عناق لحظة الميلاد (دراسة تحليلية)
بقلم: لحسن قراب / المغرب
تكرمت قريحة الشاعر الكبير نور الدين متوكل قصيدة شعرية من العيار الثقيل في ظرف أثقل وهو بزوغ شمس العرب واندحار أقمار الغرب:
عناق لحظة الميلاد
نقشت على صدر المعالي
أبياتا شعرية
وعلى ضفاف القوافي
اوقدت الشموع
ففر الخوف والخنوع
وفي محرابها طاب الخشوع.
_ (مقاربة مطلع القصيدة): الاستهلال
هذا هو المقطع الأول من القصيدة، ولعل افتتاحيته بالعناق تشي بما يعتمل من أشواق، وتدل على مايضمره القلب من محبة تربط المتعانقين.
ولكن هل العناق واقتراب الأعناق يدل دائما على العلاقات الإيجابية، الم يرد على لسان امرئ القيس قوله في المعلقة:
كأن دماء الهاديات بنحره
فكانت الأعناق مضرجة بالدماء ومعلقة بجيد الفرس، وبقدر ما ينتشي الفرس بخضاب دموي تعاني منه اعناق الطرائد التي بقي منها رمق هو أقرب للموت منه للحياة، بقدر ما يكون لموت الطرائد ارتعاشة خوف من مصير مخيف و غير منتظر.
وقد كان الشاعر ذكيا حين بدأ بالنكرتين (عناق / لحظة) ليذكر بأن هذا العناق لحظي وعرضي ولكن ذلك لم يمنعه من التأسيس لميلاد معروف بدليل ((أل) العهدية) وبالتالي فمن حبيبات الرمل الدقيقة تشيد القصور المنيفة.
إن الذي يحيل عليه الشاعر نور الدين متوكل هو عناق الحضارات المتضاربة، وعناق الملل المتناقضة، فلقد ظل الغرب يغازل الشرق وينافقه ويتقرب إليه بأجمل الألفاظ ويسرق منه ماحباه الله به من خيرات مادية معنوية تلوح في كل الآفاق، وآخر معقل من معاقل العروبة معقل الأسرة حيث العناق الروحي، الذي أرق الغرب فحاول ان ينسفه نسفا، بما يمليه عليه ضميره المريض، لتصل عدوى استقلالية الفرد عن الجماعة ليس في الأمة فقط وإنما داخل البيت، ولا ادل على ذلك من معانقة كل فرد لهاتف بليد يكرر الأكاذيب، ويوحي للمشاهد بصدقها على سبيل التأكيد .
إن المفارقة في العناق بادية على مجتمع غربي يتودد للقطط والكلاب ولا يكترث للإنسان، مجتمع باطنه التشتت وظاهره الأخلاق.
بيد أن الدواخل خرجت الي العلن والسواحل، والعين تجاوزت الجفن، حين اصطدام الغرب برمته مع ضميمة من العرب الأقحاح، فبدا الغرب بوجه سفاح، يأتمر في الكواليس، ويعتمد على الجواسيس، ويغير الحقائق من أجل مصالحه المادية ذات المظهر الخسيس. لقد ولدت غزة من رحم الحرب، وادبت الغرب ايما أدب، فكان (الميلاد) الشرقي ميلاد أمة، وحلم ضمة، وتعاطف الشرق مع ميلاد غزة تعاطفا دينيا وقوميا وتعاطف الشعوب تعاطفا قيميا ،وانحسرت النخب بيدها أعواد ثقاب وليس لها حطب، وتبين ان الكيان هو قلب العدوان وأن تآكله عن طريق الخفقان سيبتر الأطراف الميت ضميرها ممن يكيل بمكيالين، عينه اليمنى ترى ما لا تراه اليسرى، فحيثما كانت مصلحته كانت الرؤية واضحة وحيثما كان المشهد مضرا بمصالحه اصاب عينه القذى.
إن الشرق طائر فينيق ينبثق من رماده، وغزة ولدت من رحم الدم والحرائق، ومع إيمانها وترابط أرواحها فهي لا تهمها المشانق، لذلك تتصدر القصيدة قافية (المعالي) التي تحيل على ركام روحي لايوجد في قاموس الغرب المادي.
إن البداية بالفعل تدل على حركية ترتبط بالمتكلم وبالغائب، على اعتبار أن العربية تسند الفعل إلى المفرد وتعني به الجمع، كما تسنده للجماعة وتقصد به الفرد، أليس المسلمون كأسنان المشط؟! جسما واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعت له كل الأعضاء بالسهر والحمى؟! بل إن استعمال الحروف المنقوطة في الفعل (نقشت) لخير إشارة إلى حمولة الفرد في المجتمع، وحمولة الجماعة الإسلامية إزاء المجتمع الدولي ، فالمجتمع العربي لازال يرزح تحت وطأة مخلفات الإستعمار بوجهيه اللغوي والإقتصادي، وكلاهما وجه بشع من أجل التفقير المادي والمعنوي.
ولعل احتفال السطر الشعري بعلاقة المعالي بالشعر، له دلالة قوية لفهم هذا المجتمع العربي الذي تربط أفراده علاقة الكلام بل والبلاغة في إيصال المرام، فنحن أمة شفوية ترتل القرآن وتستمع لبعضها بإمعان ،وكرمها لا يأبه للأثمان.
وإذا كانت الحضارات القديمة قد احتالت لنفسها من أجل الخلود ببناء صروح معمارية اغلبها تَعرضَ للهدم، فإن العرب احتالوا لتخليد أنفسهم بالكلمة البليغة التي تتعمق في النفوس وتوجهها نحو الأفضل ،ومن ثمة ارتبط الفخر عند العرب بالشعر، فالكلمة الطيبة صدقة ،وما بالك إذا كانت هذه الكلمة أكثر من طيبة، كانت موجِهة وسائسة للشعوب ،فكلها صدقة جارية، ولعل القرآن خير دليل على أن البقاء للكلام وأن ما يوجه الكلام هو النوايا، فإذا كانت النوايا حسنة كانت الأعمال صالحة، وإذا كانت عكس ذلك جنت على أهلها كما جنت براقش.
___ يتبع