منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جوده وكرمه صلوات ربي وسلامه عليه (12) منحة المولى 

د. نبيلة الوزاني الثهامي

0

جوده وكرمه صلوات ربي وسلامه عليه (12) منحة المولى 

 

لاشك أن الجود و الكرم والسخاء و السماحة من مكارم الأخلاق، وحسن الشيم، معانيها متقاربة، وفرق بينها بعضهم بفروق،

فالكرم: هو الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم قدره ونفعه -1، وهو نقيض اللؤم، والكريم: الجامع لأنواع الخير و الفضائل و الشرف -2،..

والسخاء والسخاوة:، وسهولة الإنفاق، وهو ضد التقتير-3، أما السماحة: فهي التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس -4،..

ويقال في السخاء سمح، سمح وأسمح: إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء -5

وفي الحديث الشريف: (يقول الله تعالى: أَسْمِحوا لعَبْدِي كإِسْماحه إِلى عِبَادي )-6، وهو هنا مرادف للتيسير والبعد عن التضييق والشكاسة،

ولما كان الله عز وجل قد جبل نبيه صلى الله عليه وسلم على أكمل الأخلاق وأشرفها، وكان الجود والكرم من معالي مكارمها وفضائلها، فقد حاز صلى الله عليه وسلم منها النصيب الأسمى، والمكان الأسنى، فهو بلا شك أجود بني آدم مطلقا، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف، وهذا مقتضى السيادة التي كانت له عليهم، كما في الحديث الصحيح: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)-7

فقد تمثل فيه الجود والكرم بكل أشكاله، وجميع أنواعه، وشتى صوره من بذل العلم، والندى بالمال، والجود بالنفس لله تعالى في سبيل إظهار الدين وهداية الخلق، وإيصال النفع إليهم بكل الطرائق، فكان صلى الله عليه وسلم يطعم جائعهم، ويقضي حوائجهم، ويحمل كلهم، ويكسب معدمهم،..ولم تزل تلك صفاته منذ نشأ حتى جاءه جبريل بأمر النبوة والرسالة، فاستدلت اللبيبة الزكية (خديجة رضي الله عنها) بحسن خلقه على أهليته للرسالة، وعدم خذلان الله له عندما قال لها: (لقد خشيت على نفسي، فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)-8

ثم تنامت هذه الصفات بعد مبعثه وزكت وتضاعفت ببركة الوحي أضعافا كثيرة، حتى قال أنس رضي الله عنه – كما في الصحيح -: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس، ولقد فزع أهل المدينة فكان النبي صلى الله عليه وسلم سبقهم على فرس، وقال وجدناه بحرا) -9 رواه البخاري،

أي أنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: -مُخبِرًا عنِ الفَرَسِ-: «وَجَدناه بَحرًا»، فشَبَّهَ الفَرَسَ بالبَحرِ؛ لِسَعةِ جَرْيِه مع انسيابِه وخِفَّتِه مِثلَ البَحرِ.”

وعند مسلم عن أنس رضي الله عنه قال: (ما سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة) -10

وعن أنس رضي الله عنه قال:أن رجلا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا، فوالله إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر ؛

فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.-11

وفي صحيح مسلم أيضا عن صفوان بن أمية قال: (والله لقد أعطاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي).-12

قال ابن شهاب الزهري: أعطاه مائة من النعم، ثم مائة ثم مائة. وقال الواقدي: أعطاه يومئذ واديا مملوءا إبلا ونعما، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.-13

وفي الصحيحين عن جبير بن مطعم: ( أنَّهُ بيْنَما هو يَسِيرُ مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومعهُ النَّاسُ مَقْفَلَهُ مِن حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ حتَّى اضْطَرُّوهُ إلى سَمُرَةٍ، فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَقَالَ: أعْطُونِي رِدَائِي، لو كانَ لي عَدَدُ هذِه العِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بيْنَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونِي بَخِيلًا، ولَا كَذُوبًا، ولَا جَبَانًا ).-14

فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أنه لو مَلَك أمثالَ عَدَدِ هذه «العِضَاهِ» -وهو: شَجَرٌ كَثيرُ الشَّوكِ- مِنَ النَّعَمِ -وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ-، لَقَسَمتُه بيْنكم ولم أدَّخِرْ شَيئًا لي،

وروى البخاري ومسلم عن جابر قال: (ما سئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شيئا فقال لا).-15 فهو صلى الله عليه وسلم ما سأله أحدٌ شيئا من أمور الدنيا، فقال: (لا) مَنْعَا للعطاء، بل إن كان عنده أعطاه، أو قال له ميسوراً من القول ،-16

و قال جابر: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لو قد جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال بيديه جميعا ).-17

وروى البخاري من حديث سهل بن سعد، أن شملة أهديت للنبي صلى الله عليه وسلم فلبسها – وهو محتاج إليها ـ فسأله إياها رجل فأعطاه، فلامه الناس فقالوا: كان محتاجا إليها، وقد علمت أنه لا يرد سائلا، فقال: إنما سألتها لتكون كفني، فكانت كفنه).-18

وجاء من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: قال: ( كان النبي ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس)-19

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: ( ما رأيت أحدا أنجد، ولا أجود، ولا أشجع، ولا أضوأ، ولا أوضأ من رسول الله ﷺ ) -20

صلوات ربي وسلامه عليه

أَشْجَعَهُمْ فِي مَوْطِنٍ وَأَنْجَدَا ** وَأَجْوَدَ النَّاسِ بَنَاناً وَيَدَا -21


لائحة المصادر والمراجع:

1- ينظر كتاب الشفا ؛ القاضي عياض ص55

2- لسان العرب ج 13 ص 55

3- تاج العروس ج 7 ص 149

4- كتاب الشفا ص 28

5- لسان العرب ؛ ابن منظور ج 7 ص 250

6- أخرجه أحمد 15 والبزار 76 وأبو يعلى 56

7- صحيح ابن ماجة رقم 3436،

 8- شرح النووي على مسلم ج2 ص 349 ؛ و البيهقي في دلائل النبوة ج 2 ص 158

9- أخرجه البخاري 2908 ومسلم 2307

10- صحيح مسلم 2312

11- أخرجه أحمد 13730 ؛ وابن خزيمة 2371

12- أخرجه بن حبان 4828 ؛ وأحمد 15304،

13- سير أعلام النبلاء ج 2 ص 563

14- أخرجه أحمد 16775 ؛ والبزار 3418،

15- أخرجه البخاري 6034 ؛ ومسلم 2311

16- موسوعة الأحاديث النبوية، فضائل الأعمال،

17- أخرجه البخاري 3137 ؛ ومسلم 2314

18- صحيح البخاري 6036 ؛ وأحمد 22825

19- صحيح البخاري 2820 ؛ ومسلم 2307

20- سنن الدارمي ج 1 ص 44

21- ألفية السيرة النبوية في نظم الدرر السنية ؛ للعراقي ج 1 ص 82،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.