كمالاته صلى الله عليه وسلم في فصاحة اللسان و حلاوة المنطق (8) منحة المولى
د. نبيلة الوزاني
كمالاته صلى الله عليه وسلم في فصاحة اللسان و حلاوة المنطق (8) منحة المولى
بقلم: د. نبيلة الوزاني
مما أفاض الله تعالى على رسوله الكريم من المنن والنعم وحباه من حسن الخلق والخلق وكمال الصفات وجميلها، ما أوتي من حسن الكلام وجمال المنطق و فصاحة اللسان وبلاغة المعنى إلى جانب كمال العقل و سرعة الفهم و حضور البديهة وبعد النظر….
جاء في كتاب الشفا:
“و أما وفور عقله و ذكاء لبه و قوة حواسه و فصاحة لسانه و اعتدال حركاته و حسن شمائله فلا مرية أنه كان أعقل الناس و أذكاهم، و من تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق و ظواهرهم و سياسة العامة والخاصة مع عجيب شمائله وبديع سيره. .. لم يمتر في رجحان عقله و ثقوب فهمه لأول بديهة، و هذا مما لا يحتاج الى تقريره لتحققه “. _1
و كان صلى الله عليه وسلم أفصح خلق الله، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى إن كلامه ليأخذ بمجامع القلوب ويسبي الأرواح، ويشهد له بذلك أعداؤه. وكان إذا تكلم تكلم بكلام مفصل مبين يعده العاد، ليس بهذا مسرع لا يحفظ، ولا منقطع تخلله السكتات بين أفراد الكلام، بل هديه فيه أكمل الهدي – _2
فكان يتكلم دون تكلف و لا تقعر أو غموض، مع اختياره أحسن الألفاظ و أبلغها لتوصيل المعنى …. عن عائشة -رضي الله عنها-: “ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا، ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه .” _3
و كان من هديه صلوات الله وسلامه عليه في كلامه أن يعيد بعض الكلمات ويكررها ثلاثا لتعقل عنه: عن أنس رضي الله عنه يحكي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ، قال ” كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تُفْهَم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم عليهم ثلاثا” ._4
و كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاذبية في كلامه و منطقه، و كان هذا موضع إجماع من رآه و سمعه …عن ابْنِ عَبَّاسٍ – رضي الله عنهما – قال: ” كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ” _5
فهذه أم معبد تصف رسول الله صلى الله عليه وسلم و هي لم تعرفه بعد و قد علمته رجلا مباركا:
“إن صمت فعليه الوقار، و إن تكلم سما وعلاه البهاء ، أجمل الناس و أبهاه من بعيد، و أحلاه و أحسنه من قريب، حلو المنطق، فصل لا نذ ر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحذرن “_6
وكان كلامه فصلا يفهمه كل من سمعه.
عَنْ عَزَّةَ بِنْتِ عِيَاضٍ، قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا قِرْصَافَةَ يَقُولُ: “لَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَأُمِّي وَخَالَتِي وَرَجَعْنَا مِنْ عِنْدِهِ مُنْصَرِفِينَ ، قَالَتْ لِي أُمِّي وَخَالَتِي: يَا بُنَيَّ، مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا الرَّجُلِ أَحْسَنَ مِنْهُ وَجْهًا، وَلَا أَنْقَى ثَوْبًا، وَلَا أَلْيَنَ كَلَامًا، وَرَأَيْنَا كَأَنَّ النُّورَ يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ ” ._7
وقد قال له أصحابه: “ما رأينا الذي هو أفصح منك. فقال: وما يمنعني، وإنما أنزل القرآن بلساني لسان عربي مبين، وإني من قريش ونشأت في بني سعد بن بكر » ._8
” فجمع له بذلك قوة عارضة البادية و جزالتها، و نصاعة ألفاظ الحاضرة و رونق كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده الوحي، الذي لا يحيط بعلمه بشري .” _9
(يتبع)
المصادر و المراجع:
1_ كتاب الشفا؛ القاضي عياض ص 52
2_ زاد المعاد في هدي خير العباد، ابن القيم ج 1 ص 175
3_ أخرجه الترمذي 3639 و أبو داود 4839 و النسائي في السنن الكبرى 1024 و أحمد 25077 باختلاف يسير .
4_ أخرجه البخاري 6244
5_ سنن الدارمي ج 1 ص 44
6 _ دلائل النبوة؛ البيهقي ج 1 ص 276
7_ المعجم الكبير؛ الطبري: ج 25 ص 213
8_ سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد؛ محمد بن يوسف الصالحي ص 94
9_ كتاب الشفا؛ القاضي عياض ص 61