خشية الله بين “عالٍمِ الطبيعة” و”عالِمِ الشريعة”
خشية الله بين "عالٍمِ الطبيعة" و"عالِمِ الشريعة"/ ميمون نكاز
خشية الله بين “عالٍمِ الطبيعة” و”عالِمِ الشريعة”
بقلم: ميمون نكاز
“الطبيعة” خلق و”الشريعة” أمر، كلاهما من الله، وهما لله تعالى من حيث “ماهية الوجود”، فالفرض المنطقي أن يكون بينهما تكامل وظيفي في الدلالة على الوجود الإلهي والإبانة عن الحق { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}[ فصلت٥٣]…
مشكلة “العلم الطبيعي” أنه يكتفي بطلب “البرهان” ولا يرتقي في “الاشتغال” إلى طلب “البصيرة”، وهذا “القصور” في “الرؤية الممتدة” هو الذي يؤسس لدعوى “حيادية العلم”، والمتأمل في “إديولوجيا حيادية العلم” يدركها تهدف إلى قطع الصلة بين “البرهان الطبيعي” وبين “العلامات والإشارات والرسائل” المبثوثة في الوجود الدالة على الخالق سبحانه والهادية إليه، تلك التي تعرف في “النظم المفاهيمي القرآني” بالآيات، آيات الآفاق وآيات الأنفس، والتي أفاد النص القرآني أن القصد الغائي منها “تَبَيُّنُ الحق” من قبل الناظر فيها، حيث يكون وصول “العلم الطبيعي” إلى إدراك “الإحكام” دون “تحصيل الحكمة” من “حيازة الإحكام” دالا على “قصور في الرؤية” و”انضياق في مداها”…
لا ريب أن العلم من حيث هو “علم في نفسه” محايد، لكن “كاشِفَ” هذا العلم أو “حامله” أو “الناظر” فيه يقلبه ذات اليمين وذات الشمال كيف يشاء هو، لا كيف يشاء العلم، وهنا تحديدا يُفْقَدُ العلمُ حياديته، قد لا يبدو ذلك جليا في أفراد القضايا العلمية وجزئيات المعرفة العلمية، لكنه فصيح عن ذلك في “فلسفة العلم”، أي في النظرة الكلية إليه، وفي “الاعتقاد” القائم في نفس العالم نحو العلم، لا في “قائمية العلم في نفسه”…
أزعم أن “فلسفة العلم” و”منهجيات الاشتغال والنظر في الحقائق والمعارف العلمية” تكرس “آفة الإعراض عن الآيات” {وَكَأَیِّن مِّنۡ ءَایَةࣲ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ یَمُرُّونَ عَلَیۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ }[يوسف١٠٥].
“”المرور الإعراضي” عن العلامات والإشارات والرسائل والخطابات الندائية المنبثة في الطبيعة والكون والوجود هو ” الآفة الكلية” التي يعاني منها ( العرفان العلمي) الحديث في عموم عطاءاته ومكاسبه {وَكَأَیِّن مِّنۡ ءَایَةࣲ فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ یَمُرُّونَ عَلَیۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ﴾ [يوسف ١٠٥]، ولا مخرج من هذا الانسداد والانضياق إلا بتفتيق الرؤية وإمداد عالم الطبيعة والكون بالبصيرة التي يُرَقِّي بها “البرهانَ” إلى “العرفان” و”الحقيقة” إلى “البصيرة”، عرفانَ العالِمِ بتحصيل الحكمة بعد تحقيق الإحكام، وبصيرتَهُ بإبصار الحق بعد حوز الحقيقة…
في مفاصل هذا الإدراك يصبح الكون “وحيا مخلوقا” محكما ومفصلا، يُحدِثُ الإنصاتُ إليه خشيةً في قلب عالِم الطبيعة ويُثمِرُ خشوعا في عقله…
من أجل ذلك نرى الله قد ذكر “خشية العلماء” في سياق الحديث عن أثر “وحي الطبيعة” لا عن آثار “وحي الشريعة”:
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَ ٰتࣲ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَ ٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِیضࣱ وَحُمۡرࣱ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَ ٰنُهَا وَغَرَابِیبُ سُودࣱ ، وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَاۤبِّ وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَ ٰنُهُۥ كَذَ ٰلِكَۗ إِنَّمَا یَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَـٰۤؤُا۟ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِیزٌ غَفُورٌ، إِنَّ ٱلَّذِینَ یَتۡلُونَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقۡنَـٰهُمۡ سِرࣰّا وَعَلَانِیَةࣰ یَرۡجُونَ تِجَـٰرَةࣰ لَّن تَبُورَ، لِیُوَفِّیَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَیَزِیدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۤۚ إِنَّهُۥ غَفُورࣱ شَكُورࣱ ﴾ [فاطر ٢٧-٣٠]
لو تبصر الإنسان في بَيِّنَةِ السياق لأدرك أن الله قد خاطب الإنسان بوحيين و أرسل إليه كتابين، خاطبه بوحي الطبيعة المفطور ووحي الشريعة المسطور، وأرسل إليه كتابين للتدبر والتلاوة؛ كتاب الطبيعة وكتاب الشريعة، وتكليف الله للإنسان بالقراءة يشمل الوحيين والكتابين…
أقدر المستقبل الإنساني مستشرفا في تحصيل القراءتين المتآزتين، فكلاهما مع التباين في الماهية والهوية، وعبر التباين في مجالات الاشتغال ومناطات الاعتبار، تشتركان في ابتغاء مرضاة الله تعالى بابتغاء الخير الإنساني جلبا للمصالح ودفعا للمفاسد بفهم “وحي الطبيعة” وفقه “وحي الشريعة”…
هذا بعض النظر والقول مساوقة لهذا اللغط والعبث الجدالي حول علاقة العلم بالدين، والذي يعري “علل النفوس” ويكشف عن “علل العقول”…
﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشࣰا فَنَقَّبُوا۟ فِی ٱلۡبِلَـٰدِ هَلۡ مِن مَّحِیصٍ، إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِیدࣱ، وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَیۡنَهُمَا فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبࣲ، فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا یَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ، وَمِنَ ٱلَّیۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَـٰرَ ٱلسُّجُودِ﴾ [ق ٣٦-٤٠]…
إذا امتلكت الحضارة “قوة البطش” و “القدرة على التنقيب” بامتلاك نواصي “العلم والمعرفة”، فإن ذلك لا يعصمها من “الإهلاك الإلهي” وفق القوانين والسنن الجارية إذا فقدت “قلب الإنسان” وحيل بينها وبين “حسن الإنصات والسماع” للوحيين المتكاملين المتآزرين؛ “وحي الكون والطبيعة” و”وحي الدين والشريعة”…
{ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}[ق٣٧]…