من كمالاته الخلقية: رجاحة عقله صلى الله عليه وسلم (10) منحة المولى
د. نبيلة الوزاني
من كمالاته الخلقية: رجاحة عقله صلى الله عليه وسلم (10) منحة المولى
بقلم: د. نبيلة الوزاني
لقد اختص الله جل وعلا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بخصائص كثيرة، تشريفا و تكريما له وإعلاء لقدره ومنزلته….ومنها ما أفاضه عليه من الحكمة و وفور العقل.
لا شك أن الحكمة وكمال العقل من أبرز صفات رسل الله -عليهم السلام- فهي من لوازم الاصطفاء الرباني، و أسس تحقيق وظيفة التبليغ المنوطة بهم
وقد اختار الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم و فضله على العالمين، واختصه بصفات عظيمة أبهرت القريب والبعيد، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم كان أرجح الناس عقلا وأعظمهم خلقا….
قال ابن كثير: ” معلوم لكل ذي لب أن محمدا صلى الله عليه وسلم من أعقل خلق الله تعالى، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في نفس الامر “. -1
وقال الماوردي في أعلام النبوة: ” أما الوجه الثاني من كمال أخلاقه فيكون بست خصال: إحداهن: رجاحة عقله وصدق فراسته، وقد دل على وفور ذلك فيه، صحة رأيه وصواب تدبيره وحسن تألفه “. -2
و لكمال عقله كان يحضر مجتمعات قريش وهو لا يزال في ريعان شبابه، فكان يحضر ندواتها، فيرضى ما فيها من حق، و يناصره، ويجفو ما فيها من باطل، فلا يقره،
وقد حضر حلف الفضول نصرة للمظلوم، و إعلاء لكلمة الحق…وقال -عليه الصلاة والسلام -عن هذا الحلف، بعد أن أكرمه الله تعالى بالنبوة و الرسالة:
” لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان، ما أحب أن لي به حمر النعم “.-3
ومن وفور عقله منذ صغره، نفوره من عادات الجاهلية السيئة، فلم ير ساجدا لصنم، ويستحلفه الراهب – حينما لقيه بالشام، وهو غلام – باللات والعزى، فيقول له: ” لا تسألني باللات و العزى شيئا، فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا قط. “. -4
ولم يخض عليه الصلاة والسلام مع الخائضين في الجاهلية، ولم يشارك في حروبهم…
وقد تجلت حكمته ورجاحة عقله -صلى الله عليه وسلم- بعد البعثة في حسن معاشرته وتربيته لأهله وأولاده و أصحابه، وسياسته لرعيته وحسن تدبيره في هجرته وغزواته، وقضائه على الفتنة التي كادت أن تشتعل بين الأوس والخزرج، بسبب تأليب يهود المدينة، وفي عقده المعاهدات والصلح، وفي معاملته الأصدقاء والأعداء على السواء، إلى غير ذلك مما يضيق به الحصر من سيرته العطرة -صلوات ربي وسلامه عليه –
قال القاضي عياض في نعته: ” أما وفور عقله وذكاء لبه وقوة حواسه وفصاحة لسانه واعتدال حركاته وحسن شمائله، فلا مرية أنه كان أعقل الناس و أذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم، وسياسته العامة والخاصة، مع عجيب شمائله وبديع سيره، فضلا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع دون تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهة، وهذا ما لا يحتاج إلى تقريره لتحققه. “.-5
صلوات ربي وسلامه عليه.
محمد مـنحـة المولى ومِـنَّــتُـه
فليس يحمدها مثن وإن شكــرا
وليس يوفيه مدحا قائـل أبدا
إن دبج الشعـر أوزانا وإن نـثـرا
من مثل أحمد في خلق وفي خلق
كلا فما مثله في العالمين يُـرى
والله ما بشر داناه في شـبـه
وهو الذي شرف المولى به البشر
جم الفضائل لا يحصى لها عدد
فالفضل فيه وفير بان واسـتـتـرا
بحر النوال كـتـوم الغيظ كاظمه
بـتار سيف إذا يوم الوغى نفرا
فهو المحمد نور الله صفـوتـه
دون الأنام وقـاه الضير والضررا -6
المصادر والمراجع:
1- كتاب البداية و النهاية؛ ابن كثير ج 1 ص 1.
2- كتاب أعلام النبوة؛ الماوردي ص 217
3- رواه أحمد 2909؛ و ابن حبان 4370
4ـ كتاب البداية و النهاية؛ ابن كثير ج2 ص 346
5- كتاب الشفا؛ القاضي عياض، ص: 174
6- قصيدة للشاعرة : زينب بنت عابدين