منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف أجد اللذة في عبادتي؟

مصطفى اسماعيلي

0

كيف أجد اللذة في عبادتي؟

مصطفى اسماعيلي

في حديثي مع كثير من الناس، أجدهم يتحملون مشقة كبيرة في أداء العبادات، سواء كانت صلاة أو طهارة أو صيامًا أو غيرها من فرائض الإسلام ونوافله. بل إن بعضهم قضى سنوات عديدة وهو يؤديها على هذا الشكل، وكأنها حمل ثقيل على ظهره.

فهل هذه العبادات مكلفة إلى هذا الحد؟

أم أن الأمر يتعلق بزاوية النظر التي تختلف من شخص لآخر؟

أم أن هناك حلاوة ولذة في العبادة، كما نقرأ عن سلفنا الصالح وبعض المعاصرين؟

أم أن الأمر يستحق فعلا هذه المشقة،

ويجب على المؤمن أن يصبر عليها لينال الأجر العظيم عند الله تعالى في الآخرة؟

 

الحقيقة اليوم، أرى كثيرًا من الناس يسرعون في الخروج من المسجد أكثر من سرعة دخولهم إليه، ويستريحون بعد الصلاة أكثر من راحتهم أثناء أدائها. وفي رمضان، يبتهلون بحلول العيد ويبتهجون، أكثر من فرحتهم بقدوم رمضان. حتى في الحج، يقف الحجاج في المواقف الإيمانية العظيمة، ولكن سرعان ما يتلهفون للعودة إلى أوطانهم، ويستعجلون جمع حقائب العودة.

هذه الصور تتكرر أمام عيني، بل أجد نفسي أحيانًا جزءًا منها، فأتحسر على حالنا، خاصة عندما أتذكر أو أقرأ عن أحوال السلف الصالح والصحابة، وكيف كانوا يجدون حلاوة الإيمان ولذة العبادة. يقول أحد السلف: “مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها!” فقيل له: وما أطيب ما فيها؟ فأجاب: “محبة الله تعالى ومعرفته وذكره.” وقال آخر: “إنه لتمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا؛ إنهم لفي عيش طيب.” وقال ثالث: “لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم، لجالدونا عليه بالسيوف.”(1)

وقبلهم، حدثنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عما يجده في الصلاة حين باح عن شوقه فقال: “أرحنا بها يا بلال”،(2) وكأن الصلاة كانت ملاذه وراحته من تعب الدنيا ونصبها. وكذلك، أخبرتنا أمنا عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه الشريفتان، دون أن يتألم أو يتوجع، وما كان ذلك إلا لأنه كان يعيش لذة الصلاة أكثر من ألم القدمان وتفطرهما.

فكيف وصلوا إلى هذه اللذة في عبادتهم؟

وما هي حقيقة هذه اللذة التي تحدثوا عنها؟

 

الإنسان مخلوق من جسد – مادة –  خُلق من طين الأرض، وروح نُفخت فيه من روح الله. ولكل منهما حاجاته وغذاؤه الخاص. وبما أن الجسد خُلق أولًا، فإن حاجاته المادية تكون هي الغالبة في بداية حياة الإنسان، من ماء وغداء، ويتفاعل مع كل ما هو مادي ويتلذذ به. ثم ما يلبث أن يستشعر حاجاته الروحية، وغذاء الروح من خالقها، وهو ذكر الله والتفكر في آياته وآلائه في الكون والنفس. غذاء الجسد من الأرض، وهو أدنى، وغذاء الروح من السماء، وهو الأسمى.

وأما اللذة فهي حالة وجدانية تعقب ممارسة نشاط أو إدراك شيء يلائم الجسد أو النفس أو الروح، يصاحبها شعور بالراحة والرضا. وهذه اللذة أنواع: منها اللذة الحسية، كتلك التي نشعر بها عند الأكل أو الشرب، ومنها اللذة النفسية، كحب المدح والثناء، ومنها اللذة الروحية، وهي أسمى أنواع اللذات، وهي التي تتسامى بالحب وطلب رضا المحبوب، والشوق إلى لقاءه في كل صلاة أو دعاء أو ذكر، بها يأنس المحب بالحق ويستوحش الخلق.

قال شيخ الإسلام ابن القيم عن اللذة والهمة: “لذة كل أحد على حسب قدره وهمته وشرف نفسه. فأشرف الناس نفسًا، وأعلاهم همة، وأرفعهم قدرًا، من لذته في معرفة الله ومحبته والشوق إلى لقائه والتودد إليه بما يحبه ويرضاه. فلذته في إقباله عليه وعكوف همته عليه. ودون ذلك مراتب لا تُحصى، حتى تنتهي إلى من لذته في أخس الأشياء من القاذورات والفواحش.”(3)

فالناس إذن، كل الناس يتلذذون بشيء ما، وتكون سعادتهم فيما يتلذذون به، وإنما يختلفون في أذواقهم، وكلما توسع الانسان في الملذات البدنية المادية لا يستطيب الأذواق القلبية ولا يعلم لها خبرا ولا حالا إلا ما يقرأه أو يسمعه من أهل عصره أو ممن سبقوه. وهذا داء خطير وشر كبير؛ أن يحرم العبد لذة العبادة وحلاوة الإيمان، فتلك مصيبة وأي مصيبة. مصيبة تعطل حواس القلب والروح، ليحتفظ فقط الواحد منا بالحواس البدنية المادية والتي نشترك فيها مع باقي البهائم.

إن الانغماس في وحل المادية والانشغال بها يبعد الانسان عن حقيقة العبادة ومفعولها في النفس والناس، وقد أدرك سلفنا الصالح هذه الحقيقة، فتركوا فضول الأشياء وأقبلوا بكليتهم على مختلف أنواع العبادات؛ فذاقوا حلاوة الايمان وتنعموا بالطاعة، قال الحسن البصري: والله لقد أدركت أقواما كانت الدنيا أهون عليهم من التراب الذي تمشون عليه، وما يبالون؛ أشرقت الدنيا أم غربت، ذهبت إلى ذا أو ذهبت إلى ذا.(4)

فما ذاق لذة العبادة من أفرط في المباحات؛ فالإكثار منها يقسي القلوب، قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: أول بلاء حدث في هذه الأمة بعد نبيها الشبع، فإن القوم لما شبعت بطونهم سمنت أبدانهم، فضعفت قلوبهم.(5)

إن الشبع الذي أشارت إليه أمنا عائشة؛ هو صورة التوسع في المباحات زمن الصحابة والتابعين، أما اليوم، فإن انشغال فئة من المسلمين بمباحات العصر والتوسع فيها؛ من رحلات ترفيهية، ومتابعة البرامج التلفزيونية؛ من مسرحيات ومباريات رياضية أو ما يقابلها من مقاطع فيديوهات بالأنترنت وكذا الشغف بمختلف الألعاب الإلكترونية والتي أدمن عليها جم غفير من شبابنا، كل هذا وغيره أنشأ جيلا ضعيف القلب، ضعيف العبادة، ضعيف الصلة بربه، فأنى له إدراك لذة العبادة وهو لا يملك من مقوماتها إلا العبادات المظهرية. هذا في المباحات، أما من يأتي المحرمات ويقترف السيئات فلا حديث معه.

وما ذاق في العبادة لذة، من نسي ربه وغفل عن ذكره باللسان والقلب، قال تعالى: ” نسوا الله فأنساهم أنفسهم “.(6) كيف تتلذذ بعبادة من أنت ناسيه، كيف تجد اللذة وأنت ترائي بعبادتك الناس، ولربما تذكر فلانا أو علانا أو حلوى أو سلوى وأنت في عبادة، في صلاة، في طواف، في مجلس ذكر … قال أحدهم؛ ولعله علي شريعاتي: لأن أذكر الله و أنا في الشوارع، خير لي من المكوث في المسجد و أنا أفكر في حدائي.

وما ذاق لذة العبادة ولا حلاوة الايمان من فسد قلبه وهو محل الإيمان وهو آلة الذوق والإحساس بالقرب والأنس وكل المشاعر النبيلة السامية. ويفسد القلب وتتعطل حواسه بمخالطة أهل الأهواء والاشتغال بسفاسف الأمور من لهو وجمع لعرض الدنيا والتسابق على المراتب الدنيوية والمنزلة عند الناس.

إن تحري اللذة في العبادة لا ينافي الصدق ولا الإخلاص؛ ذلك أن المؤمن الصادق المخلص في عبادته ينشد ولا شك الكمال والإحسان في كل ما يتقرب به إلى الله. ومن كمال الإيمان أن يوافق هوى العبد شرائع الله وأوامره، كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه عن الايمان: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به ،(7) أي لا يكمل إيمانه. وروى البخاري ومسلم في صحيحهما، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار (. (8)

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا في صدرك فاتهمه، فإن الرب تعالى شكور، يعني أنه لابد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه، وقوة انشراح صدر وقرة عين، فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول”. (9)

فكلما ذاق العبد حلاوة طاعة الله، لم يستثقل عبادة ولا أمرًا من أوامر الله، بل يشتاق إليها حبًا ورغبة فيها وما فيها من حلاوة الأنس وراحة القلب وانشراح صدر. ودون هذا المقام جهاد ومجاهدة، وصبر ومصابرة، وتربية للنفس حتى يفتح الله مغاليق القلب ونوافذه. وقد يستغرق هذا زمنًا يطول أو يقصر، ولربما يفتح الله على العبد ساعات قبل وفاته، قال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ).(10)

لا تنال هذه اللذة – بحسب جملة أقوال أهل السلوك وأرباب القلوب – إلا بشيئين أساسيين من جهة العبد وهما: صلاح القلب، وغلبة الهم في طلب حب الله ومرضاته، ثم يمن الله على من يشاء من عباده ما شاء من الفتوح القلبية والمواهب الربانية، وهذان الأمران يحتاجان إلى كثير من الجهد مع الاستقامة والدوام، وكذلك من طلب معالي الأمور.

أما الأول، وهو صلاح القلب، فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على أهميته في صلاح أمري الدنيا والدين في غير ما حديث، منه قوله صلى الله عليه وسلم: “ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”.(11) وبداية صلاح القلب تكون بمصاحبة أهل الصلاح، كما أوصى صلى الله عليه وسلم حيث قال: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل. (12)

وقال الإمام عبد القادر الجيلاني يؤكد على الصحبة الصالحة: اصحب أرباب القلوب حتى يصير لك قلب. ثم تأتي الخطوة الثانية، وهي أداء الفرائض والواجبات بإحسان وإتقان، فلا يتصور كمال إيمان من ضيع حقوق العباد أو قصر في فرائض الإسلام. ولعل هذا يظهر جليا في الحديث القدسي قوله: “من عادى لي وليًا، فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها”. (13)

حدر المولى عز وجل من معاداة الأولياء، وفي تحديره دعوة لمصاحبتهم ومحبتهم، وهي الخطوة الأولى كما أشرنا. ثم ثنى بالحرص على أداء الفرائض، سائر الفرائض؛ عبادات ومعاملات، ثم بعدها وخلالها المواظبة على مختلف أنواع النوافل من صلوات وصدقات وصوم الهواجر واستغراق في الذكر والتفكر، وخلوات الليل. ولعل عبادات الليل من أكثر ما أوصى به الأولون وسيد المرسلين وسائر النبيين.

أما الثاني؛ وهو غلبة الهم في طلب وجه الله فإنه أكبر من الأول، لأنه يتقلب، يفتر، يقوى، يخبو، يشتد أو يثبت …  به يكون الاخلاص والصدق والاحسان وكل مقام سني مما لا ينال إلا بإرادة صادقة في طلب وجه الله ورضى الله وحب الله… بعد صلاح وعاء القلب. وبداية المقام وأول منازله تكون بإخلاص العبودية لله وخلو القلب من كل المعبودات؛ سواء كانت آلهة وثنية أو بشرية أو دنيا أو درهم وحتى حب النفس، وهي بالجملة؛ كل محبوب سوى الله تعالى، عندئذ يستطيب الذكر وتحلو الركعات ويطرب القلب في كل خطوة إلى الطاعات أو الصدقات وحتى الجود بالأنفس في ساحات الوغى يصير له طعم غير الطعم وذوق فوق الذوق.

قال الإمام عبد السلام ياسين، وهو الخبير في فن التربية وطب القلوب:” القلب المفتوح له، قلب المؤمن المحسن الولي، حاسة كاملة تسمع وتبصر وتذوق وتعقل بإدراك فوق طاقة الحواس وفوق طور العقل.  (14) فإذا صلح القلب وغلب الهم، استقامت الأذواق الحسية والقلبية على الفطرة السوية، فتمج النفس المنكرات، وتستلذ الطاعات، وترى في سائر القربات صنوف أطعمة تغذي الروح وتحيي القلب.

إن الإنسان، بما فيه من مقومات اللذة الحسية والروحية، قد يغفل أو لا يدرك أن مقومات اللذات الحسية آيلة إلى الزوال، طال زمنها أو قصر بمختلف نوائب الدهر أو الهرم، وأن اللذات الروحية القلبية وحدها من تملك صفة الدوام لأن الروح لا تشيخ لكنها تتعطل حواسها بالإهمال. وقد يأتي يوم يتحسر فيه الإنسان على أوقات ضاعت في ملذات زائلة، دون أن يتعهد قلبه الذي يسعد به في الدنيا والآخرة، قال تعالى: “يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيم”ٍ (15)

 إننا نحتاج القلب السليم لنلقى به الله عز وجل في كل صلاة أو صدقة أو غيرهما من اللقاءات الربانية؛ ” لو زرته لوجدتني عنده”، كما نحتاجه لنلقى به الله تعالى يوم العرض عليه؛ يوم نتعرض لرحمته ورضوانه ونتلذذ بالنظر لوجهه الكريم فضلا منه وإحسانا.


المراجع:

  • الوابل الصيب من الكلم الطيب، ابن قيم الجوزية، طبعة 3، ص 48.
  • أخرجه أبو داود في صحيحه ( 4985)، و ابن أبي شيبة في مسنده ( 940)،
  • كتاب الفوائد، ابن قيم الجوزية، ص 150.
  • الزهد لابن أبي الدنيا، ابن أبي الدنيا، ص 55،
  • الجوع لابن أبي الدنيا، ص 43،
  • سورة الحشر، الآية 19،
  • حديث “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به”: رواه ابن حبان في صحيحه.
  • حديث “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان”: صحيح البخاري، حديث رقم 16، وصحيح مسلم، حديث رقم 43
  • تهذيب مدارج السالكين، ص 312.
  • سورة الحجر، الآية 99،
  • صحيح البخاري، حديث رقم 52، وصحيح مسلم، حديث رقم 1599،
  • حديث “المرء على دين خليله”: رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
  • الحديث القدسي “من عادى لي وليًا”: صحيح البخاري، حديث رقم 6502.
  • الاحسان، عبد السلام ياسين، ج2، ص 58،
  • سورة الشعراء، الآيات 88-89.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.