من سكينة البيت إلى عمران الأمة
بقلم: بشرى بنونة
الزواج منحةٌ من الله عز وجل لعباده، شرعه جل في علاه لحكمة عظيمة وغاية سامية، وهو ميثاق غليظ كما وصفه سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21].
وهو آيةٌ من آيات الله في هذا الكون العظيم، الذي يخضع لقوانين ونواميس يديرها الله بفعله وقدرته.
قلتُ سابقًا إن الزواج شُرع لغايات سامية، وهذا يعني أن اختلال الشروط يؤدي إلى غياب الغاية. يقول تعالى:
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187].
فهل تساءلنا يومًا لماذا اختار الله هذا الوصف دون غيره؟
إنه تعبير مجازي بليغ، فالله تعالى يضرب الأمثال لتقريب الصورة وتيسير الفهم.
فاللباس، كما هو معلوم لدى الجميع، يكسو الجسد حتى لا تظهر عورة المرء، كما يستعمل للوقاية من البرد، وللإحساس بالدفء والراحة. وهكذا أراد الله للعلاقة الزوجية أن تكون: سترًا، ووقاية، ودفئًا، وسكينة.
ويقول المولى جل في علاه أيضًا: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]،
وقال سبحانه: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: 21].
وهنا ذكر السكن: المأوى والملجأ الذي لا نحس في مكان غيره بالأمن والراحة النفسية والجسدية إلا داخله. هو المكان الذي لا تجفو فيه أعيننا إلا حين نعود إليه. فمهما غبنا عنه، ولو لسنين طويلة، يبقى الشوق إليه وأمل العودة نحوه حاضرًا في القلب في كل وقت وحين.
ليس بالضرورة أن يكون فخمًا أو فسيحًا، لكن الأهم هو ذلك الإحساس الجميل الذي لا نجده في أي مكان آخر، إحساس الطمأنينة والانتماء.
وقد منحنا الله أوصافًا دقيقة، بل يمكن أن نقول إنها وصفات ودواء لدوام هذه النعمة وعدم زوالها.
قال سبحانه: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
فالمودة مرتبة أعلى من الحب؛ بل إن الحب جزء منها. فالمودة احتواء، واحتضان، وإيواء، ولطف معاشرة، وتضحية، واشتياق دائم للمحبوب في حضوره وغيابه.
أما الرحمة فهي مشتقة من اسم الرحمن، وهو اسم عظيم من أسماء الله الحسنى. وهي تعني: العفو عند المقدرة، والتغاضي، والتغافل، والمداراة، ولين الجانب.
ولِمَ كل هذه المعاني: الرحمة، والمودة، والسكن، واللباس؟
بالطبع لدوام العلاقة واستمرارها.
أما إذا غابت هذه المعاني، وساد الجفاء، والغلظة، والتسلط، والأنانية، والقسوة، فإنه لا يمكن للعلاقة أن تستمر، ولن يسود الاستقرار. بل يؤدي ذلك إلى تفكك الأسر وخراب المجتمع، بل وفساد الأمة بأسرها.
فلماذا لا ننظر إلى الأمر من هذا المنظور؟
ألسنا نحن المسلمين نريد العزة والرفعة لهذا الدين؟ ألسنا نريد جيلًا صالحًا مصلحًا؟
ألم يوكّلنا الله سبحانه أمانة الاستخلاف في الأرض؟
فكيف يمكن أن يتحقق كل ذلك، والأصل غائب؟
كيف يمكن لنا التمكين في الأرض، ونحن لم نرقَ بعد إلى ما أراد الله لنا؟
هل نزل القرآن ليتلى ويُحفظ فحسب؟
ألم يأمرنا الله بتدبر آياته وفهم معانيه؟
ألم يُنزَّل القرآن الكريم لإعادة تشكيل الإنسان وبنائه، لأنه مكلّف بحمل أمانة عظيمة؟
إن العلو والرفعة والعزة تبدأ من بيت غمرته المودة والرحمة والسكينة، لا الجفاء والغلظة والقسوة.
ألم يؤسس رسولنا الكريم ﷺ المجتمع الإسلامي على الفضائل والقيم السامية، وعلى الحب واللين والرفق؟
فكيف تغيب هذه المعاني الراقية داخل البيوت المؤمنة، وهي الأساس الذي يقوم عليه البناء؟
ألم يقل جل في علاه:﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ﴾ [التوبة: 109]؟
فالبيت يحتاج إلى قوة وصلابة، ولكن من أين تأتي هذه القوة إذا كان داخله قلب جريح، أو نفس مظلومة، أو إنسان مهان لم يُعتبر له؟
إن ديننا الحنيف، كما ربانا الحبيب المصطفى ﷺ بأقواله وأفعاله وتقريراته، ليس مجرد شعائر تعبدية، بل هو دين معاملات وأخلاق.
قال تعالى مخاطبًا نبيه:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
ولم يقل سبحانه: “وإنك لعلى إيمان عظيم”، لأن المؤمن الحق سيكون حتما ذا أخلاق عالية وذوق رفيع في المعاملة.
فالمؤمن الذي غايته البناء، لا بد أن يحترم قواعده وأصوله، لا أن ينشغل بالفروع على حساب المقاصد. فلا يعقل أن ينشغل الناس بقضايا مثل القبض والسدل في الصلاة، بينما تُهمل القضايا الكبرى: كالفساد المستشري، والحقوق الضائعة التي يجب استرجاعها.
إن الفساد قد يسود البيوت من حيث لا نشعر.
أليست هناك حقوق مهضومة؟
أليست هناك رقاب مكسورة، وقلوب مثقلة، وأعباء على الأعناق؟
فكيف نقيم عدلًا في المجتمع، وهو غائب داخل البيوت؟
وكيف نريد استرجاع الحقوق ونحن نهضمها داخل أسرنا؟
وكيف نرجو عتق الرقاب، وحبال الظلم ما زالت مشدودة على الأعناق؟
وكيف أدعو لإخواني بالنصر، وأنا أمارس ما يؤخره؟
فالنصر يبدأ من تغيير الذات أولًا.
الخاتمة
إن بناء الأمة لا يبدأ من الشعارات الكبرى، بل من البيت الصغير؛ من علاقة تقوم على الاحترام المتبادل بين الزوجين، وعلى حفظ الكرامة الإنسانية لكل منهما. فالعلاقة الزوجية ليست علاقة جسد فحسب، بل هي علاقة أسمى وأعمق: علاقة روح وقلب ورسالة مشتركة في عمارة الأرض وبناء الإنسان.
فإذا أدرك الزوجان أن بينهما ميثاقًا غليظًا، وأن المودة والرحمة والسكن ليست كلمات تُتلى، بل معانٍ تُعاش، عندها يصبح البيت مدرسة للقيم، ومهدًا لجيل صالح مصلح، وقاعدة صلبة لبناء أمة قوية متماسكة.
فاحترام كل من الزوجين للآخر، ورعاية حقوقه، والتعامل معه بالرفق والرحمة، ليس فقط ضمانًا لاستقرار الأسرة، بل هو أيضًا لبنة أساسية في نهضة الأمة كلها.