تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته|سلسلة مقالات تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم؛ محبة واتباعا
الدكتور أحمد الإدريسي
تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ومحبته
سلسلة مقالات تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم؛ محبة واتباعا
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا وقدوتنا محمد، وعلى ءاله وصحبه، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
مقام النبي صلى الله عليه وسلم عظيم عند الله تعالى، وقد نزلت آيات لتبيِّن شرفه ومنزلته عند ربه عز وجل. قال تعالى في بيان حقه على كل مؤمن ومؤمنة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾[1].
وسأتناول في هذه السلسة، بحول الله، بعضا من معاني التعظيم والمحبة والاتباع، لجنابه الشريف من خلال ما يلي:
– منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة.
– النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة.
– مشروعية الاحتفال بالمولد.
– مشروعية التبرك والتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم.
1- وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم.
وتكون المحبة بمقدار تعلقنا وارتباطنا برسول الله صلى الله عليه وسلم وهي؛ محبة بمشاعر القلب، وهي مشاعر جياشة، ومحبة متدفقة، وميل صادق تتعلق به النفس والقلب برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من المعاني الحسية والمعنوية. ومحبة بالجوارح وهي التي تترجم فيها المحبة إلى الاتباع لسنته صلى الله عليه وسلم، فيكون صدق الاتباع. قال النووي رحمه الله: “… وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال الجلال، وأنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياه إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم والإبعاد من الجحيم”.
والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم شعبة من شعب الإيمان، فقد وضعها علماؤنا رحمهم الله، إلى جانب “لا إله إلا الله”، والتأسي بدعواته صلى الله عليه وسلم”، و”التأسي بأذكاره صلى الله عليه وسلم”. وكانوا يحثون على الإكثار من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لأن صلاتنا على الرسول الكريم على الله عز وجل تبلغه، ويبلغه سلامنا. فإن كان هذا فضل الصلاة على الحبيب صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يستكثر منها المؤمن. ولنحذر أن نُـبعد عن رحمة الله إن ذكر عندنا اسمه الحبيب فبخلنا عن الصلاة عليه.
إننا إن أكثرنا ذكره عليه السلام، كما أمرنا، أصبحت صورته ومعناه في قلوبنا بمثابة النور الذي نهتدي به إلى ذكر الله ومحبته. نتيجة الصلاة على المحبوب المجتبى صلى الله عليه وسلم وصلتنا الدائمة به. لأن الصلاة صلة، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الخير، لذلك أوصى بعض سلفنا الصالح أن يبتدئ المؤمن دعاءه ويختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: “فإن الله تعالى أكرم من أن يقبل الصلاتين ولا يقبل ما بينهما”.
ومن الآداب أيضا أن نهدي ثواب صلاتنا عليه لروحه الشريفة. ومنها أن نكثر من الصلاة عليه يوم الجمعة.
2- وجوب تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه:
من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم المؤكدة على أمته أن يعظَّم ويوقًّر، ويُجَلُّ أكثر من الولد والوالد، فهذا حق من حقوقه الواجبة له مما يزيد على لوازم الرسالة. قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[2].
قال ابن تيمية رحمه الله: (التعزير اسم جامع لنصره وتأيـيده ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير؛ اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار)[3].
ومن معاني تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم؛ موالاته ونصرته، قال الإمام عبد السلام ياسين رحمه الله: (فالموفّق من يوالي الله ورسوله والأهل الخاصين والعامين، محبة متصلة ممتدة تربطه برباط المودة والرحمة بمن أحبهم الله وأمر بمحبته)[4].
3- تعظيم الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم:
كان الصحابة الكرام يحبون النبي صلى الله عليه وسلم أشد الحب، ويوقرونه أعظم التوقير، وأخبارهم في ذلك كثيرة، قال مروان في صفتهم رضي الله عنهم: (كان الصحابة إذا أَمَرَهم النبي صلى الله عليه وسلم ابتدروا أمرَه، وإذا تكَلَّم خَفَّضُوا أصواتَهم عندَه، وإذا توضأَ كادوا يَقْتَتِلون على وضوئِه، وما يُحِدُّون إليه النظرَ؛ تعظيمًا له)[5]. وعلى منهاجهم سار الصالحون من هذه الأمة، ونذكر من ذلك:
– عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: (ما كان أحدٌ أحبَ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أجلَّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سُئلتُ أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه)[6].
– عن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم كأنما على رؤوسنا الطير، ما يتكلم منا متكلم إذ جاءه ناس، فقالوا: من أحب عباد الله إلى الله تعالى؟ قال: “أحسنهم خلقًا”، وقال: ورواته محتج بهم في الصحيح، فأنت ترى أن الصحابة يهابون أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا ينتظرون أن يأتي أعرابي فيسأل، فيسرون بذلك)[7].
– وفي حديث الهجرة، قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه:
(فأتينا ظل صخرة فنزلنا عندَهُ، وسوَّيْتُ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم بيدي مكانًا ينامُ عليهِ، وبسطتُ فيهِ فروةً، وقلتُ: نَمْ يا رسولَ اللهِ، ثمّ انطلقت إلى راعي غنم فحلب لي كُثبة من لبن، فبرّدته للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أتيتُ فوجدتُه قد استيقظ وهو عَطِش، فقلت: اشرب يا رسولَ الله، فشرب حتى رضيت)[8].
– ويخبرنا الإمام مالك رحمه الله عن شيخه أيوب السختياني رحمه الله، فيقول: حججت معه حجتين، وكان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه، قال: فلما رأيتُ ما رأيت منه من إجلال للنبي صلى الله عليه وسلم كتبتُ عنه الحديث. وقال: ولقد رأيت الزهري؛ إذا ذُكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفتَه.
– وقال أيضا: ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر -وكان سيد القراء- لا نسأله عن حديث إلا يبكي حتى نرحمه. وقال: ولقد كنت أرى جعفر بن محمد -وكان كثير الدعابة والتبسم- فإذا ذُكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفرَّ وجهه.
– وكان الإمام مالك وهو الذي يحدثنا عن تلك الأحوال عن شيوخه، كان رحمه الله من أشد الناس تعظيماً للنبي صلى الله عليه وسلم ولسنته ولحديثه، كان لا يُحدِّث بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا وهو على طهارة، وكان ربما ذُكر عنده الحديث فيتغير لونه خشوعاً وإجلالا، ولقد لدغته مرةً عقربٌ وهو يُحدّث، فما قطع التحديث مع أن لونه كان يمتقع من شدة الألم، إجلالا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم.
خاتمــة:
من الواجب على كل مؤمن محبة نبيـنا الكريم صلى الله عليه وسلم ونصرته وتعظيمه وتوقيره، وتعزيره وحفظ مقامه، وقد شرع الله تعالى من العقوبة لمن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحفظ مقام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
ولنتأدب مع إمام الأنبياء وخيرة الخلق صلى الله عليه وسلم. وأول هذه الآداب تعظيمه في أنفسنا، ومحبته الموصولة بمحبة الله تعالى.
اللهم وفقنا إلى تعظيم نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، وتوقير ونصرته واتباعه، وارزقنا محبته؛ محبة كاملة، كما تحب وترضى.
والحمد لله رب العالمين.
[1] – الفتح : 8-9. وعنى تعزِّروه: أي تنصروه، ومعنى توقّروه: أي تعظّموه وتفخّموه.
[2] – الأعراف : 157.
[3] – ابن تيمية؛ أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني. بغية المرتاد. تحقيق: موسى بن سليمان الدويش. (مكتبة العلوم والحكم. الطبعة الثالثة: 1422–2001). الصفحة:511.
[4] – ياسين؛ عبد السلام. الإحسان. (مطبوعات الأفق -الدار البيضاء. الطبعة الأولى: 1998م). ج:1/ص:181.
[5] – رواه الإمام البخاري في صحيحه. كتاب الشروط، باب إذا اشترط في المزارعة إذا شئت أخرجتك. رقم الحديث: 2607.
[6] – رواه الإمام مسلم في صحيحه. كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج.
[7] – الطبراني. المعجم الكبير. باب الألف، “من اسمه أسامة”؛ “أسامة بن شريك الثعلبي”.
[8] – رواه الإمام البخاري في صحيحه. كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم حديث: 3615.