في روضة القلب
د. أسامة حماد
قلب الإنسان هو الكائن الفريد الذي له ما ليس لغيره، وفيه ما ليس في الكون كله !!
كيان دقيقة لا يعرف كنهه سوى خالقه، ولا يخبر سره إلا الذي قدره، “إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد”
مكمن الإحساس وموطن الهوى، وموئل المشاعر، ولسان الجوى !!
له عيون كثيرة ترى ما لا تراه الأبصار، وله أفئدة تجل عن الحصر، تذوق وتشعر، وتحس وترى، وتفرح وتترح، وتسكن وتهلع !!
له حس دقيق يريه ما لا تقدر على رؤيته آلاف العيون، وتجري في أوديته أنهار مترعة بماء الشوق الذي ما إن يفيض ويتدفق إلا ويحول صاحبه إلى واحة ظليلة تختال فيها الزهور، وتمرح فيها الفراشات، وينداح منها الأرج والعبير !!
الكون كله مسرحه، يتحرك في أفلاكه، ويجول في فضاءاته، لا تحده فيه حدود، ولا تعوقه عن الوصول إلى غاياته سدود، يكبر ويتسع ويتمدد، كأنه السماء التي قال الله فيها:
“والسماء بنيناها بأيد وانا لموسعون”
غذاؤه الحب، وريه الود، وزاده التقوى، وصفاؤه ونقاؤه الصفح والإغضاء، وحياته وسعادته ذكر الله وبذل الخير !!
مكمن العقل وبيت الدراية وكعبة الدين، وسر الهداية ووقود الإيمان ومعقل اليقين !!
له منازل يتقلب في بروجها، وله سنحات يتأمل في وجوهها، كأنه عين الروح التي تتصل بالحق من أجل جهاته، أو كأنه قبلة الحق التي يأتم بها الأتقياء البررة في صلواتهم !!
إذا أحب، هيئ لتلقي الأنور، وإذا أبغض، كدرته العلل والأغيار !!
يكسو الوجه برونق من بهاه عندما تسطع فيه ومضة حب تشع الدفء من غرفاته، ويغمر النفس بسعادة لا تشتريها كنوز المناجم، ولا تقدر عليها درر البحار عندما يعشق !!
كوكب رباني مقدس، كأنه مهبط لملائكة السماء عندما تتنزل من عند الله بوحيه المطهر، أو معراج سماوي تهبط فيه الملائكة وتصعد !!
إذا استنار بحب الله أشرقت شمس نهاره، وسطع صبح نوره، وتحول إلى تهليلة تدوي في نفس سامعها، وتكبيرة تصله بالسماء !!
الله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد !!
لا يتسع الكون كله ليهتف بمجد الله، ويتسع القلب وحده حين يحب، ويكاد يقفز من الصدر سرورا عندما ينبض بالود !!
تعجز العقول عن نفسير معنى الحب، وتأويل أسراره، وشرح أخباره، ويفسره هو بنبضة واحدة محملة بشوق لحبيب طال غيابه، أو معشوق أدمى القلب بعاده !!
للحب سره المقدس الذي لا يعرفه إلا من اتصل بالله، ولا يذوقه إلا من خشع له وذاق الأنس به، ولا يقدر عليه إلا من قذف الله في قلبه حب عباده الصالحين !!