منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لم تعد لي جدة في المعروف

محمد أنفلوس

0
لم تعد لي جدة في المعروف
محمد أنفلوس
البارحة فقط أدركت حقيقة المثل الشعبي:” من جدته في المعروف لا يبيت بلا عشاء “.. البارحة فقط ، ماتت جدتي مما يزيد من احتمالات مبيتي بلا عشاء رغم وفرة طعام المعروف .. ولا احسب أن حكمة الأولين تختزل عشاء المعروف في لقيمات تقيك قرص الجوع و البرد والوحدة بل ربما السر أعمق من ذلك بكثير.. رحلت جدتي .. بعد كثير من الآلام، سكن الوجه الطيب الحنون وهدأ الجسد الواهن ليقبع الآن في حفرة رطبة مظلمة بباطن الأرض مسلوب الحركة، فاقد الحياة.. كنت رابط الجأش حين وضعت جثمانها في القبر بأرق طريقة ممكنة،ثم رحت أنظر حولي في فضول . همست بالدعاء فكان للهمس رنين عميق في صمت القبر..
يقطع الإنسان طريقا وعرا قبل أن يفهم حقيقته.. وحقيقة هذه الحياة التافهة التي لاتساوي عند الله جناح بعوضة.. حين رجعنا لبيتها الكبير أحسست أن أركانه و جدرانه كئيبة مثلناوكأنها تقاسمنا الحزن واللوعة !! فهل يعقل أن تقضي أزهى سنوات عمرها بين حيطان هذا البيت وجدرانه ثم لا يشعر بها حينما تغيب؟ ألا يحن إليها المطبخ؟ أطباقه وأوانيه وأكوابه؟ ألا يفتقدها السرير العتيق؟ والتلفزيون القديم ألم يتساءل قط أين ذهبت صاحبته التي كانت تشاهده تحت الغطاء السميك تلعن أشراره وتمدح أخياره؟ كانت جدتي تتفاعل مع شخصيات الأفلام كأناس حقيقيين ..وكم أبكاها منظر حمزة وهو يستشهد أو بلال وهو يصعد الكعبة صادحا بالأذان في فيلم الرسالة .. والى وقت قريب كانت تغطي وجهها وشعرها حياء من عيون الممثلين…. توفيت وعمرها ثمانون عاما.. قضتها بالكامل منحنية على أولادها. هل تتصور قارئي العزيز، حنان الأم النفيس، الحب المبذول بلا ثمن، التضحية والرحمة والإخلاص. الأمومة، تلك القطرة من رحمة الله التي يرفع الفرس بها حافره عن وليده، وتمزق القطة من يقترب من أبنائها.. كانت أما بكل ما تعنيه الكلمة من معان.. وكانت أيضا جدة تؤمن بأن الحياة مقدسة، وأن الظلم ولو في اصغر صوره جريمة يستحيل التغاضي عنها. لذلك كنا نتفهم مشاعر الغضب الجامح الذي يجتاحها حينما نشتكي نحن الأحفاد الصغار من بطش بعضنا ببعض ربما ورثت هذا عن أبيها الفقيه سيدي عبد الودود، كانت تلقبه بالقاضي حيث كان يتحاكم عنده أفراد القبيلة ،فهو من علمها القران و علمها التوحيد ولازالت حتى وهي في آخر أيامها تذكرني بان الله موجود وان لااله إلا الله محمد رسول الله عليها نحيى و عليها نموت وعليها نلقى الله.. كانت هذه آخر كلماتها وآخر آهاتها وأجمل ما قالته في حياتها.. .. لقد سماها أبوها “سحابة” كناية عن الخير والعطاء ، فأهل الصحراء ينعتون المطر بالسحابة لان قساوة الصحراء وجفافها علمتهم تقدير نعمة الماء ولو في قربة صدئة.. ولعل اسم “سحابة” اكسب روحها شفافيتها التي تشبه الزجاج النقي الرقيق، فقد كانت رحمها الله سيدة خفيفة الظل، قوية الإرادة، بارعة في التكيف مع ظروف الحياة، ماهرة في الطهي وشئون البيت، قريبة من قلوب أبنائها و احفادها.. تحكي أختها الكبرى قصة طريفة عن ظروف ولادتها قالت لي ذات يوم “سحابة ولدت في فصل الربيع وأنا ولدت في الخريف لذلك صاحبها الكرم منذ صغرها فهي لم تتعذب قط لجلب الماء” كانت جدتي تفتح لي صندوق أسرارها حينما أزورها تنقل لي خبرات حياتها الحافلة ومفاتيح تساعدني على فهم الحياة..كنت أتبرك بدعواتها، فعندما أسمع دعوات أمي التي هي بنت جدتي أشعر بأني أرتدي قميصا واقيا ضد الرصاص .. فقد كنت دائما متأكدا أن نصف اختياراتي في الحياة خاطئة وربعها نجح قضاء وقدرا بفضل دعوات أمي و جدتي.. في ليلة دفنها حضركل فروع العائلة بأزهارها الصغيرة، واجتمع الاطفال الصغار كعصافير في باحة البيت يتبادلون اللعب والتغريد.. كان هناك الكثير من التسلية لأطفال لم يفهموا بعد حقيقة الموت.. رحم الله جدتي سحابة فقد علمتنا كيف نأكل الخبز بالرضا والتعب بالصبر والمحن بالدعاء..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.