منحة المولى
د. نبيلة الوزاني التهامي
الحمد لله الذي من على عباده المؤمنين أن بعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ظلال مبين، فكان هذا المصطفى الأمين على الوحي، منحة المولى و منته، محمد الأمين، شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا الى الله بإذنه وسراجا منيرا ،
أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، حريصا على المؤمنين وبهم رؤوفا رحيما ….
حاز الخلق العظيم والشرف الأثيل، فهو صلى الله عليه وسلم ذروة الذروة، وصفوة الصفوة، الذي تشرئب إليه الأعناق، وترنو إليه الأفئدة والأبصار، محبة في القلوب واقتفاء للأثر …. حضنا الله تعالى على محبته وأمرنا باتباع هديه واقتفاء سبيله، إذ هو السبيل الموصل للفوز بمحبة الله ورضاه، والدخول في زمرة العباد الأبرار.
عظم الله تعالى قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، واختصه بفضائل ومحاسن لم يجمعها لغيره، وقلده أوسمة ورفعه أعلى منزلة …..
فجاء الخطاب القرآني به من المدح والثناء ما لا يخطئه اللبيب، فكان من رفعة قدره صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم، وخاطبه بالنبوة والرسالة
فقال : (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ* )1 و *( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ) 2 ، وقرن طاعة الله تعالى بطاعته ، فقال : ( مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ) 3، وجعل اتباعه صلى الله عليه وسلم دليلا على محبة الله : ( قل إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) 4
و هو النور : ( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) 5، قال القرطبي : يعني بالنور: محمد صلى الله عليه وسلم ، الذي أنار الله به الحق، و أظهر به الإسلام ، و محق به الشرك ، فهو نور لمن استنار به يبين الحق .6
وقال الألوسي :
{قَدْ جَاءكُمْ مّنَ الله نُورٌ} عظيم وهو نور الأنوار والنبي المختار صلى الله عليه وسلم ….7
وهو الرحمة: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) 8، قال الطبري :
“تمت الرحمة لمن أمن به في الدنيا والآخرة ، ومن لم يؤمن به عوفي مما أصاب الأمم قبل .” .9
و امتن الله على رسوله الكريم بشرح صدره ، ووضع وزره، منن ونعم أوتيها رسولنا صلى الله عليه وسلم بغير سؤال، و نالها موسى عليه السلام بعد السؤال .
ورفع ذكره…. و آواه من يتم، وهداه من ضلالة ، وأغناه من عيلة.
( ( وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ) 10 قيل : (إذا ذكرت ذكرت معي) في قول لا إله إلا الله محمد رسول الله ؛ وقيل: في الأذان والإقامة .
قال القاضي عياض: هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه صلى الله عليه وسلم على عظيم نعمه لديه، وشريف منزلته عنده وكرامته عليه بأن شرح قلبه للإيمان والهداية ، ووسعه للعلم وحمل الحكمة، و رفع عنه ثقل أمور الجاهلية عليه ، و بغضه لسيرها وما كانت عليه، بظهور دينه على الدين كله، وحط عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم، وتنويهه بعظيم مكانه و جليل رتبته ورفعه ذكره، وقرانه مع اسمه اسمه . 11
خاطبه الله تعالى في آيات كثيرة خطاب الملاطفة و المبرة، فبدأ بالعفو قبل العتاب : ( عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ) 12 قال القرطبي :
قوله تعالى : (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ) قيل: هو افتتاح كلام، كما تقول: أصلحك الله وأعزك ورحمك كان كذا وكذا. وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على قوله : عفا الله عنك ….. وأخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقا . 13
وقال جل ثناؤه: ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) 14
قال القاضي عياض في كتابه الشفا:
عاتب الله الأنبياء -صلوات الله عليهم – بعد الزلات وعاتب نبينا -صلى الله عليه وسلم- قبل وقوعه، ليكون بذلك أشد انتباها ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية …. ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن إليه ، ففي أثناء عتبه براءته، وفي طي تخويفه تأمينه وكرامته . 15
أقسم تعالى بعمره صلوات ربي وسلامه عليه ، وهذه غاية التعظيم، ومنتهى البر و التشريف :
( لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) : 16
لعمرك قسم من الله تعالى بعمر نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم على ما عليه جمهور المفسرين. 17
وقال الطبري :
قوله ( لَعَمْرُكَ ) يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وحياتك يا محمد، إن قومك من قريش ( لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ) يقول: لفي ضلالتهم وجهلهم يتردّدون. 18
قال ابن عباس: ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره . 19
يا خَيرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً
مِن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا
بَيتُ النَبِيّينَ الَّذي لا يَلتَقي
إِلّا الحَنائِفُ فيهِ وَالحُنَفاءُ
خَيرُ الأُبُوَّةِ حازَهُمْ لَكَ آدَمٌ
دونَ الأَنامِ وَأَحرَزَت حَوّاءُ
هُم أَدرَكوا عِزَّ النُبُوَّةِ وَانتَهَت
فيها إِلَيكَ العِزَّةُ القَعساءُ
خُلِقَت لِبَيتِكَ وَهوَ مَخلوقٌ لَها
إِنَّ العَظائِمَ كُفؤُها العُظَماءُ . 20
(يتبع)
لائحة المصادر و المراجع :
– القرآن الكريم
1 – الأحزاب ، الآية 45
2- المائدة ، الآية 67
3- النساء ، الآية 80
4- آل عمران ، الآية 31
5- المائدة ، الآية 15
6- الجامع لأحكام القران ، القرطبي ، ج 6 ص 77
7- روح المعاني ، الألوسي ، ج 6 ص 97
8- الأنبياء ، الآية 107
9- تفسير جامع البيان ، الطبري ، ج 16 ص 439
10- الشرح ، الآية 4
11- كتاب الشفا ، القاضي عياض ص 24
12- التوبة ، الآية 43
13- القرطبي ج 8 ص 84
14- الإسراء ، الآية 74
15- كتاب الشفا القاضي عياض ، ص 30
16- الحجر ، الآية 72
17- روح المعاني ، الألوسي ج 14 ص 73
18- جامع البيان ، الطبري ج 14 ص 58
19- عن : م س ج 14 ص 58
20- قصيدة ولد الهدى ، أحمد شوقي