منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلسلة خطبة الجمعة || التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في بيته منهج تربوي روحي عملي

بن سالم باهشام

0

سلسلة خطبة الجمعة

التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في بيته
منهج تربوي روحي عملي

بن سالم باهشام
خطيب مسجد أم الربيع خنيفرة

عباد الله، يقول تعالى في سورة الأحزاب: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21]، التأسي هو المتابعة والاقتداء، والذي هو من علامة المحبة والإيمان، وهذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله؛ [تفسير القرآن العظيم، لابن كثير (6/ 391)]، لهذا فالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم، إنما هو محبة واتباع، وسبيل للترقي في مدارج الإيمان والإحسان، بحيث لا يتحقق كمال الإيمان وحقيقة الإسلام، إلا بالتعلق بأخلاق هذا الرسول الكريم في السراء والضراء والمنشط والمكره، وذلك بدافع الإيمان به، ومحبته، واتباع سنته صلى الله عليه وسلم في سلوكه وأخلاقه ومعاملاته، في جميع شؤون الحياة، عن طواعية وعفوية، لا بتصنع وتكلف، وخاصة في بيته، حيث تتشكل الشخصية والأسرة المسلمة.

عباد الله، روى ابن ماجه، وابن سعد، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وابن سعد، عن عبد الله بن شداد رضي الله عنه، والخطيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، والطبراني، عن معاوية رضي الله عنه، أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- قال: (خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي). [حديث ابن عباس: أخرجه ابن ماجه (1/636، رقم 1977)، وابن سعد (8/205)، وحديث عبد الله بن شداد: أخرجه ابن سعد (8/205)، وحديث أبي هريرة: أخرجه الخطيب (7/13)، وحديث معاوية: أخرجه الطبراني (19/363، رقم 853)]. هذا الحديث يصحح للناس ميزان التفاضل والخيرية، بحيث (إن الأهل هم الأحقاء بالبِشْر وحسن الخلق والإحسان، وجلب النفع ودفع الضر، فإذا كان الرجل كذلك فهو خير الناس، وإن كان على العكس من ذلك فهو في الجانب الآخر من الشر، وكثيرًا ما يقع الناس في هذه الورطة، فترى الرجل إذا لقي أهله كان أسوأ الناس أخلاقًا، وأشجعهم نفسًا، وأقلهم خيرًا، وإذا لقي غير الأهل من الأجانب، لانت عريكتُه، وانبسطت أخلاقه، وجادت نفسه، وكثر خيره، ولا شك أن من كان كذلك فهو محروم التوفيق، زائغ عن سواء الطريق، نسأل الله السلامة) [ نيل الأوطار للشوكاني: 6 /246]. والمراد من الحديث أن يعامل المسلم زوجته وأولاده، وكل من يعيش تحت كنفه بطلاقة الوجه، وكفِّ الأذى، والإحسان إليهم، والصبر على أذاهم، والخيرية للأهل ليست بالأثاث الفاخر، والمنزل الكبير، والسيارة الفخمة الفارهة، وكثرة الإنفاق! وإنما في فعل ما الله به أمر، وترك ما عنه زجر، فإن أزعجك شيء من المرأة فغيّبه عن لسانك وأفعالك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه: (لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤِمْنِةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا، رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ) [ صحيح مسلم: 61 –  (1469)]، ولا تجعل الشيء الناقص فيها هو دَيْدنك وبين عينيك وعلى لسانك، فلن تسعد معها، وسوف تشتدُّ معك الأمور، ويبقى النكد يحيط بك، وإن أزعجك شيء من الأولاد، فلا تتعامل بالغلظة والعنف، وعليك بالرفق؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه: (إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي على الرِّفْق مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، ومَا لا يُعْطِي على ما سواه)[ مسلم في صحيحه ج4/ص2004 ح2593]، وبالرفق يعمُّ الخير في البيت، فقد روى أحمد، والبخاري في التاريخ، وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عائشة رضي الله عنها قالت، والبزار عن جابر رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ) [حديث عائشة: أخرجه أحمد (6/71، رقم 24471)، والبخاري في التاريخ الكبير (1/416)، والبيهقي في شعب الإيمان (5/253، رقم 6560)، والبغوي في الجعديات (1/495، رقم 3453)، وحديث جابر: أخرجه البزار كما في كشف الأستار (2/404 رقم 1965)، قال الهيثمي (8/19): رجاله رجال الصحيح].

عباد الله، إنما ينال المؤمن هذه الخيرية التي ذكرها الحديث النبوي الشريف؛ لأنها من حُسْن الخُلُق، والناس درجات فيه، وأحسنهم خلقًا: رسولنا صلى الله عليه وسلم، الذي قال عنه ربنا في سورة القلم: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]، و(الدينُ كُلُّه خُلُق، فمن زاد عليك في الخُلُق، زاد عليك في الدين) [ مدارج السالكين، لابن القيم(2/294). ]، لهذا يعد التأسي برسول الله صلى الله وسلم في بيته شعبة من شعب الإيمان السبع والسبعين،  وهي الشعبة الخامسة من خصلة الصحبة والجماعة،  والتي هي الخصلة الأولى ضمن خصال الإيمان العشر.

عباد الله، من خلال هذه الشعبة؛ نتبين أهمية الاقتداء الكامل بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في حياته الأسرية، باعتبار ذلك جزءًا من الصحبة والجماعة، التي تبنى عليها الشخصية المسلمة الصالحة، والقادرة على التغيير والإصلاح، هذا التأسي يشمل السلوكيات والأخلاق التي كان يتحلى بها النبي صلى الله عليه وسلم في بيته مع أهله، وهو امتداد لشعبة سابقة، وهي الشعبة الرابعة، والتي هي التأسي بخلقه صلى الله عليه وسلم.

عباد الله، إن البيت النبوي، هو نموذج للتربية الإيمانية والإنسانية الشاملة، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم، يجتمع مع أهله سرًا؛ ليعلمهم القرآن والحكمة، بعيدًا عن أعين الطغاة، مما يجعل البيت مدرسة للتربية الروحية والأخلاقية، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيته، هو جزء لا يتجزأ من الاقتداء الكامل به في كل جوانب الحياة.

عباد الله، إن أهمية الشعبة الخامسة، تتجلى في التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أهله وأسرته، بصفته قدوة في الرحمة، والعدل، والخلق الحسن، والبيت النبوي يعتبر نموذجا تربويا لتعليم القيم الإسلامية، والخلق الكريم، وجزءا من بناء الفرد المسلم في الجماعة، والذي يبدأ بتغيير النفس استعدادًا لتغيير المجتمع والأمة.

عباد الله، إن هذه الشعبة، تأتي ضمن سياق أوسع في نظرية التربية الإنسانية، والتي تركز على بناء الإنسان المسلم المتكامل الذي يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل تفاصيل حياته، خاصة في بيته، حيث تتشكل الشخصية والأسرة.

عباد الله، إن التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في بيته، هو موضوع تربوي وإيماني مهم، حيث يُعتبر البيت النبوي نموذجًا حيًا لتربية الفرد المسلم على القيم والأخلاق الإسلامية، والبيت النبوي هو مدرسة روحية وأخلاقية، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعامل مع أهله بالرحمة، وبالعدل، وبالخلق الحسن، مما يجعل الاقتداء به في بيته أساسًا للتربية الإيمانية الصحيحة التي تزكي النفس، وتربي القلب، لهذا استحقت هذه الشعبة الإيمانية أن تكون في المرتبة الخامسة من شعب الإيمان، بعد حب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والحب في الله، وصحبة المؤمنين وإكرامهم، والتأسي بخلق الرسول صلى الله عليه وسلم، وبهذا نكون قد انتقلنا من العام إلى الخاص،  لندرك أن التأسي لا يقتصر على التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، بل يجب أن يكون وظيفيًا، مرتبطًا بسؤال عملي حول كيفية تطبيق هديه صلى الله عليه وسلم في الحياة المعاصرة؛ مع مراعاة الفروق الزمانية والثقافية، وهذا يتطلب منهجية علمية متكاملة. لهذا ينبغي تأسيس علمي منهجي للتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، يأخذ في الاعتبار الفروق الثقافية والاجتماعية، ويوازن بين الأصول والمستجدات، لتطبيق هدي النبي صلى الله عليه وسلم في البيت والأسرة بشكل فعّال ومناسب.

عباد الله، إن مجالات التأسي في البيت، تشمل التأسي بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في بيته، مثل حسن المعاملة، والرحمة، والصدق، والعدل، وكذلك تنظيم الحياة الأسرية، والتربية على القيم الإسلامية، وهو ما يعزز بناء شخصية إيمانية متكاملة.

عباد الله، إن التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيته، له أثر فعال على الفرد وعلى المجتمع، لكونه منهجًا تربويًا روحيًا عمليًا، يهدف إلى تربية الفرد المسلم على القيم الإسلامية الأصيلة، وبناء الأسرة المسلمة الصالحة، والتي هي الخلية الأولى للمجتمع، مما ينعكس إيجابًا على المجتمع ككل.

عباد الله، كيف نربط بين الشعبة الخامسة، والتي هي التأسي بالرسول صلى الله عليه ويلم في بيته، والتزكية الروحية في التربية الإيمانية؟ يمكن أن نربط بين الشعبة الخامسة، التي تتمثل في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، وبين التزكية الروحية، باعتبارها ركيزة أساسية في التربية الإيمانية الإحسانية التي تهدف إلى تزكية النفس وتهذيبها استعدادًا للقاء الله عز وجل. في كون هذه التزكية، ليست مجرد تقوى نظرية، بل هي عملية روحية عميقة، تبدأ من البيت، حيث يكون الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، في سلوكه وأخلاقه الأسرية، نموذجًا حيًا لتربية القلب والروح.

عباد الله، إن التربية الروحية أو التزكية، هي الزاد الذي يتزود به المؤمن في حياته، وهي شرط أساسي لصناعة الرجولة الإيمانية، ولا جهاد بدونها، والتربية الروحية تقوم على مقومات أساسية منها: الصحبة الصالحة، والذكر، والصدق، وهي شروط تتجسد عمليًا في البيت النبوي الذي يُعد محضنًا للتربية الروحية.

عباد الله، إن التزكية هي تربية جديدة للخلق الجديد، ترتقي بالفرد من مجرد المعرفة إلى الإحسان، أي الإحساس الدائم بحضور الله تعالى، وتزكية النفس، تعني إخراج حب الدنيا من القلب، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا عبر الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيته، حيث الرحمة والعدل والسكينة. هذه العملية التربوية الروحية، تؤسس للفرد المسلم ليكون صالحًا في نفسه وجماعته، قادرًا على حمل رسالة الإسلام في المجتمع.

عباد الله، إن هذه الشعبة الخامسة، تعتبر جزءا من منظومة التزكية الروحية التي تبدأ بالاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، في بيته، لتكون بذلك البيت؛ مدرسة روحية وأخلاقية لتزكية النفس، وتربية القلب على الإيمان والإحسان، مما يجعل التربية الإيمانية متكاملة وجاهزة للجهاد والعمل الصالح.

عباد الله، إن العلاقة بين الشعبة الخامسة، التي تتمثل في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته، وبين أسس التربية الروحية، أنها علاقة جوهرية ومتداخلة، حيث تُعد الشعبة الخامسة تطبيقًا عمليًا وواقعيًا لأسس التربية الروحية، ويمكن توضيح هذه العلاقة على النحو التالي: البيت النبوي؛ يعتبر محضنا للتربية الروحية، فالبيت النبوي هو نموذج تربوي روحي وأخلاقي، حيث تتجلى فيه قيم الرحمة، والعدل، والسكينة، وهو البيئة الأولى التي تنشأ فيها النفس المسلمة على الإيمان والتزكية، مما يجعل التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيته جزءًا أساسيًا من التربية الروحية، التربية الروحية كأساس للتزكية والنمو الإيماني، فالتربية الروحية تقوم على مقومات أساسية، مثل الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، وهذه المقومات الثلاث، تعتبر من شروط التربية، ضمن منظومة الخصال العشر لشعب الإيمان، – والتي هي: الصحبة والجماعة، والذكر، والصدق، والبذل، والعلم، والعمل، والسمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، والجهاد -، تتجسد في البيت النبوي الذي يمثل نموذج الصحبة الصالحة، والجماعة المؤمنة، حيث يتعلم الفرد كيف يربط قلبه بالله، ويتخلق بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في حياته الأسرية، وهذه الشعبة الخامسة، تعتبر وسيلة لتحقيق شروط التربية الروحية، وهي معادلة تربوية متكاملة، والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيته يحقق هذه الشروط عمليًا، لأن البيت النبوي، هو المكان الذي تمارس فيه هذه القيم وتتجسد، والتربية الروحية كمدخل للجهاد والعمل الصالح، إذ أن التربية الروحية، هي الواجهة الأولى للجهاد، وأن بناء الفرد المسلم الصالح، يبدأ بتزكية النفس في البيت، وهذا ما يتحقق في الشعبة الخامسة، حيث يتعلم الفرد الإحسان، والخلق النبوي الذي يؤهله للعمل في المجتمع والجهاد.

عباد الله، إن الشعبة الخامسة من شعب الإيمان، والتي هي التأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم في بيته، هي تطبيق عملي لأسس التربية الروحية، حيث البيت النبوي هو المدرسة الأولى التي تُزكى فيها النفس، ويتعلم فيها المسلم كيف يكون تواصله بالله، وبالناس، على نهج النبي صلى الله عليه وسلم، مما يجعل التربية الروحية متجذرة في الحياة اليومية للفرد، وتؤسس لبناء الشخصية الإيمانية الصالحة القادرة على التغيير والإصلاح.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.