منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الرحمة المنسية

الدكتور محمد السقا عيد

0

الرحمة المنسية

بقلم: الدكتور محمد السقا عيد

تُعَدّ الرحمة من أسمى القيم التي قامت عليها الرسالات السماوية، وهي في التصور الإسلامي ليست خُلُقًا فرديًا فحسب، بل مبدأً كونيًا شاملًا يحكم علاقة الإنسان بربه، وبذاته، وبالآخرين، وبالوجود من حوله. وقد ارتبط مفهوم الرحمة في الإسلام ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة والتشريع والسلوك، حتى غدت سِمةً أصيلة من سمات هذا الدين، وعلامةً فارقة في بناء الإنسان والمجتمع.

فالرحمة صفةٌ من صفات الله تعالى، بها ابتدأ كتابه، وبها عرّف نفسه لعباده، فكان الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كلَّ شيء، وكتبها للمتقين، وجعلها أصل العلاقة بينه وبين خلقه، وبها وصف نفسه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، حتى تصدّر اسما الرحمن الرحيم سورَ القرآن الكريم، في دلالة بليغة على سَعة هذه الصفة وعظيم شأنها. وقد أكد القرآن شمول رحمة الله لكل المخلوقات، فقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فهي رحمة عامة في الدنيا تشمل المؤمن والكافر، ورحمة خاصة في الآخرة ينالها أهل الإيمان والتقوى. وقد كتب الله الرحمة على نفسه تفضّلًا وإحسانًا، وجعلها سابقة على غضبه، ليظل باب الأمل مفتوحًا أمام الإنسان مهما عظمت زلّاته.

وقد تجلّت هذه الرحمة في نعمه الظاهرة والباطنة، وفي تشريعاته التي رفعت الحرج عن الإنسان، وفي إرساله الرسل لهداية البشر، وكان خاتمهم محمد ﷺ رحمةً مهداةً للعالمين. فالرحمة في الإسلام ليست شعورًا عابرًا، بل منهج حياة يزكّي النفس، ويهذّب السلوك، ويشيع الطمأنينة بين الناس، إذ بها تُحفظ الكرامة الإنسانية، وتُصان الحقوق، ويتحوّل المجتمع إلى كيان متماسك تسوده المودة والتكافل.

ومن أعظم مظاهر الرحمة الإلهية بعثة الأنبياء لهداية البشر، وكان ختامهم النبي محمد ﷺ الذي جعله الله رحمةً للعالمين كافة. وقد تجسّدت الرحمة في شخصه الكريم خُلقًا وسلوكًا، فكان رفيقًا بالضعفاء، عطوفًا على الفقراء، حليمًا في مواضع الشدة، حتى مع مخالفيه وأعدائه. كما جاء التشريع الإسلامي قائمًا على رفع الحرج، وتحقيق المصالح، ودفع المفاسد، فكانت أحكامه تعبيرًا عمليًا عن رحمة الله بعباده.

ولم يقف الإسلام عند تقرير الرحمة كصفة إلهية، بل دعا الإنسان إلى التخلّق بها، وجعلها مقياسًا لصدق الإيمان، إذ قال النبي ﷺ: «من لا يَرحم لا يُرحم». فتتجلّى الرحمة في برّ الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى اليتامى والمحتاجين، والرفق بالمرضى وكبار السن، كما تمتد لتشمل الحيوان والبيئة، في صورة متكاملة تعكس إنسانية الإسلام ورقيّه الأخلاقي.

وللرحمة أثر عميق في تزكية النفس وبناء الشخصية المتوازنة، فهي تُهذّب القلوب، وتكبح نوازع القسوة والعنف، وتُشيع السكينة في النفوس. وعلى المستوى الاجتماعي، تُسهم الرحمة في توطيد العلاقات الإنسانية، وتعزيز قيم التكافل والتضامن، وتحويل المجتمع إلى كيان متراحم يشعر أفراده بآلام بعضهم بعضًا، فيغدو أكثر قدرة على تجاوز الأزمات وبناء مستقبل مشترك.

وفي عالم يزداد اضطرابًا، وتتصاعد فيه مظاهر العنف والأنانية، تبرز الرحمة بوصفها حاجة إنسانية ملحّة، وقيمة قادرة على إعادة التوازن إلى العلاقات الإنسانية. فحين تُستعاد الرحمة في الخطاب الديني، والتربية، والإعلام، تتحول من مفهوم نظري إلى قوة فاعلة تُعيد للإنسان إنسانيته، وللمجتمع تماسكه.

وختامًا، فإن الرحمة ليست ضعفًا كما يتوهّم البعض، بل هي قمّة القوة الأخلاقية، ودليل النضج الإنساني. وهي في التصور الإسلامي جسرٌ يصل بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والعمران، وبين السماء والأرض. فبقدر ما تتجذّر الرحمة في القلوب، يزدهر الإنسان، ويعلو المجتمع، وتتحقق رسالة الاستخلاف التي أرادها الله لعباده.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.