شجاعته صلى الله عليه وسلم (13) منحة المولى
د. نبيلة الوزاني
شجاعته صلى الله عليه وسلم (13) منحة المولى
بقلم: د. نبيلة الوزاني
الشجاعة كما عرفها الجرجاني: هيئة حاصلة للقوة الغضبية بين التهور والجبن -1
والشجاع: الشديد القلب عند البأس -2…
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من الشجاعة بالمكان الذي لا يجهل فقد حضر المواقف الصعبة وفر الكماة الأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح .-3
قَالَ ابْنُ عُمَرَ: (مَا رَأَيْتُ أَشْجَعَ، وَلَا أَنْجَدَ، وَلَا أَجْوَدَ، وَلَا أَرْضَى مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.)-4
وَعَنْ أَنَسٍ: ( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، لَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاجِعًا، قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَاسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، وَالسَّيْفُ فِي عُنُقِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «لَنْ تُرَاعُوا»).-5
قوله صلى الله عليه وسلم: ( لم تراعوا ) أي روعا مستقرا أو روعا يضركم …قال النووي: وفيه فوائد: منها بيان شجاعته صلى الله عليه وسلم من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم، بحيث كشف الحال، ورجع قبل وصول الناس .-6
وقد قاد النبي صلى الله عليه وسلم المعارك وشارك في تسع غزوات بنفسه، وخاض غمارها، وأوذي في بعضها كما حدث في غزوة أحد حيث شج وجهه وكسرت رباعيته …
وَقَالَ عَلِيٌّ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: (إِنَّا كُنَّا إِذَا حَمِيَ الْبَأْسُ، وَيُرْوَى: اشْتَدَّ الْبَأْسُ، وَاحْمَرَّتِ الْحَدَقُ اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ، فَمَا يَكُونُ أَحَدٌ أَقْرَبَ إِلَى الْعَدُوِّ مِنْهُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ بَدْرٍ، وَنَحْنُ نَلُوذُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ أَقْرَبُنَا إِلَى الْعَدُوِّ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ بَأْسًا.
وَقِيلَ: كَانَ الشُّجَاعُ هُوَ الَّذِي يَقْتَرِبُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَنَا الْعَدُوُّ، لِقُرْبِهِ مِنْهُ ).-7
ويوم حنين، السنة الثامنة للهجرة، ثبت صلى الله عليه وسلم في وجه الآلاف من هوازن بعد أن تفرق الناس عنه، خوفا واضطرابا حيث أحاط بهم العدو في كمين محكم ، وأمطروا المسلمين بالنبال.
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: سَمِعَ الْبَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أَفَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ. ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبٌ»-8 وَزَادَهُ غَيْرُهُ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمَطْلَبِ».-9
قِيلَ: فَمَا رُئِيَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْهُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَغْلَتِهِ.-10
وَذَكَرَ مُسْلِمٌ عَنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ، وَالْكُفَّارُ، وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يُرْكِضُ بَغْلَتَهُ نَحْوَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِهَا أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَلَّا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ، ثُمَّ نَادَى: “يَا لِلْمُسْلِمِينَ... ” الْحَدِيثَ.-11
وقال ابن كثير في تفسيره بعد سياق هذا الحديث: “وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، أنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة، وليست سريعة الجري، ولا تصلح لفر ولا كر ولا هرب، وهو مع هذا يركضها على وجوههم وينوه باسمه، ليعرفه من لم يعرفه.-12
لقد كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مضرب الأمثال، ومحط الأنظار، فهو شجاع في موطن الشجاعة، قوي في موطن القوة، رحيم رفيق في موطن الرفق، صلوات ربي وسلامه عليه.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غَزَاة قِبَلَ نَجْد، فأَدركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القائلة في واد كثير العِضَاهِ (شجر فيه شوك)، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة فَعلّق سيفه بِغُصْن مِن أغصانها، وتفرّق الناس في الوادي يستظلون بالشجر .. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ رجلا أتاني وأنا نائم فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي، والسيف صَلْتا (مسلولا) في يده فقال: مَن يَمْنَعُكَ مني؟ قلت: الله، فشامَ السيف (رده في غِمْده)، فها هو ذا جالِس، ثم لم يعرِض له رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم. -13
قال ابن حجر في فتح الباري: “وفي الحديث فرط شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم وقوة يقينه، وصبره على الأذى، وحلمه عن الجهال”.-14
المصادر والمراجع :
1- كتاب التعريفات ؛ الجرجاني ص 125
2- القاموس المحيط ؛ الفيروزآبادي ج 1 ص 675
3- كتاب الشفا ؛ القاضي عياض ص 80
4- سنن الدارمي ج 1 ص 44
5- أخرجه البخاري 2908 ، وفي الأدب المفرد 303 ، ومسلم 2307
6-شرح النووي على مسلم ج 15 ص 454
7- أخرجه النسائي 8639 ، وأحمد 1347
8- أخرجه البخاري 4317 ومسلم 1776
9- م .س نفسه
10- صحيح مسلم 1776
11- صحيح ابن حبان رقم 7049
12- تفسير القرآن العظيم ؛ ابن كثير ج 4 ص 125
13- أخرجه البخاري 2913 ، ومسلم 843 ، وأحمد 14335
14- فتح الباري ؛ ابن حجر العسقلاني ، ج 7 ص