منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مَصَارِعُ الغِلِّ

مَصَارِعُ الغِلِّ/فؤاد هراجة

0

مَصَارِعُ الغِلِّ

بقلم: فؤاد هراجة

الغلّ أو الغليل مصدر مشتق من فعل غَلّ يغِلّ، تقول العرب غَلَّّ صدره بمعنى كان ذو حقد وضَغَنٍ وغش، أما اصطلاحاً فالغلّ هو العداوة المتأصلة المتغلغلة في القلب، وهذه العداوة هي كراهية تصاحبها رغبة في النفس للانتقام من الشخص المكروه إلى درجة إنهائه من الوجود، وفي هذا يقول ابن منظور: ”الغل هو إمساك العداوة في القلب والتربص لفرصتها“.

وهذا الخلق الذميم لا تتوقف عواقبه الوخيمة على النفس فحسب، بل تتعداها لتعم الجسد، ذلك أن الغل يكون سببا في اضطرابات نفسية تعتمل داخل الشخص فتؤدي إلى أمراض جمة، من قَبِيلِ ارتفاع ضغط الدم، وداء بالسكري، وتمدد الشرايين، وتصلب عضلات القلب، وداء أعصاب المعدة والأمعاء، وآلام الرأس، والأرق…، وهي نتائج مادية تؤكد علاقة كل ما هو نفسي بما هو جسدي، مما يعني أن كثيرا من الأمراض الجسدية يمكن تفاديها كما يمكن معالجتها بتقويم النفس، عبر إخراج ما فيها من رذائل الأخلاق. ليبقى السؤال، من أين يأتى الغل، وما هي مداخله إلى القلب؟

عندما نستفتي القران الكريم يخبرنا أن الغل يندرج وينتظم في ” الجعلية الإلهية“ أي أنه ناموس من نواميس الله سبحانه جعله نتيجة حتمية وصيرورة لأفعال يقترفها الإنسان، وهو ما يدفعنا إلى البحث عن طبيعة هذه الأفعال والنظر كيف تتفاعل مع بعضها لتنتج أخطر وأعنف رذيلة وهي ”الغل“؟ في سياق قوله تعالى: ”ولا تجعل في قلوبنا غلا“ يقدم الحق سبحانه الوصفة الربانية الناجعة لهذا الداء العضال، فيرشدنا سبحانه إلى لزوم الاستغفار لرفع الغل من القلوب، باعتبار أن هذا الأخير خارج عن إرادة البشر ولا حول ولا قوة لهم حياله؛ فالله سبحانه هو الذي ”جعله“ وهو الوحيد القادر على نزعه من القلوب أو منعه من التغلغل فيها، لنتبين أن اقتراف الذنوب وتراكمها في القلب نَكْتَةً نَكْتَة، هي التي تفسد القلب فيغدو حرثا للحقد والضغينة والحسد والغش ومن ثم إلى الغل. ولأن الغل صيرورة وجعلية إلهية كان دواؤه هو الدعاء واللجوء إلى الله والاستفتاح والتوسل برأفته ورحمته، وهو ما تُعَلِّمُنا إياه سورة الحشر في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ“. فملازمة الاستغفار فيه تطهير للقلب من الأدران والصدأ، وملازمة الدعاء للغير فيه تليين للقلب وغرس حب الخلق فيه، فكما جعل الله الغل داءً حتميا ينتهي إليه كل قلب مذنب صاحبه، فإنه جعل الدعاء والاستغفار دواء شافيا منه لكل من لزمهما لنفسه ولغيره من أهل السابقة بالإيمان؛ ذلك أن مأتى الحسد والحقد والضغينة والغل هو شعور الشخص بسبق الآخرين له في نوال نِعَمِ الله المادية والمعنوية، ويأسه هو من الحصول عليها، فيتمنى زوالها عن غيره من الخلق؛ أما المؤمن المتطلع إلى مقامات الاحسان والقرب من الله، فيستغرق حياته في تزكية نفسه، وتطهير قلبه، حتى يلقى الله بقلب سليم، وكله يقين أن الجنة محرمة على كل من في قلبه مثقال حبة من خردل من الكبر، وما الغل إلا أبشع صور الكِبْرِ. ونظرا لشدة تغلغل الغل في داخل الانسان، فإنه قد يبقى شعورا ملازما له حتى وإن كان من أهل الجنة إلى أن ينزعه الله من صدره وليس من قلبه، لأنه لا يجوز لمؤمن أن يلقى الله وفي قلبه غل لأحد قال تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ)، وعليه فإن كل مجاهد وفقه الله للتخلص من الغل ، وشرح صدره، وجعل قلبه يتسع للخلق والخلائق عاش دنياه بنفحات آخرته، وعرف ريح الجنة رغم معافسته للحياة المادية.

لنستخلص أن الغل صيرورة وجعلية وحتمية وداء يصيب القلب بسبب الذنوب، وأن علاجه ودواءه يكمن في لزوم الاستغفار للنفس وللغير، ثم الدعاء لأهل السابقة من الايمان والخير، وهذا لا يحصل إلا بالتواضع مع الناس، وحسن الظن بهم، ومحبتهم لانهم خلق الله وعياله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.