لمَ لَم يستجب ربنا دعاء الملايين فينقذ ريان؟
لمَ لَم يستجب ربنا دعاء الملايين فينقذ ريان؟/ حسن اهضار
لمَ لَم يستجب ربنا دعاء الملايين فينقذ ريان؟
حسن اهضار
ليس من عادتي الخوض في هذه الأسئلة المحيرة لاعتبارات عدة أهمها: أن خطاب الشبهات أراه مشكلة نفسية أكثر منها معرفية. وما دفعني لطرحه الآن انتشاره في الفايس.. فأقول باختصار:
وما أدراك أنه لم ينقذه؟ فالعوارض التالية محاولة للإجابة على هذا السؤال:
1- الله سبحانه حكيم عليم، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
2- الحكيم العليم المَلِك يفعل ما يشاء في ملكه،
3- مواجهة الله بهذا النوع من الأسئلة وقاحة وسوء أدب مع الله، إذ هو تدخل في ملك الله وقدره.
4- مواجهة الله والقدر بهذا النوع من الأسئلة يستبطن تكبرا وجحودا؛ ( جحود كفر أو إلحاد أو بحث عن وهم الثغرات لتصفية حسابات، حسابات دافعها الظاهر نقد الخطاب الديني، ودافعها الباطن ممارسة العناد مع الخالق سبحانه..)، وذلك أن ترجمة هذا السؤال هي: يا رب إذا أردت أن أومن بك فلَبِّ طلباتي وإلا فسأكفر بك. وكثيرا ما حذّر القرءان من هذا التصور كقول ربنا: ” ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين” الحج:11.
وهنا يطمح المتكبر العنيد أن يقلب الأدوار فيجعل نفسه إلها وربه عبدا. تعالى الله ربنا عن ذلك علوا كبيرا. إذ هذه نتيجة من يريد من الله الخالق أن يكون له تابعا ملبيا الرغبات لا غير. متناسيا أن عبادة الله استجابة لحق الخلق، وأن العبادة ترجمة لمحبة الله دواما وإخلاصا. ودوام الدعاء لله ليس طلب رغبات فحسب، بل هو اعتراف بالفقر لله والحاجة إليه، فعلى العبد العبادة والدعاء (والدعاء مخ العبادة). أما سؤال الاستجابة فيتركه للحكيم القدير إيمانا بأنه وهاب لا يضيع عباده، وتأدبا مع خالقه سبحانه.
5- معضلة الشر والألم في الدنيا أكبر من هذا التصور الضيق للإنسان؛ فالحياة ابتلاء ومحن، والابتلاء ضريبة الحرية/ الإرادة التي كرّم الله بها بني آدم. لكنه مخلوق جاحد ” ينسى أنه ينسى” بتعبير طه عبد الرحمن في روح الدين. نعم إن الابتلاء مؤلم تهتز له القناعات والتصورات، خاصة جانب الشر فيه، وإن كان الابتلاء بالخير أشد بسبب عدم انتباه الانسان له فيركب الغفلة تذروه رياح الغرور..
فالابتلاء سنة الله في الخلق (وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) الأنبياء:35.
والنظر المتشنج للابتلاء – من ذلك سؤال/ عنوان المقال- مسكون بنزعة دهرانية خفية؛ أي اعتبار الدنيا هي الحياة فقط، فينتج عنه تغييب شطر ممتد في مشهد الرواية/ الصورة/ الحقيقة. قال ربنا: ” وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون” العنكبوت:64. فالإنقاذ في التصور الدهراني هو أن أبقى حيا بالمعنى البيولوجي للحياة. لأنه يرى الموت نهاية الرواية وانقطاع الكهرباء عن مشاهد الدراما الوجودية. والحقيقة غير ذلك؛ وما هذا التصور المعطوب إلا اختزال للبقاء في تمثل دهراني ضيق.
6- البقاء غير محدد بما تشتهيه الغرائز من دوام حياة عابرة. فالموت محطة لا ينجو منها إلا خالقها وهو الحي القيوم سبحانه. والبقاء الحق في الدنيا هو الذكر الحسن الناتج عن هداية وعمل خير، وفي الآخرة الفوز برضى الله وجنته.
وللإنقاذ من بلوى وفتنة صور كثيرة لا يعلم اللائق منها إلا الحكيم سبحانه. إذ يحتمل الإنقاذ: استمرار الحياة مدة معينة، أو الإنقاذ من شر أشد إيلاما مما نراه الآن (كإعاقة مؤلمة للمصاب، أو فتنة أشد..) والإنقاذ من نار جهنم بأن يجنب ربنا عبده أسبابها. ويحضرنا هنا قصة العبد الملهم الخضر حين قتل الغلام فعارضه النبي موسى عليهما السلام؛ فقد ألهم ربنا الخضر أن الغلام سيفتن نفسه ووالديه، وقدّر الله أن يوقف الخضر تلك الفتنة.. وقد يكون: تحولا كبير يعقب البلوى فتصير سببا لفتح رباني لعباده، كصلح مريح، أو إحياء فضائل أوشكت أن تندثر وغيرها من الفضائل والحكم. ورحم الله القائل:
تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد … لنفسي حياة مثل أن أتقدما
7- فلسفة القدر جزء من سنن الله في الخلق؛ ومن يُسأل عن تبعات القدر هو الإنسان لا الإله الخالق، أي يُسأل الإنسان إذا فرط في الأخذ بالأسباب، أما النتائج والمآل فمتروكة لحكمة المتعال.
أختم بأن من تزعجه هذه الأسئلة بحاجة لعلاج روحي تربوي أكثر من حاجته للعلاج المعرفي، وعيادته – إن كان مستعدا لذلك- الذكر والقرآن ومجالسة الصالحين، فمجالستهم بلسم الحيرة، ونزع شهوات الشبهة، وهذا ما كانت تقوم به المساجد والمشايخ والزوايا.. فجاءت العولمة بمكنسة إبعاد الفضائل..
فاللهم الطف بنا وأحسن عاقبتنا وألهمنا الحكمة والرشاد في أمرنا، وارحم يا رب عبادك.