منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هدي الصحابة والتابعين في استقبال شهر رمضان

يحي ملوك

0

هدي الصحابة و التابعين في استقبال شهر رمضان

بقلم: يحي ملوك

مقدمة:

 إن قدوم رمضان الأبرك هو موسم للبشرية قاطبة و دعوة لكل ذي عقل أن يتأمل في محتواه. ولعل النظام الذي يفرض فيه الالتزام يقتضى من الفرد كما هو بالنسبة للجماعة أوالدولة أن يسير وفق ما هو مرسوم فيه من تعاليم تتعلق بهذا الخصوص. وإن كان هناك تفاوتا كبيرا بين الأفراد أنفسهم وبين الأفراد والدولة يصل الى أن الدولة في واد والشعب في واد اخر، وذلك لسبب بسيط هو غياب المنهاج النبوي. لذلك ارتأيت استحضار الرعيل وكذا التابعين مع تأسيهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، و كيف أنهم كانوا يأخذون النفس ويمسكونها من تلابيبها وتمريغها في طاعة الله مرغمة تارة ومستسلمة أخرى بفضل الصحبة و الذكر والصدق.

المحور الاول: آيات القران وأحاديث نبوية

1- قران:

 يقول عزمن قائل في حق رمضان: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } البقرة 185. فأهمية الصيام ليست في الانقطاع عن الأكل و الشرب بل في نزول القرآن. لقد كان كتاب هداية بالدرجة الاولى تحقق من خلاله أكبرعملية تغيير شهدها التاريخ.

2-حديث:

 قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ‌يبشر ‌أصحابه:

أتاكم شهرُ رمضانَ، شهرٌ مبارَكٌ، فرض اللهُ عليكم صيامَه، تفتحُ فيه أبوابُ الجنَّةِ، و تُغلَق فيه أبوابُ الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ، وفيه ليلةٌ هي خيرٌ من ألف شهرٍ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ -1

ان مصطلح الفرض الوارد في الحديث يشي بأن الأمر له غاية ينبغي أن تفهمها البشرية من خلال هذا التدبيرالإلاهي في أرضه وسمائه. وهي علو أوامره لأن فيها الخير كله.

3- إدراك أهمّية شهر رمضان:

 حكم الصيام كونه مفروضا شهرا في السنة، يستأنس بالصلاة المفروصة على طول الوقت،وكأنها تساهم في تطهير المؤمن مماعلق به من أدران جمعها وهو يكدح جاهدا من أجل ازالتها. قال أحدالسَّلَف:2

 “الصلاة تُوصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يُوصله إلى باب الملك، والصدقةُ تأخذُ بيده، فتدخلهُ على الملك”.

4- سباق كان رمضان صاحب الفضل لصاحبه

 يجدر بالمسلم الاستعداد لشهر رمضان قبل دخوله؛ فبلوغ شهر رمضان بحَدّ ذاته من نِعم الله -تعالى- على عباده، والله لا يردّ عبده المُقبل عليه، والراغب بالتقرُّب منه، يُؤيّد ذلك ما رُوِي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: (كان رجلانِ من بَلِيٍّ حَيٍّ من قُضاعةَ أسلَما مع النبيِّ صلَى اللهُ عَليهِ وسلمَ، واستُشهد أحدُهما، وأُخِّر الآخَرُ سَنَةً، قال طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ: فأُريتُ الجَنَّةَ، فرأيْتُ المؤخَّرَ منهما، أُدخل قبل الشهيدِ، فتعجبتُ لذلك، فأصبحْتُ، فذكرْتُ ذلكَ لِلنَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، أو ذُكر ذلِك لرسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أليسَ قد صام بعدَه رمضانَ، وصلى ستةَ آلافِ ركعةٍ، أو كذا وكذا ركعةً صلاةَ السَّنَةِ)،3

المحور الثاني: الصحابة و الاستعداد الدائم

1- التوبة:

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكُمُ السَّمَاءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ، لَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ” 4

فالصحابة رضوان الله عليهم كانوا لا يستسلمون الى أعمالهم الكثيرة بل يسارعون الى الرجوع الى الله مع التوبة وذلك مثال لقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} النساء:17]

2- تأخير قضاء رمضان الى شعبان

 متن الحديث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يكون علي الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان». الشرح: هذا الحديث أخرجه البخاري واللفظ له، ورواه مسلم وفيه «الشُّغل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو برسول الله صلى الله عليه وسلم». وموضوع هذا الحديث: حكم تأخير قضاء رمضان؟ وفيه فوائد كثيرة منها: جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، وأن هذا القضاء على التراخي، فيجوز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، إلا أن الأولى أن يبادر الإنسان بالقضاء وقضاء ما عليه. فالقضاء يجب على التراخي، فيجوز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، إلا أنه لا يجوز على المسلم والمسلمة تأخير القضاء إلى أن يأتي رمضان الثاني، والمبادرة بالقضاء أولى، لأن عائشة -رضي الله عنها- اعتذرت بكونها لا تستطيع. وأيضاً: تأخير القضاء إلى رمضان الثاني، بعض الناس قد يمر عليه رمضان ورمضان ورمضانات خاصة من النساء، ولا يقضي وهذا حرام، لأن عائشة -رضي الله تعالى عنها وأرضاها- جعلت شعبان هو الغاية، قالت: «فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان». ومن الفوائد: الاعتذار عن فعل الأولى لدفع التهمة عن النفس، ولئلا يقتدي به أحد، فعائشة اعتذرت عن هذا مع أنه خلاف الأولى لتدفع التهمة فقالت: فما استطيع أو لمكان النبي صلى الله عليه وسلم مني أو مثل هذه الأعذاروفيه فضل عائشة -رضي الله عنها وأرضاها – الصديقة بنت الصديق، ومكانة هذه الصحابية الجليلة أم المؤمنين عند النبي صلى الله عليه وسلم، وحسن عشرتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم،. 5

3- الإكثار من الصيام في شهر شعبان:

 كان الصحابة رضوان الله عنهم يتبعون النبي صلى الله عليه وسلم في ما يقوله ويحث عليه من الخيرات. وقد كان سلوكا راسخا فيهم.وقد كان النبيّ -عليه الصلاة والسلام- يُكثر من الصيام في شعبان؛ عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو ‌شهر ‌ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (أخرجه النسائي)

4- دعاء سيدنا عمر بن الخطاب استعدادا لرمضان

 ومن الأدعية الواردة عن الصحابة في الاستعداد لشهر رمضان ما كان يدعو به عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه- قائلاً:
(اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وَآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَأرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا) 6….طلب الزيادة والعطاء من الخير مع العلم بقصور العبد وعدم إحاطته بالمصالح، فقد يتصور العبد الأمر على خلاف ما هو عليه فيظن الزيادة في أمر معين نافعة له ويكون الأمر بالعكس، ومن ثم ختم الدعاء بقوله: وأرضنا وارض عنا. 7

5- رصد الهلال:

 كان الصحابة -رضوان الله عنهم- يتراءون هلال شهر رمضان، اذ تعتبر سنة مختفية في هذا الزمن. تراءى الناس الهلال هي سنة البحث عن الهلال، اذ كان الصحابة بجبلتهم التي اعتادوها كانوا يتشوقون وصول رمضان لتشويقهم اليه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

المحور الثالث: التابعون والاستعداد لرمضان

1- الإكثار من قراءة القرآن:

 كان يقال حينما يحل شهر شعبان: “هذا شهر القُرّاء”، وكان زُبيد اليامي يجمع الصحابة -رضي الله عنهم-؛ يتنافسون في تلاوة القرآن الكريم، وخَتْمه أكثر من مرّةٍ. وقراءة القران أكثر من مرة تهيئة للنفس المؤمنة كي تضاعف جهودها من أجل جعل القران الكريم في شهر رمضان هو الشغل الشاغل وهو الذي ينال حصة الاسد من الاهتمامات المطلوبة في هذا الشهر الكريم.

2- الإكثار من النوافل:

 يقول الامام عبد السلام يس في كتاب:8 (فإذا تم الفرض أركانا وخشوعا صح النفل. إذا علم هذا كان حرصه على النوافل أقوى من داعي الاقتصار على الفرائض.

يطلب إلى المؤمن أن يحافظ على السنن الرواتب، والوتر من آخر الليل، ولا يترك أن يقرأ كل ليلة بالآيتين من آخر البقرة للحديث الوارد في ذلك. وصلاة الضحى. والكيس من واظب على صلاة الاستخارة يوميا يتخذ به عند الله عز وجل وسيلة ليلهمه رشده في كل أمر. ولا بأس من المواظبة على صلاة الحاجة لإبداء الافتقار إليه سبحانه والاعتماد عليه).

المحور الرابع: أعمال طوعية وسلامة صدرية

1- الجود والكرم:

 إن من الجود أيضاً في هذا الشهر الكريم: الجود بالصبر والاحتمال والعفو.وكذلك فإن الإيثار كان علامة من علامات الصالحين وسيماهم في هذا الشهر، وكم آثر منهم الفقير بطعام فطره يطرق الباب يقول: مسكين، فيقول ابن عمر: أعطوه طعاماً، يقولون: ما عندنا إلا إفطارك، يقول: أعطوه إياه.

2- إطعام الطعام:

 ذلك من أعظم أبواب الخير، وقد حثّ عليه النبيّ -عليه الصلاة والسلام-، وكان عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: “لأن أجمع ناساً من أصحابي على صاعٍ من طعامٍ، أحبّ إلي من أن أخرج إلى السوق فأشتري نسمة فأعتقها”.9

3 سلامة الصدر:

 الإقبال على الله وحده في شهر رمضان، والانشغال به وحده، أمّا الشحناء والبغضاء بين الناس فهي تُؤدّي إلى عدّة آثارٍ سيّئةٍ؛ فهي من أسباب عدم قبول الله -سبحانه وتعالى- لأعمال العباد، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال:فْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الإثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا. 10. فاذا تفحصنا في مجتمعاتنا فان الغالب في العلاقات وجود ضغائن في نفوس الأفراد ناتجة أغلبها عن مشاكل مالية. لذلك ينبغي للفرد المؤمن أن يعالج هذا الأمر وتسويته قبل الانتقال الى الدار الآخرة.

4-الحَمْد والشُّكر:

 قال الإمام النوويّ -رحمه الله- في 11: “اعلم أنّه يستحبّ لمن تجدّدت له نعمةٌ ظاهرةٌ، أو اندفعت عنه نقمةٌ ظاهرةٌ، أن يسجد شُكراً لله -تعالى-، وأن يحمد الله -تعالى-، أو يُثني عليه بما هو أهله”، كما أنّ الشُّكر من أسباب زيادة النِّعَم، قال تعالى: {وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذابي لَشَديدٌ} سورة ابراهيم اية 9

المحور الخامس: الاستعداد لخوض المعارك

 إن الصحابة والتابعين كانوا على أتم الاستعداد لخوض المعارك التي كانوا يتوقعون حدوثها باعتبار أن الاسلام مستهدف في كل وقت وحين. لذلك وقعت معركة بدر و فتح مكة وعين جالوت وغيرها. والآن تخوض الأمة حربا لا هوادة فيها في فلسطين المحتلة. وقد لقنت المقاومة في فلسطين يهود هذا الزمان درسا لا ينسوه في طوفان الأقصى. وقد استمرت الحرب ما يقرب من 15 شهرا في حرب غير متكافئة في العدة والعتاد.لكن الله جلت قدرته غالب على أمره.
خاتمة

 ما أسرع الأيام في مسارها. وما أعظم الأيام الفضلى حين مرورها. وما أسعد المومن في استثمارها. و بخاصة تلك التي قال عنها الله جل وعلا و هو يتحدث عن أعظم ليلة في أيام السنة: { ليلة القدر خيرمن ألف شهر } سورة القدر.


المراجع:

1*الراوي: أبو هريرة | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الجامع

الصفحة أو الرقم: 55 | خلاصة حكم المحدث: صحيح

2 * كتاب لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف – ط ابن حزم

[ابن رجب الحنبلي ص 167

3 * الموسوعة الحديثية الراوي: طلحة بن عبيدالله | المحدث: أحمد شاكر | المصدر: تخريج المسند لشاكر | الصفحة أو الرقم: 2/370 | خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح | التخريج: أخرجه ابن ماجة (3925)
4* الامام عبد السلام يس كتاب شعب الايمان الجزء الاول ص 247 الحديث 5 أخرجه ابن ماجه، كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، رقم: 4248. وهو حديث حسن.

5* موقع طريق الاسلام على الانترنت.

6 * رواه أحمد شاكر، في مسند أحمد، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 1/124، إسناده صحيح.
7* اسلام ويب – الفتوى
8* كتابه المنهاج النبوي بربية و تنطيما و زحفا ص 180

9* كتاب ماذا نريد من رمضان ص13مجدي الهلالي

10 * رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم: 2565، صحيح

11 * كتاب الأذكار النووية المكتبة الشاملة، ص 297

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.