منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الصدق مفتاح…

الصدق مفتاح.../ صلاح الدين المساوي

0

الصدق مفتاح…

بقلم: صلاح الدين المساوي

 

” وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ” الإسراء/80.

إن القطب الأعظم في الدين هو الصدق، وعليه المدار كله، فلا معنى للإيمان ولا أثر للمعاملات بدون قيمة الصدق. ولهذا إحتل المرتبة الأولى في مكارم الأخلاق،لأن به تستمر الحياة الطيبة بين الأفراد والمجتمعات،فإذا تسلل الغش والكذب إلى جسم الأمة أصابها الوهن وسقطت سقطة مدوية لن تقوم بعدها إلا بتوبة نصوح تلم شعثها وتقيم صلبها.

والناظر في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم يجد أن بعثته قامت على مبدإ الصدق كحجة واضحة لنشر دعوته وإقرار بني قومه بالخبر اليقين الذي جاء به، و يبدوذلك جليا يوم صعد الصفا ، فجعل ينادي: ” يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ ” – لِبُطُونِ قُرَيْشٍ – حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: “أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟” قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، – وفي رواية ما جربنا عليك كذبا- قَالَ: ” فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ” فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ سورة المسد /1، 2 رواه البخاري ومسلم.

لقد خاطبهم النبي العدنان بما يعرفون ويعقلون من صدق الحديث ليكون حجة عليهم، فهو الملقب عندهم بالصادق الأمين !!! إذن يستحيل عنه الكذب في مثل هذا الموقف العظيم كمبلغ عن الله تعالى ! وهذا ما صرّح به ملك الروم “هرقل” حينما سأل أباسفيان -قبل إسلامه- قائلا:”هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟، قال: لا، فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله” رواه البخاري.
وقد نزهه الله عن الكذب من فوق سبع سموات فقال في حقه“وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ )النجم/1-4.

“فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ” الأنعام /33

وهكذا رفع الله قدر نبيه الكريم وأظهر دعوته على من حاربه ،بسلاح الصدق أولاً كقيمة إنسانية فاعلة،تضرب في العمق وتنتشر في الآفاق.

قال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله: “(منزلة الصدق) هي منزلة القوم الأعظم. والطريق الأقوم الذي مَن لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين. وبه تميَّزَ أهل النفاق من أهل الإيمان، وسكان الجِنان من أهل النيران. وهو سيف الله في أرضه الذي ما وُضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرَعه. من صال به لم تُرَدَّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كِلْمَته. فهو روح الأعمال، ومحك الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال. وهو أساس بناء الدين، وعمود فُسْطاط اليقين، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين”.

هذا الكلام النفيس يريد أن يقف بنا على حقيقة عظمى تسمى (صفاء السريرة و صدق الطلب) بمعنى آخر من أنا في هذا الوجود؟ هل أنا منسجم مع ديني وعقيدتي في التوحيد والإخلاص أم أن قلبي فيه شركاء متشاكسون؟!

إنه لا يصلح الكذب على الذات ومراوغتها، فمتى إستطاع الإنسان أن يصارح نفسه ويحدد وجهتها كان من أهل الخير والرشاد، وإذا شق عليه ذلك خسر الدنيا والآخرة، ولا نجاة له إلا بالتماس الطريق الصحيح لتعلم النية،قال الإمام السهروردي رحمه الله بعد أن ذكر حديث إنما الأعمال بالنيات: “النية أول العمل، وبِحَسَبِها يكون العمل(…)، وكل من كانت بدايته أحكم كانت نهايته أتم.(…) ومن لم يهتد إلى النية بنفسه يصحبُ من يعلمه حسن النية”.

وقد يقول قائل وهل النية تحتاج إلى” معلم” و إلى” خبير” !!؟ نعم لأن عليها مدار العمل كله ، قال الله “الرحمان فاسأل به خبيرا” الفرقان /90 ، “واتبع سبيل من أناب إلي” لقمان/15. إنه ليس بالأمر الهين أن يظل المؤمن طول عمره ثابتا على الحق، متصفا بالصدق والإخلاص في القول و العمل، إلا برفقة صالحة تذكره بالله إذا سهى وعافس الدنيا ، وهذا ربنا العليم الخبير بحال عباده يأمر نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام بالصبر مع الجماعة لنتخذه قدوة ونقتفي أثره ، قال الله سبحانه” وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا”[ الكهف/28]

فاللهم آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.