منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحج والمنافع الاقتصادية/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق

الحج والمنافع الاقتصادية/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق/ الدكتور حسن محمد أحمد محمد

0

الحج والمنافع الاقتصادية/المنهج الاقتصادي في السيرة النبوية، النموذج والتطبيق

الدكتور حسن محمد أحمد محمد

 

يمكنكم تحميل الكتاب من الرابط التالي: 

“الاقتصاد الإسلامي وأثره في ترسيخ مفاهيم وقيم العدالة الاجتماعية”

لسنا هنا في مقام الحديث عن الركن الخامس في الإسلام في صورته الروحية والتعبدية، وعدم تطرقنا لهذا الجانب يتأتى من أن هذه الدراسة تريد أن تسلط الضوء على الجانب الاقتصادي في حياة رسولنا الكريم، صلى الله عليه وسلم. قال تعالى:

(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) الحج: 27-28.

جاء في تفسير ابن كثير لقوله تعالى (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ): قال ابن عباس:(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)، قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله تعالى، وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من منافع البدن والذبائح والتجارات، … أنها منافع الدنيا والآخرة كقوله (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) البقرة: 198[1].

وكذلك جاء في تفسير السعدي (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)، أي لينالوا ببيت الله منافع دينية من العبادات الفاضلة والعبادات التي لا تكون إلا فيه ومنافع دنيوية من التكسب وحصول الأرباح الدنيوية[2].

وأيضا في تفسير الإمام الطبري، وأولى الأقوال بالصواب قول من قال عني بذلك (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ)، من العمل الذي يرضي الله والتجارة، وذلك أن الله عم لهم منافع جميع ما يشهد له الموسم ويأتي له مكة أيام الموسم من منافع الدنيا والآخرة[3].

وفي أحكام القرآن للجصاص: قال الله عقيب ذكر الحج والتزود له، (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) البقرة: 198[4]، يعني المخاطبين بأول الآية وهم المأمورون بالتزود للحج وأباح لهم التجارة فيه، وروى أبو يوسف …، قال: قلت لابن عمر إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزي من حجتي؟ قال: ألست تلبي فتقف وترمي الجمار؟ قلت: بلى، قال: سأل رجل رسول الله،  صلى الله عليه وسلم،  عن مثل ما سألتني فلم يجبه حتى أنزل الله هذه الآية، (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ)، فقال  صلى الله عليه وسلم: أنتم حاج. …، قال ابن عباس: كانت ذو المجاز وعكاظ متجرا للناس في الجاهلية فلما كان الإسلام تركوا حتى نزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ) في مواسم الحج[5].

لا شك أن الحج يمثل واحدًا من أعظم وأكبر التجمعات البشرية في هذا الوجود، ومن المعلوم عن الحركة الاقتصادية أنها تنمو وتزدهر بالبيع والشراء والتبادل التجاري، وهذا العمل لا يتم إلا في ظل وجود الكثافة البشرية، وبذلك تتطور القرى الصغيرة وتظهر مكانها المدن العمرانية، وكانت مكة المكرمة تعرف باسم أم القرى ؛ يقول تعالى:

(وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) الأنعام: 92.

وليست هناك من منقصة تصيب الحجيج، وغيرهم، ولا يعيبهم في شئ أن يضيفوا لفوائد الحج الروحانية فوائد دنيوية أخرى في نفس الوقت، ليستفيدوا من هذه الكثافة البشرية في استثمار الأموال والكسب الحلال، قال تعالى:

         (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) البقرة: 275.

وإذا نظرنا إلى الحج كشعيرة تعبدية، نجد أنها لا تستغرق وقتًا طويلاً فهي عبارة عن أيام معدودة، أي محددة وقليلة، قال تعالى:

(وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) البقرة: 203.

(وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) الحج: 28.

أما حينما يكون الحديث عن الفترة الزمنية للحج، فالأمر يختلف، إذ تتحول تلكم الأيام المعدودة والمعلومة إلى أشهر معلومات، قال تعالى:

         (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) البقرة: 197.

إن الفترة الزمنية الطويلة للحج، والتي تمتد من شهر شوال حتى الانتهاء من أداء فريضة الحج وشعائره في العاشر من شهر ذي الحجة، تعتبر فترة ليست بالقصيرة، ولا شك في أن طول هذه المدة الزمنية للحج يسترعي الانتباه ويلفت النظر إلى الجانب الذي هو على قدر عال من الأهمية، وهو الجانب الاقتصادي في هذه الشعيرة الدينية والروحية، فكلما امتدت المساحة الزمنية، للحجيج، في موسم الحج، ازدادت الفوائد الاقتصادية للحاج ولغير الحاج، أيضًا، فكلاهما تعود عليه الفوائد المعنوية والحسية المادية من خلال التبادل التجاري واكتساب المعلومات والخبرات التجارية ..، وتتجلى عظمة الاقتصاد ومكانته في الإسلام في اختيار يوسف، عليه السلام، أن يكون مسئولاً عن موارد الدولة المالية، أي بمثابة وزير مالية في عصرنا هذا، وذلك بعد أن انقضت محنته وخرج من السجن، قال تعالى:

(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ * قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) يوسف: 54-55.

كذلك طلب سيدنا سليمان، عليه السلام، ملكًا لا ينبغي أن يكون لأحد من بعده، والملك والسلطان لا يقومان بغير المال والقوة الاقتصادية، قال تعالى:

(قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) القصص: 35.


[1]/ تفسير ابن كثير ج3/ص217.

[2]/ تفسير السعدي ج1/ص537.

[3]/ تفسير الطبري ج17/ص147.

[4]/ تفسير ابن كثير ج3/ص217.

[5]/ أحكام القرآن للجصاص ج1/ص386.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.