من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان (2) سلسلة مقالات الصيام ورمضان وعبودية الجوارح؛
الدكتور أحمد الإدريسي
من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان (2)
سلسلة مقالات الصيام ورمضان وعبودية الجوارح؛
بقـلم: الدكتور أحمد الإدريسي.
مقدمة:
الصيام عبادة من أجلِّ العبادات، وقربة من أعظم القربات، وهو دأب الصالحين وشعار المتقين، يزكّي النفس ويهذّب الخُلُق، وهو مدرسة التقوى ودار الهدى، من دخله بنية صادقة واتباع صحيح خرج منه بشهادة الاستقامة، وكان من الناجين في الدنيا والآخرة.
وعليه فلا غَرو أن ترد في فضله أحاديث كثيرة تبين آثاره وعظيم أجره، وما أعده الله لأهله، وتحثّ المسلم على الاستكثار منه، وتهوِّن عليه ما قد يجده من عناء ومشقة في أدائه.
ومن هذه الأحاديث ما رواه الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (مَنْ صَامَ يَوْماً فِي سَبِيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا)[1].
أولا: أفضل الأعمال في رجب وشعبان:
إذا كان شهر رجب من الأشهر الحرم التي نهانا الله عن ارتكاب المعاصي فيهن، وفضل رجب داخل في عموم فضل الأشهر الحُرُم. فإن شهر شعبان من الشهور المباركة أيضا وكانت له مكانة خاصة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه السلام يكثر من الصيام في شهر شعبان، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”.
ثانيا: فضائل الصيام في شعبان.
كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم كثيرا في شهر شعبان، وفي صومه تنبيهٌ للناس إلى فَضل هذا الشهر العظيم؛ حتى لا يغفلوا عنه؛ لأنّه يأتي بين رجب، ورمضان، كما أنّ الأعمال تُرفَع في شعبان، فيُرافق عَرْضها على الله صيام العبد، وفي صيام شعبان تدريبٌ للنَّفس، وإعدادٌ لها لصيام رمضان.
ولعل الحِكمة في إكثار النبيّ من صيام شعبان ذهب بعض العلماء، كابن بطّال إلى أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّما كان يُكثر من صيام شهر شعبان؛ لانشغاله بسبب سفره، أو نحوه عن صيام الأيّام الثلاثة من كلّ شهر؛ فيصوم الأيّام التي فاتَته كلّها في شعبان، وقِيل إنّ صيامه شعبانَ كان تعظيماً لرمضان، وقِيل إنّه كان يصوم مع زوجاته اللاتي كُنَّ يقضين ما عليهنَّ من رمضان في شعبان.
قال ابن رجب رحمه الله: صيام شعبان أفضل من صيام الأشهر الحرم، وأفضل التطوع ما كان قريب من رمضان قبله وبعده، وتكون منزلته من الصيام بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها وهي تكملة لنقص الفرائض، وكذلك صيام ما قبل رمضان وبعده، فكما أن السنن الرواتب أفضل من التطوع المطلق بالصلاة فكذلك يكون صيام ما قبل رمضان وبعده أفضل من صيام ما بَعُد عنه.
ثالثا: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان.
ورد في هدي النبي صلى الله عليه وسلم في شعبان آثار كثيرة، نذكر منها:
– عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: (كان يصوم شعبان كله ، كان يصوم شعبان إلا قليلا)[2]. وقد رجح بعض العلماء منهم ابن المبارك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستكمل صيام شعبان، وإنما كان يصوم أكثره.
– عن عائشة رضي الله عنها، قالت : (ما علمته –تعني النبي صلى الله عليه وسلم– صام شهرا كله إلا رمضان)[3].
– كان سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما يكره أن يصوم شهرا كاملا غير رمضان، قال ابن حجر رحمه الله : كان صيامه في شعبان تطوعا أكثر من صيامه فيما سواه وكان يصوم معظم شعبان.
– عن عائشة رضي الله عنها قالت : (كان رسول الله يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم وما رأيت رسول الله استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان)[4].
– عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: (قلت يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟، فقال: “ذاك شهر تغفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم”)[5].
فقوله عليه السلام؛ “شعبان شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان”: يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان –الشهر الحرام وشهر الصيام– اشتغل الناس بهما عنه ، فصار مغفولا عنه، وبعض الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيام شعبان لأن رجب شهر حرام، وهو ليس كذلك.
وفيه أيضا دليل على استحباب عِمارة أوقات غفلة الناس بالطاعة ، كما كان بعض السلف يستحبون إحياء ما بين العشائين بالصلاة ويقولون هي ساعة غفلة ، ومثل هذا استحباب ذكر الله تعالى في السوق لأنه ذكْر في موطن الغفلة بين أهل الغفلة.
وكذلك فإن العمل الصالح في أوقات الغفلة أشق على النفوس، ومن أسباب أفضلية الأعمال مشقتها على النفوس لأن العمل إذا كثر المشاركون فيه سهُل، وإذا كثرت الغفلات شق ذلك على المتيقظين، وعند مسلم من حديث معقل بن يسار: “العبادة في الهرْج كالهجرة إلي”، ويعني أن العبادة في زمن الفتنة؛ لأن الناس يتبعون أهواءهم فيكون المتمسك يقوم بعمل شاق.
خاتمة:
لما كان شعبان كالمقدّمة لرمضان فإنه يكون فيه شيء مما يكون في رمضان من الصيام وقراءة القرآن والصدقة ، وقال سلمة بن سهيل كان يقال : شهر شعبان شهر القراء ، وكان حبيب بن أبي ثابت إذا دخل شعبان قال هذا شهر القراء ، وكان عمرو بن قيس المُلائي إذا دخل شعبان أغلق حانوته وتفرغ لقراءة القرآن.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل شعبان وعليه بقية من صيام تطوع لم يصمه قضاه في شعبان حتى يستكمل نوافله بالصوم قبل دخول رمضان – كما كان إذا فاته سنن الصلاة أو قيام الليل قضاه – فكانت عائشة حينئذ تغتنم قضاءه لنوافله فتقضي ما عليها من فرض رمضان حينئذ لفطرها فيه بالحيض وكانت في غيره من الشهور مشتغلة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وفي الختام نذكر؛ من بقي عليه شيء من رمضان الماضي فيجب عليه صيامه قبل أن يدخل رمضان القادم، ويُكره التأخير إلى ما بعد رمضان القادم إلا لضرورة (مثل العذر المستمر بين الرمضانين)، ومن قدر على القضاء قبل رمضان ولم يفعل فعليه مع القضاء بعده التوبة وإطعام مسكين عن كل يوم[6].
والحمد لله رب العالمين.
[1] – حديث متفق عليه واللفظ للإمام البخاري.
[2] – رواه الإمام مسلم.
[3] – رواه الإمام مسلم.
[4] – رواه البخاري ومسلم.
[5] – رواه النسائي. يُنظر: صحيح الترغيب والترهيب ص 425.
[6] – وهذا رأي الجمهور؛ مالك والشافعي وأحمد، وغيرهم.