في تفضيله -صلى الله عليه وسلم- بالمحبة والخلة والعطايا (14) منحة المولى
د. نبيلة الوزاني
في تفضيله -صلى الله عليه وسلم- بالمحبة والخلة والعطايا (14) منحة المولى
بقلم: د. نبيلة الوزاني
لا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم، وأكرمهم على الإطلاق، وأقربهم منزلة عند الله عز وجل. فقد حباه ربه من عظيم الفضل، وخصَّه من كريم المزايا، ما لم يُعطَ أحدا من العالمين، فكان خير الخلق، وأشرفهم قدرًا، وأعلاهم مقامًا.
– بلوغه مقام الخلة عند ربه عز وجل:
فقد اصطفاه الله تعالى وفضّله على جميع الخلق، فأحسن خلقه، وأتمّ خُلقه، ورفعه مكانًا عليًّا، وبلغه درجة الخُلّة …
والخلة لله – عز وجل- هي أعظم مقامات العبد، وهي أرفع من مقام المحبة …..وكما قال ابن القيم :
” فإن المحبة عامة ، والخلة خاصة ، وهي نهاية المحبة ” .-1
وقد ثبتت محبة الله لعباده المؤمنين ومحبتهم له، ولكن الخلة لم تثبت إلا لاثنين، محمد وإبراهيم ـ عليهما الصلاة والسلام ـ، وقد ثبتت خلة إبراهيم ـ عليه السلام ـ بقول الله تعالى: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا }.-2
وثبات لرسولنا الكريم بأحاديث عديدة ، منها ما رواه عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ :
( ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله، ولو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، إن صاحبكم خليل الله ) .-3
هو سيد بني آدم على الإطلاق :
وقد بلغ من فضله صلى الله عليه وسلم أن قال عن نفسه:* “أنا سيد ولد آدم ولا فخر.”-4*
– وفي رواية: ” أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يَومَ القِيامَةِ، وأَوَّلُ مَن يَنْشَقُّ عنْه القَبْرُ، وأَوَّلُ شافِعٍ وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ..” .-5
وفي الحديث: دليل على تفضيله صلى الله عليه وسلم على الخلق أجمعين ….
وفيه أيضا: التَّحدُّثُ بنِعمةِ اللهِ على الإنسانِ بلا تَكبُّرٍ.
وفيه: بَيانُ أنَّه يَنْبغي على الأُمَّةِ أنْ يَعرِفوا عُلوَّ قدْرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ويَعتقِدوه، ويَعمَلوا بمُقتضاهُ، ويُوقِّروه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بما تَقْتَضي مَرتبتُه، كما أمَرَهم اللهُ تعالَى.
– صفوته من خير الخلق والقرون:
قد اجتباه ربه من أطهر البيوت وأشرف الأنساب، واصطفاه من خير القبائل وأكرم البطون، كما قال عليه الصلاة والسلام:
“إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم.”-6
وقد وُلِد صلى الله عليه وسلم في خير القرون، وشهد بذلك قوله:* “خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.”-7
وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أُسري به إلى السماء، أُتي بالبراق، فاستصعب عليه، فقال له جبريل عليه السلام:
* “أَبِمحمدٍ تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفضّ عرقًا.”-8
– هو الرحمة المهداة إلى العالمين:
ما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوم دون قوم، ولا لزمن دون آخر، بل أرسله الله للعالمين بشيرًا ونذيرًا، فقال عليه الصلاة والسلام:* “بعثت إلى الأحمر والأسود.”-9
أي إلى العرب والعجم، إلى الإنس والجن، إلى الخلق أجمعين.
قال القاضي عياض رحمه الله:
قيل: السود العرب لأن الغالب على ألوانهم الأدمة ، فهم من السود ، والحمر العجم ، وقيل : البيض والسود من الأمم ، وقيل الحمر الإنس ، والسود الجن .-10
بل إنه بيّن غايته ورسالته فقال:* “إنما أنا رحمة مهداة.”-11
– خصائصه التي لم تُعطَ لأحد غيره:
امتاز صلى الله عليه وسلم بخصائص فريدة لم تُمنح لنبي قبله، منها ما ورد في قوله عليه السلام:* “أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهن أحد من الأنبياء قبلي:
نُصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ، وأُحلت لي الغنائم ، وأُعطيت الشفاعة ، وبُعثت إلى الناس كافة” .-12
* نصر الله له بالرعب:
يلقي الله الرعب في قلوب أعدائه من مسيرة شهر، فيتزلزلون قبل لقائه، وهذا من أعظم أوجه التأييد الإلهي لرسوله الكريم .
* جعلت الأرض كلها له مسجدا وطَهورا:
فأينما أدرك المسلم الصلاة، فله أن يصلي، بخلاف الأمم السابقة التي لم تكن عباداتهم إلا في بِيَعٍ مخصوصة، ولم يُجز لهم التيمم عند فقد الماء.
* أُحلت له -سلام ربي عليه- الغنائم ، ولم تحل لنبي قبله:
وهي من خصائص هذه الأمة، بخلاف من سبقهم، فقد كانت الغنائم تجمع فتحرق ولا تُقسم.
– أوتي جوامع الكلم ومفاتيح الأرض:
وفي حديث آخر، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال صلى الله عليه وسلم:
* ” بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب، وأُوتيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أُتيت بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي.”-13 ؛ قال أبو هريرة : وقد ذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم – وأنتم تنتثلونها
* جوامع الكلم:
أعطاه الله القدرة على التعبير عن أعظم المعاني بأوجز الألفاظ، كما هو ظاهر في القرآن الكريم وأحاديثه الشريفة.
* مفاتيح خزائن الأرض:
بشارة بما سيفتح الله لأمته من فتوحات ونِعم، في الدين والدنيا، مما تنتفع به أجيالها …
قال ابن حجر:
“وجوامع الكلم القرآن فإنه تقع فيه المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة ، وكذلك يقع في الأحاديث النبوية الكثير من ذلك . ومفاتيح خزائن الأرض المراد منها ما يفتح لأمته من بعده من الفتوح ، وقيل المعادن ، وقول أبي هريرة ” وأنتم تنتثلونها ” بوزن تفتعلونها .
( من النثل بالنون والمثلثة ) – أي تستخرجونها ، تقول نثلت البئر إذا استخرجت ترابها على مر العصور.-14
يا خَيرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً
مِن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا
بَيتُ النَبِيّينَ الَّذي لا يَلتَقي
إِلّا الحَنائِفُ فيهِ وَالحُنَفاءُ
خَيرُ الأُبُوَّةِ حازَهُمْ لَكَ آدَمٌ
دونَ الأَنامِ وَأَحرَزَت حَوّاءُ
هُم أَدرَكوا عِزَّ النُبُوَّةِ وَانتَهَت
فيها إِلَيكَ العِزَّةُ القَعساءُ -15
لائحة المصادر والمراجع:
1-الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ؛ بن القيم ج1 ص 191
2- سورة النساء ؛ الآية 125
3- أخرجه مسلم 2383
4- صحيح بن ماجة رقم 3496
5-صحيح مسلم 2278
6-أخرجه الترمذي 3605 وأحمد 16987 ومسلم بلفظ مقارب 2276
7- جامع العلوم والحكم ؛ ابن رجب الحنبلي ج 2 ص 477
8- أخرجه الترمذي 3131 وأحمد12672 باختلاف يسير .
9- أخرجه أحمد 21472
10- كتاب الشفا ، للقاضي عياض ص 111
11- رواه أبو هريرة الترمذي ورواه ابو هريرة ؛ العلل الكبير للترمذي ص 369
12- صحيح مسلم 521 ؛ و البخاري 335
13- أخرجه البخاري 2977 ؛ ومسلم 523
14- فتح الباري ، لابن حجر العسقلاني ج 6 ص 90
15- قصيدة ولد الهدى ؛ أحمد شوقي