منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خلافة الله في الأرض

خلافة الله في الأرض/ الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز

0

خلافة الله في الأرض

بقلم: الأستاذ الدكتور عبد الكريم عزيز

 

من تدبير العليم الحكيم

 خلق الله آدم عليه السلام وأراده أن يكون خليفة في الأرض، في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾([1])، تعجبت الملائكة لذلك و ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾([2])؛ لأن هذا المخلوق البشري فيما تعْلَمُه الملائكة لا يصلح لهذه المهمة، بما يتميز به من صفاته الحيوانية. فكيف يكون كذلك؟ فجاءهم الجواب من الله العليم الحكيم: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾([3]).

مؤهلات الخلافة التي لا تعلمها الملائكة

يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ* قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ* قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾([4]). خلق الله في آدم القدرة على التعلم، فعلمه الأسماء كلها، وأصبح قادرا على تعلمها وتعليمها. وهذا العلم الجديد الذي أكسبه الله آدم عليه السلام، والذي سَيَرثُهُ عنه بَنوهُ، كافٍ بأن يكون أكبر مساعد على تيسير الخلافة في الأرض، لمن اصطفاه الله لتلك الوظيفة السامية.  إن تعليم الأسماء هو القيمة المضافة التي ميزت الإنسان عن كل الحيوانات التي خلقها الله في الأرض. وهو الوسيلة التي تجعل الإنسان يستوعب العالم من حوله، حتى يتسنى له التواصل مع خالقه، في كل ما يتعلق بالشرائع الربانية التي جاءت لصالحه في عمارة الأرض.

قافلة خلفاء الله ومهمتهم

إن الخلافة المذكورة في القرآن الكريم هي الأمانة المنوطة بالنبي أو الرسول الذي سيكون نقطة اتصال بين التعاليم الإلهية وعالم الإنس والجن؛ لأن الدعوة الإسلامية منذ الأزل دعوة موجهة للثقلين جميعا. فالخلافة في الأرض هي المهمة التي سيقوم بها المصطفَوْنَ الأخيار، الذين اختارهم الله لمهمة الرسالة وهداية الناس إلى عبادة الواحد الأحد، ابتداء من النبي آدم ومرورا بداود وختاما بمحمد صلوات الله عليهم جميعا. إنها قافلة الأنبياء والرسل الذين جاءوا تترى. مهمتهم الرئيسية هي ربط الإنسان بربهم وخالقهم؛ يتلقون الرسالات ويخاطبون الناس باسم ربهم. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾([5]). وقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾([6]). وقال تعالى في شأن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا* وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا*﴾([7]). فلا غنى للناس عن أنبياء الله ورسله، ليكونوا أنموذجا للإنسان الكامل، للتلقي عن الله وتطبيق تعاليم دينه كما أرادها الله لعباده.

مكانة الرسول الخاتم في سلك الأنبياء

أخذ الله الميثاق من جميع الأنبياء أن يؤمن كل منهم بمن جاء بعده من الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾([8]).

فمن خلال هذا الميثاق:  كل نبي سابق، مؤمن بالذين يأتون بعده، إلى آخر الأنبياء والرسل محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وكذلك كل رسول لاحق، هو مؤمن بمن كان قبله من الأنبياء والرسل؛ لأن المرسل واحد هو الله تعالى، والرسل متعددون. فكل رسول يمثل الشريعة الإلهية المنزلة، والمؤمنون حسب الترتيب الزمني للأنبياء والرسل حق عليهم أن يؤمنوا بآخر رسول، حتى استقر الأمر إلى محمد صلى الله عليه وسلم. يقول تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾([9]). وبعد إكمال الدين وإتمام نعمة الإسلام، والتحاق الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، انقطع الوحي، وأصبح الإسلام منحصرا في الكتاب والسنة، وأصبح الناس حكاما ومحكومين كلهم سواسية أمام شرع الله. ولا أحد يدعي أنه خليفة الله في أرضه أو وكيل عنه. وقد قيل لأبي بكر الصديق مرة: “يَا ‌خَلِيفَةَ ‌اللهِ. فَقَالَ: أَنَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا رَاضٍ بِهِ”([10]). وبذلك يكون خليفة الله في أرضه محمد صلى الله عليه وسلم قد بلّغ الرسالة ونصح الأمة، وأصبح أمر المسلمين كله راجع إلى الله والرسول؛ مصداقا لقول تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا)([11]).


([1]) سورة البقرة، جزء من الآية: 30

([2]) سورة البقرة، جزء من الآية: 30

([3]) سورة البقرة، جزء من الآية: 30

([4]) سورة البقرة، الآيات: 31-33

([5]) سورة النحل، الآية: 36

([6]) سورة ص، الآية: 26

([7]) سورة الأحزاب، الآيتان: 45-46

([8]) سورة آل عمران، الآية: 81

([9]) سورة النساء، الآية: 80

([10]) الأحاديث، مسند الإمام أحمد بن حنبل، ط1، (مؤسسة الرسالة، 1421هـ/2001م)، مسند أبي بكر الصديق رضي الله عنه، 1/225

([11]) سورة النساء، الآية: 59

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.