منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

يا معشرَ العربِ هذا جَدُّكم الذي تنتظرونَ

يا معشرَ العربِ هذا جَدُّكم الذي تنتظرونَ / د. خديجة السني

0

يا معشرَ العربِ هذا جَدُّكم الذي تنتظرونَ

د. خديجة السني

         جملة واحدة من سبع كلمات لخصت لنا حال رسول الله مع أمته، وحال أمته معه صلى الله عليه وسلم. جملة أنطق الله بها يهوديا ليستنهض بها المسلمين للخروج لاستقبال نبيهم الذي طالما انتظروا وصوله.

روى سيدنا البخاري عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها  أن المسلمين بالمدينة سمعوا بمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يغدون إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الشمس. فانقلبوا يوما، فأوفى يهودي على أطم فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، …. فلم يملك اليهودي أن صاح، يا معشر العرب، هذا جدكم الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوه بظهر الحرة،..”[1]

         – فرسولنا الكريم هو جدنا هو كبيرنا، هو عظيمنا في كل شيء علما وعملا ومعاملة وأخلاقا . وقد أكرمه الله أن بلغ في كل خلق منتهاه وكماله (وإنك لعلى خلق عظيم):

– ففي الرحمة هو الرحمة مجسدة (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[2]. وهو الرؤوف الرحيم (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ )[3] – وفي الكرم فهو الريح المرسله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان عليه الصلاة والسلام أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في رمضان. وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. وعن أنس رضي الله عنه قال: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا قط إلا أعطاه، فأتاه رجل فسأله، فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومه فقال: أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة”

– وفي الشجاعة والقوة في الح، قد فاق رسول الله صلى  الله عليه وسلم الوصف كما يروي سيدنا علي رضي الله عنه قال: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد النَّاس يومئذ بأسًا)[4] . ولم يكن هذا حاله صلى الله عليه وسط مع أصحابه وأحبابه فحسب، ولكن العجب كل العجب من قوته صلى الله عليه وسلم في مساندة كل ذي حق بالرغم من كونه وحيدا لا ظهر له ولا سند : فقد جاء في البداية والنهاية[5]:”قدم رجل من إراش (اسم موضع)  بإبل له إلى مكة فابتاعها منه أبو جهل بن هشام، فماطله بأثمانها. فأقبل الإراشي حتى وقف على نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ناحية المسجد. فقال: يا معشر قريش من رجل يعديني على أبي الحكم بن هشام، فإني غريب وابن سبيل، وقد غلبني على حقي؟ فقال أهل المجلس ترى ذلك – يهزون به (يشيرون) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعلمون ما بينه وبين أبي جهل من العداوة، إذهب إليه فهو يعديك عليه. فأقبل الإراشي حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فقام معه… فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه فضرب عليه بابه. فقال: من هذا؟ قال محمد فاخرج! فخرج إليه وما في وجهه قطرة دم، وقد انتقع لونه. فقال: أعط هذا الرجل حقه، قال: لا تبرح حتى أعطيه الذي له. قال فدخل فخرج إليه بحقه فدفعه إليه، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للإراشي إلحق لشأنك. فأقبل الإراشي حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خير، فقد أخذت  الذي لي….”

 

         – وكذلك كان الحبيب المصطفى في رقة المشاعر ورهافة الحس المثل الأعلى، فهو صلى الله عليه وسلم رغم انشغالاته الكثيرة والعظيمة لا ينسى تعزية صبي حزين في موت عصفوره “يا أبَا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟”.
         ولا مواساة فقير قهره الدين “يا أبا أمامةَ ما لي أراكَ جالسًا في المسجدِ في غيرِ وقتِ الصَّلاةِ. قالَ همومٌ لزمتني وديونٌ يا رسولَ اللَّه. قالَ: أفلاَ أعلِّمُكَ كلامًا إذا أنتَ قلتَهُ أذْهبَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ همَّكَ وقضى عنْكَ دينَكَ. قالَ: قلتُ بلى يا رسولَ اللَّه. قالَ: قل إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ اللَّهمَّ إنِّى أعوذُ بِكَ منَ الْهمِّ والحزنِ وأعوذُ بِكَ منَ العجزِ والْكسلِ وأعوذُ بِكَ منَ الجبنِ والبخلِ وأعوذُ بِكَ من غلبةِ الدَّينِ وقَهرِ الرِّجالِ. ..”[6]

والأمثلة على عظمة رسولنا الكريم كثيرة لا يحصرها عد، وإنما اكتفيت بما سبق لشدة حاجتنا في أيامنا هذه، حيث تيبست المشاعر واشتغل كل واحد بنفسه ناسيا ومتناسيا أقرب الناس إليه، لمن ينبهنا لما يحيي  العلاقات الطيبة بيننا من رحمة وكرم ونجدة  ومواساة وجبر للخواطر. أفلا تأسينا به صلى الله عليه وسلم ؟؟  ( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا)[7]

– ورسول الله هو جدنا بمعنى حظنا ونصيبنا : فلا شرف لنا ولا قدر ولا مكانة  إلا به  وباتباع ما جاء به. فبه أكرم الله هذه الأمة فأخرجها من الظلمات إلى النور ومن الضلالة إلى الهداية  ومن التحارب  والتقاتل  على أتفه الأسباب إلى السلم والأمان. قال رسول الله واصفا حال الأنصار قبل بعثته “.. ألم آتكم ضُلّالا فهداكم اللَّهُ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ، وَأَعْدَاءً فَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ!”[8] وإذا ضيعنا ما جاءنا به انتكسنا على أعقابنا وعدنا كما كنا  “..قومًا أهل جاهلية، ..، نأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف”[9].  أوليس هذا حالنا حقا اليوم !؟

فبالإسلام لا بغيره، وباتباع المصطفى وسنته نعز ونكرم.  قال سيدنا عمر: “إنا  كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام. فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله”

فمن يستحثنا اليوم، ومن يستنهضنا للرجوع لسنته صلى الله عليه وسلم حتى يرجع لنا عزنا ونعود لما كنا عليه في عهد النبوة والخلافة الراشدة.

 

[1]  – صحبح البخاري، الإمام البخاري، حديث 3906

[2]  – سورة الأنبياء / الآية 107

[3]  –  سورة التوبة / الآية ة127

[4]  – مصنّف بن أبي شيبة  كتاب المغازي حديث 36007

[5]  – البداية والنهاية ، لابن كثير ، ج 3 / ص 59-60

[6] – أخرجه أبو داود  في سننه حديث1555

[7]  – سورة الأحزاب / الآية 21

[8]  – جزء من خطبة حنين

[9]  – جزء من حوار سيدنا جعفر مع النجاشي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.