منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

كيف نحج بأرواحنا وقلوبنا ونحن في بلدنا؟

الدكتور أحمد الإدريسي

0

كيف نحج بأرواحنا وقلوبنا ونحن في بلدنا؟

بقلم: الدكتور أحمد الإدريسي

الحجّ قصدٌ بنية القلب وعزم الروح وشوق الفؤاد. وحجُّ القلب مُساير لحجّ القَدَم والجوارح. لذلك ينبغي للمؤمن، وطالب الإحسان أن يحضُـر بروحه وقلبه مع الحجاج وهم يؤدون مناسك الحج، وأن يعيش معاني الحج وأسراره وهو في بلده وذلك منذ أول يوم من شهر ذي الحجة إلى آخر أيام التشريق. فيكثر من التكبير، والتحميد، والتهليل؛ فهي الأيّام المعلومات التي ورد الحضّ فيها على ذلك. إضافة إلى التوبة، والاستغفار، والإقلاع عن المعاصي. والتقرُّب إلى الله بالصلاة، والذِّكر والدعاء، وقراءة القرآن.

أولا: حج القلوب والأرواح.

الحجّ قصدٌ بالبدن يبعثه قصدٌ بنية القلب والشوق وعزم الروح، فالحج في اللغة هو القصد[1]. وحجُّ القلب مُساير لحجّ القَدَم والجوارح، لا يتخلّف أحدهما عن الآخر.

فحجّ الجوارح يظهر جليًّا في آيات سورة البقرة، وحجّ القلب يظهر في آيات الحج في سورة الحج. وقد تكون أعمال القلوب أعظم مكانةً وأجلّ قدرًا من أعمال الجوارح، قال تعالى: “فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا”(الفتح:18).

وقد ذكر بعض المفسرين إلى أن التزام القلب بذكر الله وطلب القرب منه في كل لحظة، يعتبر نوعاً من أنواع الحج الروحي، قد يسبق فيه حاج القلبِ حاجَّ البدن الذي لم يتقِ الله في حجه. ويتحقق ذلك بما يلي:

– المداومة على الذكر: هو طريق للمؤمن ليعيش نفحات الحج في كل وقت، بقلب سليم، وذكر دائم، وتلبية روحية.

– استحضار المناسك: هو استحضار معاني الطواف والسعي والوقوف بعرفة، وكل المناسك في القلب والروح والوجدان.

–  التوجه القلبي إلى الله تعالى بصدق.

ثانيا: تجليات حج القلوب.

1- في العشر الأول من شهر ذي الحجة:

وهي أيام مباركة، يضاعف فيها الأجر والثواب، قال تعالى: وَاَلفَـجْرِ وَلَيَـالٍ عَشْرٍ وَاَلشَّفْعِ وَاَلْوَتْرِ“(الفجر:1-3). وقد فضّلها الله تعالى، وأَفردَها عن غيرها من الأوقات بالعديد من الفضائل والميّزات؛ شَحذاً للهِمَم والعزائم، وسَعياً إلى زيادة الأجور والحَسنات؛ إذ تجتمع فيها أمّهات العبادات؛ من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وغيرها، ولا يكون ذلك في غير العَشر من أيّام السنة، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيها؛ وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها)[2].

ومن التشبه بالحاج المحرم أنه يستحبُّ لمن أراد أن يضحي ألا يمس من شعره وبشره شيئا فعن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئا)[3].

وفي يوم عرفة يسنّ الإكثار من الذكر، ويسن الصيام لغير الحاج[4] فإنه بتكفير ذنوب السنة الماضية والسنة القابلة، فعن أبي قتادة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صيام يوم عرفة؛ إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده والسنة التي قبله) [5].

2- في يوم العيد:

يوم العيد هو يوم الأضحى المبارك ويوم النحر، الذي يرتبط بأداء فريضة الحج. ويدخل وقت صلاة العيد بارتفاع الشمس قدر رمح في نظر العين، ويُقَدّر بمرور ربع ساعة بعد شروق الشمس، وينتهي وقتها بزوال الشمس. يُسن في صلاة العيد خطبتان بعد الصلاة.

      كما يُسن للحاج ولغير الحاج التكبير من أول شهر ذي الحجة إلى نهاية اليوم الثالث عشر، قال تعالى: “ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات”(الحج:28)، وهي أيام العشر. وقوله عز وجل: “واذكروا الله في أيام معدودات”(البقرة:203)، وهي أيام التشريق.

3- الأضحية:

في يوم العيد يكون النحر؛ الهدي للحاج، والأضحية لغير الحاج، والمقصود من النحر هو؛ تحقيق معاني العبودية، وأن يخضع العبد لربه ومولاه لتأتي الثمرة وهي تقوى الله عز وجل، وإصلاح ما يكون به صلاح للفرد والمجتمع، ألا وهو القلب، كما يُقصد من الأعمال التعبدية تعظيم شعائر الله، قال عز وجل: “وَمَنْ يُعَظِّم شَعَائِر الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب”.

    وأضحية العيد فرصة للتقرب إلى الله، وذلك من خلال ما يلي:

– شكر الله تعالى على نعمه وعلى ما سخر لنا من بهيمة الأنعام،

– ذكر الله عز وجل عند ذبحها،

– التعبد لله تعالى وطاعته فيما أمرنا به، امتثالا لقوله تعالى: “قُلِ إنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَماتِيَ للهِ رَبِّ العَالَمينَ لا شَريكَ لَهُ” (الأنعام:164-165).

– اتباع سنة أبينا إبراهيم عليه السلام؛ ففي اتباعنا له في هذه السنة تذكير بذالك الموقف الكبير والفداء العظيم والامتثال الكبير من سيدنا إبراهيم لله رب العالمين في طاعته حيث أمره أن يذبح إبنه إسماعيل، وكيف كان التعاون الأب مع ابنه في تنفيذ أمر الله تعالى، وفي دلك حكم بالغة.

خلاصة:

سُئـل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل؟ فأجاب: (أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة)[6].

     ولتحقيق العبودية والتشبه بالحجاج في هذه الأيام المباركة -أيام الحج- ينبغي أن نستحضر عند ذبح الأضاحي قول الله تعالى: “لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ”[7].

ولما كان الصيام من أفضل القربات فإنه يُستحبُّ صيامها، والإكثار فيها من العمل الصالح؛ من صدقة وبر وإحسان ودعوة إلى الله عز وجل. قال الإمام الطبراني: (ما من أيام أعظم عند الله وأحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير)[8]. بمعنى أكثروا في هذه الأيام من قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إلـه إلا الله، والله أكبر.

وختاما أقول:

أعظم ما يُتقرب به إلى الله تعالى في أيام الحج المباركة أن يجدها المؤمن فرصةً لتصفية القلب، فحسنات القلوب أعظم من حسنات الجوارح، وهي الأصل لحسنات الجوارح. قال الإمام القرطبي في تفسيره: (قال ابن عَبَّاس: لَنْ يَصْعَد إِلَيْهِ. وقال ابن عِيسَى: لَنْ يَقْبَل لُحُومَهَا وَلَا دِمَاءَهَا، وَلَكِنْ يَصِل إِلَيْهِ التَّقْوَى مِنْكُمْ؛ أَيْ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهه، فَذَلِكَ الَّذِي يَقْبَلهُ وَيُرْفَع إِلَيْهِ وَيَسْمَعهُ وَيُثِيب عَلَيْهِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيث؛ “إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ”).

والحمد لله رب العالمين.


[1] – يُنظر: القاموس المحيط، للفيروزآيادي. الصفحة: 183.

[2] – فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، ج: 3، ص: 139. فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للإمام ابن حجر العسقلاني، ج: 3 / ص: 139.

[3] – رواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب: الأضاحي، باب: “نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئا”، حديث رقم: 39-1977.

[4] – لأنه؛ يكره للحجاج صيام يوم عرفة.

[5] – رواه الإمام الترمذي في سننه، كتاب الصوم، باب: ما جاء في فضل صوم يوم عرفة، حديث رقم: 749.

[6] – مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج: 25 / ص: 287.

[7] – سورة الـحج / الآية: 35.

[8] – المعجم الكبير للطبراني، حديث رقم: 12278.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.