منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فاضمة حمو… غيرة ابن تاشفين

عبد الفتاح بلخوار

0

فاضمة حمو… غيرة ابن تاشفين

بقلم: عبد الفتاح بلخوار

كثيرةٌ هي الوجوه التي هبّت على حياتي كنسمةٍ لا تستقر، ثم تلاشت…
قليلةٌ هي الوجوه التي أودعتُها روحي، فعاشت فيها كما تعيش النجوم في ليلٍ لا ينطفئ ، وجدّتي فاضمة بنت حمو الصنهاجي واحدةٌ من تلك الوجوه التي لاتكبر ولا تشيخ، بل تبقى كما هي:
كانت صفحةً من نورٍ لا يبهت، ولحظةً من الزمن كُتبت في دفتر الدهر لا في دفتر الناس.

وكانت جدّتي من صنهاجة… تلك الجبهة الصامدة من جباه المغرب،
قبيلةٌ إذا ذُكرت انتفض التاريخ، وإذا ذكَرها الدينُ اغتنى بفرسانٍ حرسوه من الجنوب حتى تخوم الأندلس.

وقبيلة صنهاجة لا تُنجب نساءً، بل تُنجب قِممًا تمشي على قدمين.
نساءٌ يَحملن في وجوههنّ تضاريس الجبال، وفي أصواتهن هدير الماء المنساب، يجمعن بين قسوة الصخر ورقّة الغيم.

ويا عجبًا!
ويا لغرابة تلك المرأة!
– نناديها جدة حمو، و اهل قبيلتها ينادونها تزناكت  TAZNAGT  كانت إذا ضحكت بدا وجهُها كوجه طفلةٍ عادت للتو من اللعب، وإذا وقفت للحقّ رأيتها كآيةٍ تنزل على الأرض بثبات.

في يومٍ مشرق، من تلك الأيام التي تشعر فيها أن الشمس تبتسم للناس، وأن النسيم يُصافح الوجوه مصافحة صديقٍ قديم، نزلت جدّتي مع نساء القبيلة، إلى رحاب المطحنة التي تدور بعجلة الماء…
وكان ماءُ  “سميحة”  – هكذا كانوا ينطقونها، لا أدري أهي بالسين أم بالصاد – ليس نهرًا، بل روحًا من أرواح الجبل تسيل على وجه الأرض

وكُنّ ينقّين الحبوب، وتتطاير الضحكات مثل حبات القمح حين يفرّقها الهواء، وكانت بينهنّ امرأةٌ يهودية، آخرُ أثرٍ لِقومٍ عاشوا بين المسلمين كما يعيش الجفن إلى جوار العين: لا يجرحه، ولا يضيق به.

وكانت جدّتي تعاملها حسن المعاملة، فالقلوب في ذلك الزمن لم تكن تعرف ضغينةً إلا كما يعرف الطفلُ كلمةً سمعها ولم يفهمها.

قالت لها جدّتي برفقٍ يشبه النسيم:
– ناوليني الغربال من فضلك.
فالتفتت اليهودية التفاتةَ من وُلد وفي صدره حجر، وقالت بصلابة:
– أتظنّينني أَمَةً عندك؟

كانت كلمةً كالحجر يُلقى في ماءٍ ساكن، لا يُسمَع وقعه، لكن اضطرابه يشي به.

توقفت الضحكات، وتجمّد الهواء، وصار المكان كأنه ينتظر شيئًا جليلًا.

لم تقل جدّتي شيئًا؛ فالدهشةُ أحيانًا تُسكت حتى اللسان الذي تعوّد الصراخ.
لكن اليهودية تابعت، وإذا بالغرور يفيض من فمها كما يفيض الدخان من فم النار:
نحن شعب الله المختار… جئنا لنحكمكم! وسنذهب إلى فلسطين فنركب الخيل ونقطع رؤوسكم!”

وكانت تحرّك يدها كأنها تتدرّب على الطعن، وكأنما رأت نفسها فارسةً على جواد وهمي.

هناك…
قامت جدّتي.

قامت… لا كما يقوم الناس،
بل كما يقوم الجبل إذا تحرّك، كأن صخره أرسل فيها نبضًا يقول:
قومي… فالكرامة لا تتأخر.”

لم تتحدث، فالمواقف العظيمة تُصاب بالخرس.
ولكنها تقدّمت نحو اليهودية..
تقدّمَ السيل نحو غصنٍ ظنّ أنه يستطيع الوقوف في وجهه.

أمسكتها كما يمسك السيل غصنًا ضعيفًا، وألقتها في العجلة الدوّارة.
دارت… ودارت معها زهوة الاستعلاء،
ثم قذفها الماء بعيدًا، حتى غاب ظلّها سبعة كيلومترات.

لم تمت…
ولكن مات في قلبها شيءٌ لم يعد يُبعث بعد ذلك اليوم أبدًا: مَرَحُ الاستعلاء.

جيء بجدّتي إلى “دار القايد”.
وكان القايد في ذلك الزمان صوتًا من أصوات السلطة التي تستمد ظلّها من “الكلاوي”.

وقفت جدّتي أمامه، وقفت كما تقف شجرة السدر في مهبّ الريح:
لا تنحني…
ولا تتكسر…

حكت ما وقع، بصفاءٍ يجعل الكذبَ يخجل من نفسه.

أما اليهودية… فلم ترفع عينها، كأنها تخاف أن ترى في نظرة جدّتي شيئًا من ذلك اليوم الذي غَسَل النهر فيه كبرياءها.

وحُكم على ” تازناكت” بحبس أيام في دار “القايد” تكسر فيه الملح، ودخلت معها أمي الصغيرة
التي كانت شاهدة على شجاعة أمها، و تعلمت درسا في الإباء لا يمحى ما زالت تحكيه إلى الآن.

دخلت جدّتي سجنها كما يدخل الحديد النار، وخرجت منه أصلبَ مما كانت، وخرجت معها أمي صغيرةً تحمل درسًا لا يُنسى: أن الشجاعة قد تُلقَّن في لحظة، لكنها تبقى عمرًا.

وورثت أمي كثيرا منها.

ورثتُ منها ما لا يُشترى ولا يُوزن…
ورثتُ منها درسًا في الكرامة يساوي أمّة، وموقفًا تُصفّق له السماء.

ورثتُ منها معنى الكرامة، ومعنى الشجاعة، ومعنى أن الإيمان قد يجعل من امرأةٍ واحدة أمّةً بأكملها.

رحم الله جدّتي…
وألحقها بالصالحين…
وجعل في ذريتها – وفي كتابتي عنها –
ظلًّا من ظلّها الطاهر الذي لا يزول.

و حفظ أمي و رزقني برها آمين.

في رعاية الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.