّديد لمراد نصّ الجاحظ، ويعمل من ناحية ثالثة على تلافي بعض ما خلّفه ظاهر كلام الجاحظ من آثار لم تكن في حسبانه، ولأنّه أخيراً يمثّل اختيار عبد القاهر الجرجاني في محاولته لدحض شبهة القائلين بأنّ للفظ مزايا خاصّة ينفرد بها وتطلق عليه بعيداً عن المعنى.

ويكفي في هذا الصّدد أن نسجّل متابعة الإمام الجرجاني لابن جني في الوقوف على مجموعة الأبيات الحائية المذكورة، ثمّ نتبّع ذلك بالنّظر في نصّ ابن جني ومضاهاته بنصّ الإمام عبد القاهر.

أمّا عبارة ابن جني فهي: “ألا ترى أنه يريد بأطرافها ما يتعاطاه المحبُّون، ويتفاوضه ذوو الصبَابَة المتيَّمون؛ من التعريض، والتلويح، والإيماء دون التصريح”[12].

وأما عبارة الإمام عبد القاهر فهي:

“ثم إنه دلّ بلفظة الأطراف على الصفة التي تختصّ بها الرفاق في السفر من التصرّف في فنون القول وشجون الحديث، أو ماهو عادة المتظرّفين من الإشارة والتلويح والرمز والإيماء”.

وهكذا نلاحظ أنّ هناك صلة بين العبارتين، وهي تؤكّد لنا العلاقة القائمة بين سابق هو ابن جني(ت392هـ) بلاحق هو عبد القاهر الجرجاني(ت471هـ) في هذه القضية المحورية من قضايا النظرية الأدبية العربية –قضية اللفظ والمعنى- وهي القضية التي ظفرنا فيها بذلك الموقف الرائد الذي وقفه ابن جني من خلال الجزء الأول من الخصائص.

ويمكن القول إنّ صاحب الدلائل قد انتهج –في الغالب الأعم- نفس السبيل التي سلكها ابن جني في معالجة الكثير من الظّواهر اللغوية والقضايا البلاغية، وعرج على جوهر الأفكار التي وقف عندها صاحب الخصائص؛ مما يُثبت أنّ  الإمام الجرجاني قد وقف على الكثير من آراء ابن جني في العديد من القضايا واستمدّ منه، وهذا –في نظري- استنتاج لا يقبل الردّ. ولعلّ الدّارس الباحث –لو دقّق النظر- يجد الكثير من الأمثلة التي يمكن حملها على كيفية خاصّة من التّناص بين الرجلين؛ إذ يصدران غالباً عن أفكار متقاربة وأصول معرفية متشابهة.

وجدير بالذكر في هذا السياق أنّ ابن جني قد صرّح أنّ عناية العرب بالمعاني أقوى من عنايتها بالألفاظ. وأثبت أنّ المعنى هو المكرّم المخدوم، واللّفظ هو المبتذل الخادم. يقول ابن جني: “فإن العرب –فيما أخذناه عنها، وعرفناه من تصرف مذاهبهاـ عنايتها بمعانيها أقوى من عنايتها بألفاظها (…) أوَ لا تعلم (…) أن سبب إصلاحِها ألفاظَها، وطَرْدِها إياها على المُثُلِ والأحذِية التي قنَّنتها لها وقصرتها عليها، إنما هو لتحصين المعنى وتشريفه، والإبانة عنه وتصويره؛ ألا ترى أن استمرار رفع الفاعل، ونصب المفعول، إنما هو للفرق بين الفاعل والمفعول؛ وهذا الفرق أمر معنوي، أصلح اللفظ وقِيدَ مَقَادهُ الأوفق من أجله. فقد علم بهذا أن زينة الألفاظ وحِليتها لم يُقصد بها إلا تحصين المعاني وحياطتها. فالمعنى إذا هو المُكَرَّم المخدوم، واللفظ هو المبتذَل الخادم”[13].

وبذلك سبق ابن جني عبد القاهر الجرجاني الذي قال فيما بعد إن الألفاظ “خَدَمٌ للمعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها..”. يقول عبد القاهر الجرجاني في معرض حديثه عن صلة اللفظ بالمعنى في العربية: “لا يتصور أن تعرف للفظ موضعا من غير أن تعرف معناه، ولا أن تتوخى في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ترتيبا ونظما، وأنك تتوخى الترتيب في المعاني وتعمل الفكر هناك، فإذا تم لك ذلك أتبعتها الألفاظ وقفوت بها آثارها، وأنك إذا فرغت من ترتيب المعاني في نفسك، لم تحتج إلى أن تستأنف فِكْرًا في ترتيب الألفاظ، بل تجدها تترتب لك بحكم أنها خَدَمٌ للمعاني، وتابعة لها، ولاحقة بها، وأن العلم بمواقع المعاني في النفس، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق”[14].

ثم أضاف عبد القاهر الجرجاني أنّ ما جاء في هذا النص من العُمَدِ والأُصُول التي بها تنزاح الشّبَه عن النفس، وتنتفي الشكوك عن القلب. خصوصاً إذا مُكِّن في النفس “أن لا نَظْمَ في الكَلِم ولا ترتيبَ”، حتى يكون “اللفظ تَبَعٌ للمعنى في النظم”، و تترتب الكلم في النطق بسبب ترتب معانيها في النفس، ولو خلت من معانيها تجرّدت أصواتاً وأصداء حروف.

والجديد والمفيد معا في كلام ابن جني –كما سنرى- هو إزالة التناقض تماماً بين العنصرين –اللفظ والمعنى- يقول ابن جني: إنَّ “العرب كما تُعْنَى بألفاظها فتُصلحها وتهذِّبها وتراعيها وتلاحظ أحكامها (…) فإنّ المعاني أقوى عندها، وأكرم عليها، وأفخم قَدْرا في نفوسها. فأوّل ذلك عنايتُها بألفاظها. فإنها لمَّا كانت عُنوان معانيها وطريقا إلى إظهار أغراضها، ومراميها، أصلحوها ورتّبوها، وبالغوا في تحبيرها وتحسينها؛ ليكون ذلك أوقع لها في السمع، وأذهبَ بها في الدلالة على القصد..”[15]

وليس من شك في أن هذا التصور قد قدم الحل الأمثل لهذه المشكلة –في حالة تصور وجودها طبعا- وذلك بإزالة التنافي- أو التضاد- بين العناية باللفظ وتقدير قيمة المعنى، وهذا من شأنه أن يلغي الأثر المترتب على صيغة التفضيل للمعنى في حديث ابن جني (أقوى، أكرم، أفخم) إذ لا مكان للمفاضلة إلا عند الاضطرار إلى الاختيار أو التفضيل، وهو –طبقا لتوجه حديث ابن جني- غير مطلوب، لأننا بصدد  طرفين يعضد كل من هما الآخر، فأهمية المعنى تقتضي أن يعنى باللفظ، والعناية باللفظ هي مقتضى أهمية المعنى.

وقد مدّ ابن جني بصره إلى حركة النتاج الأدبي عموما ليسجل بعض مظاهر التطور التي طرأت على أشعار المحدثين، فهو يطالعنا برأيه في جواز الاحتجاج بكلام المولدين وأشعارهم في باب المعاني دون الألفاظ لأن المعاني –في رأيه- “يتناهبها المولدون، كما يتناهبها المتقدمون”[16]. وفي موضع آخر من الخصائص يقدم بابه (في التطوع بما لا يلزم) بقوله: “هذا أمر قد جاء في الشعر القديم والمولد جميعا مجيئا واسعا”[17]. وفي حديثه عن (الاعتراض) يسجل كثرة هذا الفن في شعر إبراهيم بن المهدي بالقياس إلى شعر غيره من المحدثين[18].

ويؤكد محمد مشبال –غير ما مرة- أن ابن جني قد نظر إلى اللغة العربية باعتبارها إبداعا؛ فهي تمتلك من الخصائص التعبيرية ما يجسد “صنعتها” و”دقتها” و”غموضها”. هذه النعوت التي تثبت أن ابن جني يسعى إلى إظهار الخصائص الفنية للغة العربية[19].

وذلك حين طالعنا برأيه المتميز في جواز الاحتجاج بكلام المولدين وأشعارهم في باب المعاني دون الألفاظ لأن المعاني –في رأيه- “يتناهبها المولدون، كما يتناهبها المتقدمون”[20]. خلافا للشائع المتواتر عن اللغويين من العزوف عن أشعار المحدثين.

وتبقى “ألفاظ اللغة وأبنيتها وأصولها لا يحتج عليها بشيء من كلام المولدين اتفاقا”. ولا يخرج عالمنا عن هذا الاتفاق. إلا أنه يمكن أن يستفاد من كلامه كذلك “صحة الاحتجاج بكلام أمثال أولئك المولدين في أبواب البلاغة برمتها من معان وبديع (…) ومن ثم فلا يغلق باب الاحتجاج فيها أو يقصر على ما ورد من شواهد البلاغة في العصور الغابرة، دون ما برع فيه الشعراء والمبدعون في العصور الحديثة”[21]. وهذه – كما ترى- مواقف تنبئ عن فكر مرن يؤمن بالتطور ويقبل بالجديد. خلافا للشائع المتواتر عن اللغويين من العزوف عن أشعار المحدثين.

ويُجمع أغلب الدّارسين المحدثين على أنّ ابن جني من أعلى علماء العربية كعباً في كلّ عصورها، وأغوصهم عامّة على أسرار العربية، وأنجحهم في الاهتداء إلى النظريات العامّة فيها. وكتابه (الخصائص) لا يزال محط إعجاب علماء العرب والغرب على السّواء[22].

“وقد سار المحدثون على جدد السالفين، فرأوا في ابن جني ما رآه من سبقوهم، واحتلَّ عندهم الموقع ذاته من الإعجاب بما ألَّف والثناء على ما كتب والاعتراف بأنه فتح في العربية مسالك لم تسلك من قبل”[23].


[1] ) الدكتور محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء- المغرب.

[2] ) الجاحظ: كتاب الحيوان، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الجاحظ، الناشر: مصطفى البابي الحلبي، الطبعة الثانية: 1965م، الجزء الثالث، ص: 366.

[3] ) الخَصَائِصُ: صنعة أبي الفتح عثمان بن جني بتحقيق علي النجار، قدّم هذه الطبعة: الدكتور عبد الحكيم راضي، سلسلة الذخائر، طبعة مصوّرة عن دار الكتب المصرية، الهيئة العامّة لقصور الثقافة، القاهرة: 2006م، ص: 9.

[4] ) الخصائص: 1/300.

[5] ) الخصائص: 1/175.

[6] ) أنظر الخصائص تقديم الدكتور عبد الحكيم راضي: 1/215-216.

[7] ) الشعر والشعراء لابن قتيبة، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار الحديث- القاهرة، طبعة 2003م، 1/70←75. لقد رأى الدّارسون أنّ اهتمام ابن قتيبة -في هذا النص- بالمعاني يفوق اهتمامه بالألفاظ. ثمّ إنّ المقصود بالمعنى عند ابن قتيبة هو المعنى الأخلاقي بدليل أنّ الأشعار التي فضّلها تحمل معاني أخلاقية، وأنّه رفض أشعاراً مثل أبيات عقبة بن كعب “ولما قضينا من منى كل حاجة…” لا لشيء إلّا لأنّها لا تحمل ذلك المعنى الأخلاقي.

وما يمكن ملاحظته هو أنّ ابن قتيبة يُصْدر أحكامه النقدية عن ذوقه الخاصّ. فاستعماله لألفاظ مثل: “حسن، وحلا، وجاد، وقصر…” دليل على أنّ أحكامه قيمية وذوقية. والذي لا ينبغي استبعاده هو أنّ ابن قتيبة قد نظر نظرة جزئية إلى اللفظ والمعنى وقد حوّلهما إلى قضية منطقية كما يؤكّد ذلك أغلب الدارسين.

وخلاصة القول إنّ ابن قتيبة قد تعامل مع اللفظ والمعنى على أنّهما شيئين مستقلّين عن بعضهما في العمل الأدبي. ممّا جعل جمالية النص الأدبي –عنده- مجرّد ألفاظ منغّمة أو معاني أخلاقية. ويجمع أغلب الدارسين أن محاولة ابن قتيبة قد ساهمت في توجيه النقد والبلاغة توجيهاً خاطئاً، وهو يتطرّق إلى قضية اللفظ والمعنى.

وقد أثار النقاد اللّاحقون هذا الموضوع متأثّرين به، فنجد قدامه بن جعفر (ت337ه) –مثلا- يفرد أبواباً لمحاسن اللفظ وأبواباً لمحاسن المعنى. وقد أثّر كذلك في السكّاكي وغيره ممن اهتم بالمحاسن والعيوب في اللفظ والمعنى وتعمّقوا في تلك التقسيمات وأكثروا منها.

[8] ) الشعر والشعراء:1/72-73.

[9] ) مقدمة الخصائص بقلم عبد الحكيم راضي، طبعة الذخائر.

[10] ) أنظر الخصائص: 1/218←220.

[11] ) انظر الخصائص: 1/217.

[12] ) انظر الخصائص: 1/220.

[13] ) انظر الخصائص: 1/150- 237- 175.

[14]) انظر دلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر الجرجاني، تحقيق: أبو فهر محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي- القاهرة، الطبعة الثانية: 1989م، ص: 53- 54.

[15] ) الخصائص: 1/215-216.

[16] ) الخصائص: 1/23.

[17] ) الخصائص: 2/334.

[18] ) الخصائص: 1/340.

[19] ) محمد مشبال: البلاغة والأصول، دراسة في أسس التفكير البلاغي العربي، نموذج ابن جني لمحمد مشبال، أفريقيا الشرق- المغرب: 2007م، ص: 49.

[20] ) الخصائص: 1/23.

[21] ) ابن جني: الخصائص، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، انظر هامش 1/79.

[22] ) انظر كتاب في أصول النحو لسعيد الأفغاني، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية: 1994م، طبعة مصورة، ص: 91.

[23] ) الفسر شرح ابن جني لديوان المتنبّي لابن جني، تحقيق: صفاء خلوصي، دار الشؤون الثقافية العامة-بغداد، الطبعة الأولى: 1988م، 1/120.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.