منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

لبيك اللهم لبيك… إجابة القلوب المؤمنة

البتول بلمودن

0

لبيك اللهم لبيك… إجابة القلوب المؤمنة

بقلم: البتول بلمودن

لبيك اللهم لبيك

ما أبلغها وأجملها وأعذبها من كلمة فصيحة حلوة رشيقة، تفيض حبا وإيمانا وتسليما:

” لبيك”: أربعة حروف بلسان عربي مبين قد رتبت في تأليف جزل لطيف، لتختزل في إيجاز عجيب مضمون ملايين الصفحات التي تحكي قصص الألوف المؤلفة من المؤمنين الذين جمعهم الشوق لبيت الله الحرام؛ سواء من تيسر لهم بفضل الوهاب الكريم بلوغه هذا العام، أو من لم يأذن لهم به بعد سبحانه وتعالى رب الأنام.

قال الكميت يبوح بحبه وحنينه:

 إليكمْ ذَوي آلِ النبيِّ تطلَّعَتْ * نوازِعُ من قلبي ظماء وألبب

لبيك اللهم لبيك

” لبيك”: أصلها في اللغة من لب ولبب، وهي تدل على معنيين أساسيين هما : اللزوم، والخلوص.[1]

فمن الأول ألب بالمكان إذا أقام به ولزمه ولم يفارقه. ومن الثاني اللب واللباب وهو خالص كل شيء وخياره وأجود ما ينتقى منه. والأصل في ” لبيك” لبا لك، نصبت على المصدر وأبدلت الباء ياء للتضعيف مثل: حمدا لله وشكرا.

والخلاصة أن قول القائل لغيره” لبيك” يعني: ملازم لطاعتك، ومخلص لك.

وحكي عن الخليل قوله:  ” لبيك” :إقبالا إليك ومحبة لك، من قولهم: أم  لَبَّة أي محبة وعاطفة، وأَنشد:

وكُنْتُمْ كأُمٍّ لَبَّةٍ، طَعَنَ ابْنُها … إِليها، فَمَا دَرَّتْ عَلَيْهِ بساعِدِ

لبيك اللهم لبيك

” لبيك” إجابة لأمر الله عز وجل إيمانا به ومحبة وطاعة له، وهو ما يقتضي لزوم بابه والوقوف عند حدوده كما يرتضي سبحانه وتعالى توخيا لموافقة الصواب والتحقق بالإخلاص.

وقد ثنيت ” لبيك” في ( لبيك اللهم لبيك ) لإفادة التوكيد فيكون المعنى: لبيك إلبابا بعد إلباب، يعني: إجابتي لك يا ربي إجابة بعد إجابة، إجابة مقيمة ثابتة.

ثم إن الحج هو الركن الخامس من أركان الإسلام فهو عبادة جليلة من لب هذا الدين، كما أن التلبية في الإحرام بالحج سنة على مذهب أكثر العلماء. وبهذا تأخذ تلبية الحجاج حظها كاملا من الجذر اللغوي.

قال  عمرو بن معدي كرب : لقد رأيتنا ونحن إذا حججنا نقول :

لبيك تعظيما إليك عذرا… هذي زبيد قد أتتك قسرا

 تعدو بها مضمرات شزرا… يقطعن خبتا وجبالا وعرا

قد خلفوا الأوثان خلوا صفرا

لبيك اللهم لبيك

من كل بقاع العالم، جاء الحجاج يلبون نداء الله رب العالمين، ويستذكرون بنود الميثاق الأزلي على ذات الأرض في أشرف مكان وأفضل زمان: بحب وصدق وعزم يرددون  ( لبيك اللهم لبيك) وهم يستحثون الخطى ويصعدون جبل عرفة ليقفوا هناك يدعون المولى الكريم بانكسار ويقين… ينادون بلسان الحال قبل المقال وقد تركوا وراءهم كل شيء، وأتوا راغبين طائعين لأمر رب السموات والأرضين الحي القيوم سبحانه الذي بيده ملكوت كل شيء.

لبيك اللهم لبيك

هناك في جميع البيوت الموحدة من كافة أنحاء الدنيا، مشهد يتكرر طيلة أيام الحج: أفئدة المسلمين كبارا وصغارا محلقة حول الشاشات معلقة بزيارة بيت الله رب الأرض والسموات، تتابع نقل الشعائر وتغالب لهفة المشاعر، يود الهائم المشتاق لو يعبر منها لحضرة الله اللطيف المغيث، يبثه وجع الشكوى ووله الحنين، يروي قصة الطوفان وأوجاع الغربة في الدين، يبكي ويتطهر من خذلان إخوتنا المظلومين،… يتوب ويجدد العهد ويقبل على الله رب العالمين، والقلب قبل اللسان يهتف ويردد في كل حين:

لبيك اللهم لبيك

لبيك يا من ذرأت الكون خلقا

لبيك يا من أرسلت يس طوقا

لبيك يا من أنزلت الذكر فرقا

لبيك يا من أردت الدين رفقا

لبيك اللهم لبيك تعلو غربا وشرقا

لبيك اللهم لبيك

لبيك ربي أرددها همسا ونطقا

لبيك ربي ما جرى الدم في دفقا

لبيك ربي ما نبض القلب وخفقا

لبيك ربي ما حمل الصدر شوقا

لبيك اللهم لبيك أرجوها حبا وصدقا

 لبيك اللهم لبيك

لبيك ربنا عفوك نبغي ورضا وعتقا

لبيك ربنا آتنا علما ونصرا ورزقا

لبيك ربنا زدنا للخير فعلا وعشقا

لبيك ربنا سقنا زمرا للجنة سوقا

لبيك اللهم لبيك وافتح لأمتنا فتحا أفقا

( لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك والملك. لا شريك لك .)


[1] ينظر ابن فارس، ” معجم مقاييس اللغة”، كتاب اللام، باب اللام وما بعدها في المضاعف والمطابق، مادة لب. وينظر الجوهري، ” الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ” فصل اللام، مادة لبب، وابن منظور، ” لسان العرب”، فصل اللام مادة لبب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.