منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خادمات البيوت

خادمات البيوت/ يوسف العلوي السليماني

0

خادمات البيوت

يوسف العلوي السليماني

رأيت بأم عيني مشهدًا وقر في ذهني، في أحد مطاعم مراكش، مسقط رأسي، رأيت أُمًّا ثلاثينية مع طفلان، كلاهما دون السابعة، تتبعهم مُعْصِرٌ قاربت البلوغ، تتبعهم كما تتبع الأغصان الريح، أردأت على الاثنتي عشرة من السنين، ريشة في مهب الريح، أناخ عليها البؤسُ بكَلْكَلِه، إذ أُثقلت بحماية مُشاغِبَين دخلا فضاء اللعب والقفز، دخلا مغارة علي بابا للأطفال فتكنسا. أخرجهما النادل بوجبتين لا ثالثة لهما، مع لعبتين لا ثالثة لهما، وأقلام الخشب الملونة، وخريطتان للرسم والتلوين لا ثالثة لهما، وللجويرية لا شىء، فجَلَسَت إلى مائدة الملل، تراقب سُييّداها، استغرقا هما في الأكل فاكتفت هي برائحة الطعام الموجودة حولها، فلما انتهى الآسِرَان بالنيابة من الطعام والرسم والنزهة واللعب والشغب والتسلية، اِنقطعت فسحة السجينة بالباطل بغتة، فغادر الجميع مطعم العم سام العالمي، على متن سيارة أوربية الصنع، ورباعية الدفع، تقودها أم الأميرين، وسيدة الجويرية، فتساءلت عما كان يجول في خاطر الأسيرة حين الأسر، فأيقنت حينها فجاعة الأمر.

كثير من رأى ما رأيت، ومن يفكر في عالم أفضل لخادمات البيوت قليل، ومن يسعى في انتشال بنات البؤساء، من وراء قضبان الإهانة وَالاِستعباد وَالجهل، فَأندر من الكبريت الأحمر، فمن مِنَّا يجتهد لبناء عالم أفضل لمن تنظف المراحيض بأياديهن، جاثيات على الركب، يُلَطَّخْنَ بما تلقيه الأخلاق الكريهة، بما تلفظه الأفواه من كلام بذيء، كلام لا تُشَمُّ منه رائحة اللطافة، بالعصا يُسْلَقن، فمن منا يجتهد لبناء عالم أفضل لفلذات أكباد البؤساء، ضحايا العجز والكبرياء والظلم والتسلط؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.