أريكي لا قرآني
بقلم: حسنة مصطافي
اصطفى الله عز وجل سيدنا محمدا صلى الله عليه ليكون خاتم الرسل، فأنزل عليه القرآن الكريم مصدقا لما سبق من الكتب ومهيمنا عليها، وأمره أن يبينه للناس فقال تعالى:﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾[النحل: 44]، وهذا البيان يشمل اللفظ والمعنى.
ويُقصد ببيان اللفظ تبليغ القرآن إلى الأمة كما أنزله سبحانه وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم وعدم كتمانه، يقول سبحانه وتعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ [المائدة: 67]، أما بيان المعنى فيكون بتوضيح المجمل وتخصيص العام وتقييد المطلق وبيان ما استشكل فهمه، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم أو فعله أو إقراره؛ “فالرَّسُولُ ﷺ مُبَيِّنٌ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مُرَادَهُ مِمَّا أَجْمَلَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُفَصِّلْهُ”[1]
وقد اعتمد المسلمون السُّنة، واحتج بها العلماء وأوجبوا العمل بها متى صحّت وثبتّت نسبتُها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلوا جهودا عظيمة منذ زمن الصحابة لحفظها من كل تحريف وبينوا الموضوع من الصحيح وبالغوا في التحري والاحتياط في روايتها ووضعوا لذلك قواعد وضوابط لقبولها، وما هذا إلا دليل على مكانتها وأهميتها في التشريع الإسلامي.
إلا أنه قد ظهر من يزعم أن الإسلام هو القرآن وبه يُحتج فقط؛ فشنها حربا على السنة النبوية بإثارة الشبهات وبث الشُّكوك بين المسلمين والعبث بعقولهم، بدعوى الاكتفاء بكتاب الله لأنه فيه بيان ما يُحتاج إليه في أمور الدين، وسمى نفسه قرآنيا لأنه متَّبع لما في القرآن دون غيره بمعنى آخر نفى عن السنة حجيتها وإلزاميتها.
فهل يصلح أن يسمى بالقرآني وقد رد السنة مطلقا؟ وما خطر هذه الدعوى على الإسلام؟ وكيف يمكن الرد على هذه الفئة؟
اختارت هاته الفئة التي ترُد السنة مطلقا اسم “القرآنيون”، بدعوى أنها لا تحتكم إلا إلى القرآن الذي يُغْني بنفسه عن أيِّ شيء لقوله تعالى: عز وجلّ:﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْء ﴾[سورة الأنعام :38]، وَقَوْلِهِ:﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء ﴾[النَّحْلِ: 89]، وقد ذهب أغلب العلماء أن المقصود بالكتاب في آية الأنعام “اللوح المحفوظ فإنه أثبت فيه ما يقع من الحوادث، وقيل: أي في القرآن أي ما تركنا شيئا من أمر الدين إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يتلقى بيانها من الرسول عليه الصلاة والسلام… فصدق خبر الله بأنه ما فرط في الكتاب من شيء إلا ذكره، إما تفصيلا وإما تأصيلا”[2].
ورَدُّ السنة والقول بالاكتفاء بما جاء في القرآن من أحكام، مما تنبّأ به الرسول صلى الله عليه وسلم وحذر منه قائلا: “لا ألْفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه”[3]، “وأراد بهذه الصفة أصحاب الترفه، والدعة، الذين لزموا البيوت، وقعدوا عن طلب العلم”[4]، فوصف “أريكيون” أولى بهم من وصفهم “قرآنيون” وهم من هذا النعت براء، فلو كانوا قرآنيين حقا لما أنكروا ما فرض الله اتِّباعه في القرآن، وعنهم قال ابن مسعود رضي الله قال: ” فإنه سيكون في آخر هذه الأمة أقوام، يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد تركوه وراء ظهورهم”[5]
ونصوص القرآن صريحة في وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مطلقا فيما يأمر وفيما ينهى، ومن ذلك قوله تعالى:﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ﴾ [الحشر: 8 ]، وقوله عز وجل: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾[المائدة:92]، وحذرت آياته من مخالفته صلى الله عليه وسلم؛ يقول الله تعالى: ﴿{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾[النور:63]، و آيات أمرت بالتأسي به واتباعه ومحبته رجاء نيل محبة الله ورضوانه ومغفرته، قال تعالى: ﴿قد كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:21]
وبذور هذه الضلالة وهذا الفهم السقيم، ليس وليد اليوم، وإنما ظهر قديما، مند عصر الصحابة، فعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه، أنهم تذاكروا عنده الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل عند عمران بن حصين: دعونا من الحديث، وهاتوا كتاب الله تعالى، فقال عمران بن حصين: «إنك لأحمق، أتجد في كتاب الله الصلاة مفسرة، في كتاب الله الصيام مفسر؟، الكتاب أحكمه والسنة فسرته”[6].
وعن أيوب السختياني أن رجلاً قال لـ مطرف بن عبد الله بن الشخير: “لا تحدثونا إلا بما في القرآن، فقال له مطرف: إنا والله ما نريد بالقرآن بدلاً، ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا، وهو النبي صلى الله عليه وسلم”، وعنه أيضاً قال: “إذا حدثت الرجل بسنة، فقال: دعنا من هذا وأنبئنا عن القرآن، فاعلم أنه ضال.”[7]
وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى محرماً عليه ثياب، فنهى المحرم، فقال: ائتني بآية من كتاب الله تنزع ثيابي، فقرأ عليه:﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾[الحشر:8].[8]
والملاحظ في هذه النماذج وغيرها، أن هذا الفهم القاصر والموصوف بالحمق والضلال كانت بدايته عند أفراد قلة، وكان يعالج في حينه بالرجوع إلى القرآن نفسه وإلى بعض الأحكام المفصلة في السنة والمجملة في القرآن، إلا أن خطر هذا الادعاء الضال بدأ يشكل خطرا عندما تبنته فرق ونافحت عنه خدمة لمصالحها وتماشيا مع أفكارها، فانبرى العلماء للرد على هذه الفئة وبيان ضلالها فألفوا في ذلك، وكان الإمام الشافعي ممن فصل القول وأصّل لحجية السنة، ورد على الطائفة التي ردت الأخبار كلها، وعلى من رد خبر الواحد، ولم يخلُ زمن من العلماء الجهابذة الذين وقفوا في وجه هذه الأباطيل وبينوا زيفها وضلالها.
وبعد أن خفت ذكر هذه الفرق فترة من الزمن، رجع هذا الفكر المنحرف للظهور عندما تبنته فرق وُلدت من رحم الاستعمار وصُنعت على عينيه من أجل هدم الإسلام وتقويض أركانه، وبدايته كان من الهند لينتشر في باقي الدول الإسلامية على يد بعض البعثات العلمية التي ولجت الجامعات الغربية فرجعت مشبعة بالفكر الغربي الاستعماري المعادي للإسلام وكذلك على يد بعض المستشرقين الذين درسوا في الجامعات العربية فبثوا سمومهم في الأوساط الطلابية وأنتجوا أتباعا ينعقون بنعيقهم.
ويكمن خطر هذه الطائفة في كونها تتدثر بغطاء الإسلام وتُظهر حرصها وغيرتها عليه، وتنتسب إلى القرآن قصد التمويه والتضليل خدمة لأهدافها في تفكيك وحدة المسلمين وإضعاف شوكتهم لاستئصالهم ، فهي من وكلاء الاستعمار وخُدامه، اتخذوا إنكار السنة ذريعة لتأويل القرآن حسب أهوائهم، وقد أجمع العلماء على أن كل من أنكر السنة كمصدر للتشريع وردها مطلقا فهو كافر مرتد، لإنكاره معلوماً من الدين بالضرورة. يقول السيوطي: “فاعلموا رحمكم الله أن من أنكر كونَ حديث النبي صلى الله عليه وسلم قولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول حجةً، كفر وخرج عن دائرة الإسلام، وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء من فرق الكفرة”[9]
ولقد تضافرت جهود العلماء منذ زمن الصحابة لتبليغ السنة لفظا ومعنى، وتمييز الصحيح من السقيم، وبيان الموضوع على النبي صلى الله عليه وسلم، ليكون المسلم على بينة من أمره، ولا يزال الأمر يحتاج إلى الاجتهاد في الدفاع عن السنة وإزالة الشبهات التي تثار حولها والتصدي للهجمات والحملات المغرضة التي تريد النيل من الإسلام بتعكير منابعه والتشكيك في أصوله، ولا بد من تكثيف الجهود وتوحيدها واستثمار ما تتيحه وسائل الإعلام بشتى أنواعها لتقريب السُّنة من المسلمين تبليغا وتعليما وإحيائها بإحياء محبته صلى الله عليه وسلم ونصرته في قلوبهم.
[1] الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية –القاهرة، ط: 2(1384ه-1964م)، 10/ 109
[2] الجامع لأحكام القرآن، 6/ 420
[3] أخرجه أبو داود(4605)، والترمذي (2663)، والحاكم في المستدرك (1 / 108) وقال: صحيح على شرط الشيخين وأقره الذهبي، وأخرجه: أحمد (23861)، وابن ماجه (13)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2342)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (50).
[4] شرح السنة، أبو محمد الحسين البغوي، تحقيق: شعيب الأرناؤوط -محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي -دمشق، بيروت، ط: 2 (1403ه-1983م)، 1/ 201
[5] مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، السيوطي، الناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، ط: 2(1409ه-1989م)، ص: 50
[6] الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، تحقيق: عادل بن يوسف الغرازي، الناشر: دار ابن الجوزي – السعودية، ط:2 (1421ه)، 1/ 236
[7] – مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، ص:35-36
[8] الشريعة، أبو بكر الله الآجُرِّيُّ، تحقيق: عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر: دار الوطن – الرياض، ط: 2 (1420ه-1999م)، 1/ 418.
[9] مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة، ص: 5