منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عناق لحظة الميلاد (دراسة تحليلية) الجزء الثاني

لحسن قراب / المغرب

0

عناق لحظة الميلاد (دراسة تحليلية) الجزء الثاني

بقلم: لحسن قراب / المغرب

 

عناق لحظة الميلاد (دراسة تحليلية)

 

الجزء الثاني من مقاربة الناقد لحسن قراب لقصيدة الشاعر الكبير نور الدين متوكل:

نقشت على صدر المعالي
أبياتا شعرية
وعلى ضفاف القوافي
اوقدت الشموع
ففر الخوف والخنوع
وفي محرابها طاب الخشوع
========

شموع بلا دموع

من مفارقات العنوان، أن لحظة الميلاد ولحظة الموت،كلاهما ترتبطان بالبكاء، الأول بكاء مادي على سكينة الرحم حيث الجنين يأكل ويشرب ويستحم ولا يعرف جوعا ولا نصبا ولا دَرناً، وحين يخرج لعالم المتاعب يصرخ بملء جوفه، إذ بقدرشساعة العالم تزداد المخاوف والمقارف. أما في لحظة الموت فإن الروح تبكي على مفارقة الجسد الذي كان وعاء لها، وفي لحظة انكسار يذهب للإندثار، وبين اللحظتين عناق وفراق ووصال واشتياق، فالحياة تعاقب للفرح وللبكاء، للخوف والرجاء، وقد خلق الله للإنسان فما عليه تعتمد سلامة الجسد، وبه تسكن الروح بما يطيب من كلام، واعلى الكلام شعر يعبر عن المرام، وفوقه كلام رب العباد الذي يريح الأرواح الأجسام ويبعدها عن الحرام .

ولم تكن صناعة العرب إلا صناعة شعر، وقد قال الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان الشعر علم قوم لم يكن لهم علم أصح منه) فقد جمع جميع علومهم، وكانت أحاديث السمر سردا لايامهم وامجادهم وبطولاتهم وحث للناشئة على الإقتداء بهم، فلما ضاع الشعر من حياة العرب، ضاعت النماذج العليا للقيم، وانحسرت الشيم ،وتساوى في الفضاء الازرق العالِم الجهبيذ مع من لا يعلم، بل إن الزيف أصبح هو المُقدم.

ففي البدء كانت الكلمة، ومن لايملك الكلام فهو لايملك الإفهام، واختصارا عليه السلام

لذلك نجد في كلام رب العالمين (يمنعون الماعون) وقد فسرت الدكتورة بنت الشاطئ(١) هذه الآية بقولها، إن الماعون إشارة للإنسان، فهو ماعون للعلم والمعرفة وعليه ان يبذل قصارى جهده ليساعد غيره بما يطيقه ،ومن هنا نجد تماهي كلام الشاعر نور الدين متوكل مع إيمانه بقوة الكلمة: (وعلى ضفاف القوافي) فالقوافي من الإقتفاء وتتبع الأثر، وهل هناك من يقتفي الأثر مثل الإنسان، فما الكتابة الا أثر وضع من أجل الإقتفاء، وإلا لظلت الإنسانية في جاهلية عمياء، إذ لا تستطيع ذاكرة الإنسانية الشفوية ان تحتفظ بأكثر من ثلاثة قرون (حسب بلاشير) وقد احتال الإنسان بالكتابة على تخليد علومه وتخليد قيمها الإنسانية. فالإنسان بيت مليئ بالكلام قد يكون مجرد نثر عادي وقد يرقى للنثر الفني وقد يرقى الى الشعر، وهذا البيت الإنساني شبيه بالبيت الشعري يشبه النهر، متى كان صافيا تشربت ضفافه بهذا الصفاء واينعت حكمه في نفوس الخلق فأنارت واستنارت ،لذلك يأتي السطر الموالي موضحا هذا الفيض المعرفي الذي هو بمثابة شموع تطرد قتامة النفس وتضيئ فيها كل ملمس، وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بلفظ مبين في سورة النور (الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب ذري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيئ ولو لم تمسسه نار ،نور على نور، يهدي الله لنوره من يشاء، ويضرب الله الأمثال للناس، والله بكل شيء عليم) 35.

إن الإنسان كوعاء معرفي، كلما استنار بالعلم والمعرفة أشرق داخله واينع خارجه، ولم يكن من السهل على العرب لولى حدة ذكائهم، ان يحتالوا على تخليد علومهم بالنظم، فأينما ذهبت تجد العلوم نظمت نظما ليسهل حفظها في الذاكرة واستعمالها بيسر وقت الحاجة ولا ادل على ذلك من الألفيات المنظومة في النحو والتفسير وقواعد حفظ القرآن والخطوغير ذلك .. (١)

إن الذاكرة متى امتلأت بالعلم تعطر من حولها، فهي كبائع المسك لابد أن يترك أثرا طيبا على ثياب المارة ويزكم انوفهم ولو من بعيد.

ومتى امتلأ القلب إيمانا (فر الخوف والخنوع)، أليس المرء عدوا لما جهل؟ الا تر الصبي يستأنس بالعلم من صغره فلا تعحزه أعقد المسائل عند كبره، بل تجده يبحث بجد ليتجاوز نفسه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها) والحكمة إذا لم تقدك الي الطريق الصحيح، طريق المحراب، حيث تحارب بالذكر جهلك، وتحارب بالسجود ضعفك، وتحارب بالسكينة ضجيج الحياة التي حولك ، إذا لم يقدك علمك لهذا الصراط السليم فقد أخطأت الطريق.

ومن الملاحظات الجديرة بالذكر، أن الشاعر يحيل على الليل بطريق خفي، حين يتحدث عن الشموع والمحاريب، فهذان صديقا الحكماء النجباء ومن لهم في الله نعم الرجاء:

اوقدت الشموع
وفي محرابها طاب الخشوع

فالمحراب ارتبط في القرآن بالبشرى (فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب ان الله يبشرك بيحيى) آل عمران 39، كما ارتبط المحراب بالرزق لقوله تعالى (كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا) آل عمران 37

وكذلك نجد المحراب قبلة للذين حاروا في حل مشاكلهم فيجدون في هذا الركن ملجأ ومنفذا وحلولا مناسبة لتطلعاتهم لقوله تعالى (وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب)ص 21.

ولعل من تقنيات التقدم في بسط الألفاظ، أن الشاعر يتحدث في بداية النص عن فرحة بمناسبة الميلاد، ويمكن أن تكون الفرحة مرتبطة بكل ميلاد سواء ميلاد الإنسان او ما يضاف إلى هذه الحياة من خصائص واخصها العلم لان العلم فريضة على كل مسلم بأمر من الله حيث قال (إقرأ باسم ربك) فالقراءة امر رباني، بها يحارب الفرد الجهل بكل انواعه، وربما لذلك ارتبط لفظ (المحراب) بالحرب كحدث يدفع الغير لداع من الدواعي، او بالحِراب وهي وسائل الدفاع عن النفس، او المحراب كمكان لمجاهدة النفس وإلجامها عما يضرها.

ألم يأت في النص ان الخشوع يطيب في المحراب، فهذا المكان يستعان فيه بالرب على مجابهة عناصر سقوط الجسد والروح، كأنما المحراب مكان وقوف ومساءلة النفس وجرد للأخطاء لتجنبها. وقد لفت الدكتور عادل جاسم البياتي الانتباه لعملية الوقوف المطردة في الشعر الجاهلي واعتبر مكان الوقوف محرابا يجب على الزائر ان يتوقف فيه قبل الإنطلاق.

قال امرؤ القيس : قفا نبك
وقال النابغة :(وقوفا بها صحبي)
وقال زهر :(وقفت بها من بعد ثمانين حجة)

وهكذا ذواليك ،فالمحراب ضرورة ملحة لمن أراد أن يحاسب نفسه وهو مطمئن، فحيث (يطيب الخشوع) تطيب الأفكار الإيجابية التي تساهم في تجاوز الفرد لنفسه وتجعلها تفر إلى الله (ففروا إلى الله) الذاريات 5 لان الفرار إلى الله يزيل الخوف عمن سواه، وقد ارتبط الخوف من الله بالعلم حيث يقول سبحانه وتعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماء) فاطر 28. وقد ربط البقاعي بين الخشية والعلم حيث فسر هذه الآية بقوله : :(فقال (العلماء) أي لاسواهم، وإن كانوا عُبَّادا،وإن بلغت عبادتهم ماعسى ان تبلغ، لأنه لا يخشى احدٌ أحدا إلا مع معرفته، ولا يعرفه جاهل. (َ….) قال السهروردي (…) فينتفي العلم عمن لا يخشى الله) (٣)ومن خشي الله آمن من كل فزع، ومن أجل الخشية كان العلم واجبا وبالعربية أوجب، لان ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
(يتبع بإذن الله تعالى)

=====
-١- التفسير البياني
-٢- مثل ألفية ابن مالك في النحو و(صبح الأعشى في دراسة الإنشاء) للقلقشندي في الكتابة
نظم الدرر، للبقاعي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.