منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حلمه وعفوه صلوات ربي وسلامه عليه (11) منحة المولى

د. نبيلة الوزاني

0

حلمه و عفوه صلوات ربي وسلامه عليه (11) منحة المولى

د. نبيلة الوزاني

ما أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء أحسن خلقا من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -، وقد امتدحه ربه ـ عز وجل ـ لأخلاقه فقال: { وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ } -1

و هذا كله مما حباه الله و جبله عليه من جميل الشيم و عظيم الصفات، وهو أيضا مما أدبه به ربه جل و علا، فقال عز من قائل: ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) -2 و قال له: ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) -3 و قال تبارك و تعالى: ( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلْأُمُورِ ) -4 .

ومن عظيم أخلاقه وجميل خلاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حلمه على من جهل عليه، وعفوه عمن ظلمه، وما من حليم إلا عرفت منه غضبة، وحفظت عنه هفوة، إلا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فما زاد مع كثرة الإيذاء إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهل إلا حلما، إذ كان لا يغضب لنفسه أبدا .. فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: ( ما خُيِّر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله بها )-5

وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ طويل الصبر، كثير التحمل، لا تستفزه الشدائد، ولا تغضبه الإساءات، فقد اتسع حلمه حتى جاوز العدل إلى الفضل مع من أساء إليه وجهل عليه، فعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه: { لما كان يوم حنينٍ آثر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ناساً في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة ً من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن مثل ذلك، وأعطى ناساً من أشراف العرب وآثرهم يومئذٍ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عُدِل فيها وما أريد فيها وجه الله، قال: فقلت: والله لأخبرن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، قال: فأتيته فأخبرته بما قال، فتغير وجهه حتى كان كالصرف(شجر أحمر)، ثم قال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله، ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر، قال: فقلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثاً ..} -6

لا تضربن به في حلمه مثلا فما له في البرايا يعرف المثل

وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحلم الناس، يتجاوز عن المسيء، فيشرق ويضيء قلبه بالإسلام .. كما حدث مع أبي سفيان يوم جيء به إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له ـ مع شدة إيذائه له: ( ويحك يا أبا سفيان، ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟، قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ) -7.

وجاءه زيد بن سعنة قبل إسلامه يتقاضاه دَيْناً عليه، فجبذ ثوبه عن منكبه، وأخذ بمجامع ثيابه، وأغلظ له، ثم قال: إنكم يا بنى عبد المطلب مطل، فانتهره عمر وشدد له في القول، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يبتسم، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم: ( وأنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر: تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، ثم قال لقد بقى من أجله ثلاث، وأمر عمر يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روعه فكان سبب إسلامه ) -8

و قد روي عنه أنه كان يقول لنفسه ما بقى من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد إلا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما، فأخبرته بهذا فوجدته كما وصف .-9

رحابة الصدر فيه غير خافية من أجلها عظمت فيهم مكانته

لقد تظافرت الأخبار على اتصافه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالحلم، وحسبنا ما بلغ متواترا من صبره و تحلمه من الشدائد الصعبة و مقاساة قريش و أذى الجاهلية، و مصابرة الصعاب معهم إلى أن أظفره الله عليهم وحكَّمه فيهم، وهم لا يشُّكون في استئصالهم والانتقام منهم، فما زاد على أن حلم وعفا عنهم، وقال: { ما تقولون وما تظنون؟، قالوا: نقول ابن أخ وابن عم حليم رحيم فقال: أقول كما قال يوسف لإخوته: *( لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ) -10}.-11

في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:

{ كأني أنظر إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون } .-12

و قد جاء صريحا مبينا

أنه عليه الصلاة والسلام لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا وقالوا: لو دعوت عليهم ! فقال: { إني لم أبعث لعانا ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون } .-13

و روي عن عمر رضي الله عنه في بعض كلامه:” بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! لقد دعا نوح على قومه فقال:( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا )، ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا ; فقد وطئ ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيرا، فقلت: { رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون } .”ـ14 .

قال القاضي عياض- رحمه الله تعالى -: انظر ما في هذا القول من جماع الفضل، ودرجات الإحسان وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر، والحلم؛ إذ لم يقتصر – صلى الله عليه وسلم – على السكوت عنهم حتى عفا عنهم، ثم أشفق عليهم، ورحمهم، ودعا، وشفع لهم، فقال: اغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة، والرحمة بقوله: لقومي، ثم اعتذر عنهم بجهلهم، فقال: فإنهم لا يعلمون . -15

شواهد غيض من فيض فقد كان رسول الله -صلوات ربي وسلامه عليه- أبعد الناس غضبا و أسرعهم رضى .


المصادر والمراجع:

1- سورة القلم الآية 4

2- سورة الأعراف الآية 199

3- سورة الأحقاف الآية 35

4- سورة الشورى الآية 43

5- صحيح البخاري 6126؛ مسلم 2327

6- صحيح البخاري 3150؛ مسلم 1062؛ صحيح ابن حبان 4829

7- المعجم الكبير؛ الطبراني ج 8 ص 10

8- المعجم الكبير؛ الطبراني ج 25 ص 203

9- م س نفسه

10- سورة يوسف الآية 92

11- تاريخ الطبري ج 2 ص 161

12- أخرجه البخاري 3477؛ ومسلم 1792

13- أخرجه مسلم 2599

14- عن كتاب الشفا؛ القاضي عياض ص 75؛تفسير القرطبي ج 5 ص 66

15- كتاب الشفاء؛ القاضي عياض ص 75

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.