منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ارحم ترحم

ارحم ترحم/ سعيد ضياء

0

ارحم ترحم

سعيد ضياء

عادت الصغيرة مريم من المدرسة تقول: أمّي …أمّي… الجوع يمزق أحشائي. قالت الأم وهي تحبس دموعها: حسنا بنيتي… انتظري قليلا، سينضج الطعام بعد قليل.

وضعت إناء الماء فوق النار-وكان هناك على الطاولة إبريق شاي صدئ قد شرب ماءه وبقيت حثالته-، فلما نضج الماء وتطاير في السماء بخاره، مدت يدها إلى علبة السكر الصفراء علّها تجد قطعة، لكنها فوجئت بالفراغ يملأ يديها المرتعشتين، فلم تجد بدّا من إرسال ابنتها إلى الجارة التي فوقها لتطلب منها قطعتي سكر تحلّي بهما الماء- وإن شئت قل الشاي-.

ذهبت الصغيرة إلى الجارة وقالت: “خالتي حليمة…  قالت لك أمي أعطني قطعتي سكر”.

لم تتردد الجارة الطيبة في إعطائها القطعتين. وما كادت الصغيرة تنزل، حتى تبعتها الجارة حليمة. دخلت كعادتها بغير استئذان… وصلت إلى المطبخ رمقت قطعتي سكرها الأبيض وهما تسقطان في الإبريق، وجارتها كلثوم ترسل خلفهما شلالا من حميم دمعها.

تكلمت السيدة حليمة وسألت بعفوية أحيائنا الشعبية المنسية المهملة إلا في حملات الانتخابات: ألم يبق عندك سكر يا كلثوم…؟ ألم يقم زوجك بالتسوق لشهر رمضان؟

كان السؤال خنجرا انغرز في موضع الجرح فآلم الفؤاد، وانفجرت ينابيع الدمع المنحبس فتناثرت بنات العين على الخدين كحبات البرَد، وتهتّكت الستور وانفضح المستور…

قالت كلثوم منتحبة: زوجي حمو عاطل منذ أشهر…  ولما دخل شهر رمضان لم يكن عندنا إلا بعض الدقيق والشاي والسكر…لكن قبل ثلاثة أيام نفِد الشاي … فكان إبريق الشاي هذا طعام إفطارنا وسحورنا لثلاث ليال… بل وكان طعام الصغار بالنهار… أترك الحسالة في الإبريق وأسكب عليها الماء وأضيف إليه السكر فلا يشعر الصغار إلا بحلاوته فيشربونه مع كسر الخبز…

لم أكن أريد أن يعلم بحالنا أحد…فشكواي لله الواحد الأحد… لكن اليوم نفِد السكّر كذلك، وأضحى الشاي مرّا كمرارة فقرنا وحاجتنا… فأبى الصغار شربه.

نحن نصبر والصغار لا يصبرون… نحن نستتر والصغار يفضحون.

عانقت السيدة حليمة جارتها الجريحة وبكتا معا وانتحبتا كأنهما في مأتم.

واقتسمت السيدة حليمة -بعد هذا المشهد الحزين- طعامها مع جيرانها، وأنا اقتسمت معكم آلام أسرة من أسر شعبنا…اقتسمت معكم مرارة حرمانهم، وغصّة قلوبهم.

يا أخي، هذه قصة من واقعنا المرير، هذه قصة من ملايين القصص التي تعجّ بها المجتمعات الرازحة تحت نير الحكم الجبري الغاشم. قصص تمزق القلوب وتفتت الأكباد، أبطالها رجال ونساء وأطفال صغار، كل ذنبهم أن جلاّديهم ساديون يتلذذون بتعذيب العباد، ولا يستطيعون العيش إلا في مستنقع الفساد والاستبداد.

قصص مثل هذه قد تجري أحداثها قريبا منك، على بعد أمتار عن يمينك، أو عن يسارك، أو فوق بيتك أو تحته، قد يكون بطلها أبوك أو أمك، أخوك أو أختك، عمك، خالك، جارك، أناس يتألمون ولا يصرخون، أناس لا يسألون الناس إلحافا…

أناس شعارهم: “جوعي في كرشي وعنايتي في راسي…”

أناس لا يبيعون ماء وجوهم مهما كان…

عجبا يا أخي لمن يصوم ولا يفهم غايات الصيام…

عجبا لمن يقوم في جوف الليل سائلا رحمة الله، وهو لا يرحم خلق الله…

أما علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الراحمون يرحمُهم الرحمنُ، ارحموا من في الأرضِ يرحمُكم من في السماءِ «.

يا أخي… من لا يَرحم لا يُرحمْ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.