منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الانكسار التاريخي “النتائج”(4) فقهاء المنابر و الوظيفة الغائبة

عبد الفتاح باوسار

0

الانكسار التاريخي”النتائج”(4) فقهاء المنابر و الوظيفة الغائبة

بقلم: عبد الفتاح باوسار

فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة

بين علماء الدين ورجال الدين(2) فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة

الانكسار التاريخي “الحدث” (3) فقهاء المنابر والوظيفة الغائبة

 

لم يكن ذكرنا لما عرفه المسلمون من أحداث عظام بُعيد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي زمن خير القرون، من باب السرد التاريخي، أو حتى من باب البحث في رجحية هذا الموقف أو ذاك، بقدر ما هو محاولة لرسم صورة تقريبية لأحداث ومرحلة زلزلت كيان الأمة الوليدة زلزالا شديدا، حاد بها عن منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، حيادا تساقطت معه عرى الدين عروة بعد أخرى، وهي تسابق العصور نحو غثائية جعلت الأمة الإسلامية قصعة تتداعى عليها الأمم .

لقد كانت مرحلة تأسيسية، إذ أن كل كلمة أو موقف لهذا الصحابي أو ذاك كان نقطة بداية لمذهب فقهي أو فرقة من الفرق، غالى فيها مغال أو تعصب لها متعصب.

فمن نتائج النزاع المسلح بين معاوية وعلي رضي الله عنه انقسام الأمة إلى ثلاث فرق:

فرقة انحازت/شايعت عليا رضي الله عنه أول النزاع، ثم قامت مع سبطه الحسين ضدا على يزيد بن معاوية الفاسق، ستعرف لاحقا بالشيعة، وستفترق إلى فرق وطوائف (الإمامية، الإثنا عشرية، الزيدية…)، أما الذين خرجوا على علي رضي الله عنه بحجة رفضهم نزوله عند رغبة أصحاب معاوية وقبول التحكيم، فقد عرفوا بالخوارج (قال البعض: إن منهم الطائفة الإباضية وأنكر البعض الآخر ذلك). في حين أن الطائفة الثالثة، عرفت ب: أهل السنة والجماعة، وهي التي تكونت بعد سنة أربعين للهجرة، حين تنازل سيدنا الحسن عن الحكم لمعاوية بن أبي سفيان إيثارا منه حقن دماء المسلمين على طلب منصب كان أحق الناس به.

ليس ذلك فحسب، بل تحول أهل الفرق، وهم ينتصرون لهذا الموقف أو ذاك، من الاختلاف حول منهجية اختيار الحاكم، كما توضح ذلك أطوار حادثة التحكيم، إلى نزاع من نوع آخر: هو النزاع حول أحقية من يحكم، وهو ما عبر عنه د. المختار الشنقيطي بقوله: أن “أسوء الآثار التي ترتبت على معركة صفين هي التأسيس لقطيعة مع القيم السياسية الإسلامية، وتحول السياسة إلى وسائل مقطوعة عن غايتها الرسالية والأخلاقية، وجعل السلطة غاية في حد ذاتها” (11). موضحا بأن هذا الانحراف الذي ابتدأه معاوية برفضه لبيعة علي، وباستلاءه على السلطة بالقتال والقوة، ثم نقلها لابنه بالثوريث، كل ذلك لم يكن” مجرد انحراف بسيط في أداء السلطة، بل كان خروجا عن القيم التأسيسية في بناء السلطة وأدائها، وهو خروج نقل أمة الإسلام من منظومة قيم سياسية تتأسس على التراضي والتعاقد السياسي إلى منظومة سياسية تتأسس على سلطة القهر وقوة الاعتياد”(12).

لقد تحول الشيعة – مع مرور وتوالي العصور والأحداث – من نصرة علي رضي الله عنه ثم سبطه الحسن من بعده، إلى القول بأحقية آل البيت بالخلافة دون سواهم؛ فقالوا بأن الإمامة بالنص وليست بالاختيار، بل وجعلوا لها أثرا رجعيا فطعنوا في خلافة الراشدين الثلاثة الذين سبقوه أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم جميعا. الشيء نفسه سنجده عند “السنة” ولو بشكل مغاير حيث قالوا بصحة حكم كل من نُصب بعد تنصيبه، بغض النظر عن الطريقة التي كان بها هذا التنصيب وممن، ليصل بهم الأمر فيما بعد إلى القول بأحقية من غلب حتى لو كان فاجرا كيزيد بن معاوية.

إذن لقد فتنت الأمة مبكرا، وكانت أول فتنتها اغتيال سيدنا عثمان، ثم تحول الخلافة إلى ملك.
ومن السياسة التي بدأت بسببها فُرقة المسلمين انتقل الأمر إلى العقائد والفقه، فكان لكل فرقة مميزات اعتقادية، ومذاهب فقهية ؛ فقد لجأ بنو أمية وهم يرومون ضرب خصومهم السياسيين، شيعة الحسين، بعد ما كان من قلاقل من أهل العراق بعد اغتياله، إلى تبني المواجهة الفكرية /العقيدية عبر ترويج عقيدة فرقتي الجبرية والمرجئة، حيث وجدوا في قول الأولى، أي الجبرية، أن جميع ما يقع من أفعال إنما هو بقدر الله تعالى، وقول الثانية، المرجئة: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة (13). وجدوا فيهما مبررات لكل أفعالهم حتى ولو كانت من مثل ما فعل بسيد شباب الجنة الحسين بن علي من تقتيل.

أما بنوا العباس ورثة سلطان المسلمين بعد بني أمية فقد عملوا على نشر فكر وعقيدة فرقة أخرى لها جولات في التاريخ الإسلامي كله وهي المعتزلة.
ليتوالى ظهور الفرق والمذاهب دولة بعد أخرى معلنة عن تمزق شمل الأمة في كل مقوماتها دون استثناء يذكر.
تماما كما جاء في حديثه صلى الله عليه وسلم والذي أخرجه الإمام أحمد “لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم وآخرهن نقضا الصلاة”(14).


المراجع:
11-د. محمد المختار الشنقيطي : الأزمة الدستورية في الحضارة الإسلامية ،من الفتنة الكبرى إلى الربيع العربي. ص 292′ الطبعة الأولى ،منتدى العلاقات الدولية العربية، الدوحة 2018.
12- المرجع نفسه.
13-للتوسع أكثر في أقوال هاتين الفرقتين أنظر كتاب الملل والنحل للشهرستاني .
14- أخرجه الإمام أحمد في مسنده و الطبري في الجامع الكبير بإسناد جيد عن أبي أمامة الباهلي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.