منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حياة (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

على ضفة نهر صاف، جلست القرفصاء، وأخذت تتأمل المكان المترامي الأطراف..أشجار متناثرة هنا وهناك، وأرض معشوشبة، وخلوات توقظ في النفس المشاعر، وتغري بأجمل الأحاسيس..
مدت رجليها في النهر، وأخذت تداعب مياهه الباردة، وتعبث بخصلات شعرها الناعم، والنسيم العليل يراود ثيابها الرقيقة فيكشف ما خفي بين الحين والحين..
تنهدت قليلا..ثم سرحت بخيالها بعيدا..
فيلا فخمة، بأثاث فاخر، ومسبح واسع، وحديقة واسعة غناء، وخدم وحشم باختصاصات محددة، وأوامر لا تنتهي..
حفلات في كل حين..حلويات ومشروبات بطعم الجنة وأطعمة لم تذق مثلها قط..أجسام نصف عارية..ضحكات..همسات..لمسات..كلمات رقيقة..نقاشات لا تفهم منها شيئا..موائد خمر وقمار..وظلام..
دنيا غير الدنيا..وحياة لا تشبهها حياة..
وعبارة يحفظها الخدم ويرددونها في المنام واليقظة: لا ارى..لا أسمع..لا أتكلم..

يلمحها من بعيد. في قمة الانوثة..يستحث الخطى..وحين يقترب منها، يخفف الوطء، ويتسلل بين الأشجار، كي لا تشعر بقدومه..
يقف قليلا خلف شجرة عالية، وافرة الظلال..يتأمل الجسد الملائكي، الذي تغير كثيرا منذ سفره إلى المدينة واصبح أكثر إغراء وجاذبية، والثياب الأنيقة التي لم ير مثلها على جسدي انثوي..
تقدم نحوها كثور هائج، وقبل أن تلتفت إليه، دفعها بكل قوته لتسقط في النهر..
صرخت بأعلى صوتها: أحمق! أحمق! أحمق!
لم يرد، بل انطلقت قهقهاته لتكسر الصمت المطبق على المكان..
نادته بكل جهدها، وهي تصارع المياه، تكاد تغرق:
ماذا فعلت يا أحمق!؟
نعم هي تعرف شقاوته ومداعباته المستفزة وتحرشاته المجنونة..كما تعرف مدى محبته لها وانجذابه نحوها..
لم يرد..
صاحت: انقذني يا أحمق..أنقذني..فإني لا أعرف السباحة..
لم يستجب لندائها..وظل يتفرج على المشهد بكل متعة واشتهاء..
انغمست في الماء..وانقطع الصوت..ثم هدأت المياه..فارتعد قلبه، وكاد ينقلع من شدة الخوف..ودون أن ينزع ثيابه، ارتمى في النهر كضفدع بري، وأخذ يجوب أرجاءه وزواياه، والفزع يكاد ينهشه.
صرخ باعلى صوته:
حياة!
لم تجب، ولم يعثر لها على أثر، فأيقن أنه قد هلك، وأنه قد ارتكب جرما لن ينسه أبدا..أعاد النداء مرة أخرى..انغمس في النهر..تابع البحث..دون جدوى..وقف وسط النهر..سرح بصره في كل زاوية..صرخ كالمجنون:
حياة..حياة..حياة!
وطال الصمت والترقب واشتد به الخوف والندم!

حجر كبير يسقط بقربه، فيهتز الماء، ويصيبه في وجهه..ويهتز معه قلبه وكل كيانه..
حجر ثان وثالث ..
يجول ببصره في كل مكام، فلا يرى شيئا..
حجر آخر وضحكات..ثم تظهر بملابسها المبللة..فيتنفس الصعداء، وتعود إليه الحياة من جديد..
يسرع إليها..يجثو على ركبتيه، ويقول: سامحيني..حياة..لم أقصد الإساءة..
تصرخ في وجهه: أنت أحمق..أحمق..صغير ومشاكس..
يقاطعها بكل توسل: معذرة..تعلمين كم أحبك..
تقول: الحب ليس هكذا..
يصمت ولا يجيب..
تقترب منه..وتنظر إليه نظرات مشتهاة..وتقول:ضمنني..
يصيح دون أن يشعر: ماذا..!؟
تردد: ضمني..إنني أرتجف من البرد..
يتردد..يمد يده..ويعيدها..
فتنهره بصوتها الرخيم: ضمني..ضمني.. كما يفعلون هناك.. في الفيلا..هيا..ضمني
يستحيي..تردد..يحجم..فتلصق جسدها بجسده..وتمسك دراعه وتضعها على كتفها والاخرى على خصرها..وتضمه بكل قوة..
ثم يسقطان على العشب..
يقول دون تردد:
لن تكوني لأحد سواي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.