عبادة الصيام: حكم وأسرار
بقلم: د. مارية إيدري
سمو روحي يقترب بالصائم حق الصيام من الملإ الأعلى؛ حق الصيام هو كف الجسم عن الماديات الممنوعة شرعا، وكذا الجوارح واللسان عن المعاصي، وشغلها بالعبادة لتضفي على القلب روحانية تنسيه أثقال الأرض ليتعلق بمعاني السماء. عن هذا الصيام الكلي يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فهُو لي وأنا أجزي به.[1] فليس كل صوم من قبيل هذا الذي سيجزي الله به، وإنما الصيام المقصود هو الذي يشمل الجوارح كلها، فهذا له تأثير عجيب في حفظ الجوارح الظاهرة ، والقوى الباطنة ، وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها ، واستفراغ المواد الرديئة المانعة لها من صحَّتها ؛ فالصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ، ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات.[2]
فالصوم يكسر النفس ويحد من شهواتها فتهدأ وتركن لخالقها، لذلك قيل: إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء ، وإذا شبعت جاعت كلُّها. فالصيام إذا هو صيام عن المعاصي كلها قولا وفعلا وليس كما قال عليه السلام ـ حين قال:(رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ، ورب قائم حظُّه من قيامه السهر والتعب)[3]. لأن” أهون الصيام ترك الشراب والطعام، وقال جابر رضي الله عنه: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم ، ودع أذى الجار ، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء”[4]. ومن أخطر الأمور على الصائم الغيبة والكذب فإنهما تفسدان الصيام، عن أبي هريرة رضي الله قال:(الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرقعه، فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقع فليفعل).علَّق الإمام ابن رجب على هذا الأثر قائلاً: (فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع، وعمل صالح له شافع، كم نخرق صيامنا بسهام الكلام، ثمَّ نرقعه، وقد اتسع الخرق على الراقع والمقصود أنَّ من أراد الصوم الحقيقي فليحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه وفرحه برؤيته:
أهل الخصوص من الصوام صومهم *** صون اللسان عن البهتان والكذب
والعارفون وأهل الأنس صومهم *** صون القلوب عن الأغيار والحجب [5]
ومن المعاني التي لأجلها شرع الصيام أيضا، “ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع” لهذا نجد أن من أسماء هذا الشهر:(شهر المواساة) حيث يواسي فيه الأغنياء، إخوانهم الفقراء والمعدمين. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم إسوة كما ذكر ابن عبَّاس ـ رضي الله عنه قال:(كان رسول الله أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان )[6]
قال الإمام الشافعي: أحبُّ للرجل الزيادة بالجود في رمضان ، اقتداءً برسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ، ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم”[7]
فالإحساس بالفقراء من أعظم النعم التي حرمها الكثير من الناس، حيث انشغل الناس بأنفسهم وطغت أنانيتهم فلا تكاد تجد من يلتفت إلى غيره إلا القليل وخصوصا غير المسلمين، لأن من نعم الله على المسلم الإحساس بالناس والرحمة بهم، وشهر رمضان جاء ليرسخ هاته القيمة ويثمنها حيث أجزل الله العطاء وضاعفه فيه، فقد أخرج البيهقي بسنده عن أمِّ عمارة بنت كعب الأنصارية أنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعت له بطعام فقال لها : كلي ، فقالت: إني صائمة ، فقال ـ عليه الصلاة والسلام(إنَّ الصائم إذا أُكِل عنده صلَّت عليه الملائكة حتَّى يفرغوا)[8]؛ ومن الأحاديث الدالَّة على استحباب تفطير الصائم ، قوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ:(من فطَّر صائماً كان له مثل أجره غير أنَّه لا ينقص من أجر الصائم شيء)[9]
فالصيام (كما يقول ابن القيم) هو لجام المتقين، وجنة المحاربين، ورياضة الأبرار والمقربين، وهو لرب العالمين من سائر الأعمال، وهو سر بين العبد وربه لا يطلع عليه سواه. وللصوم تأثير عجيب في حفظ الجوار الظاهرة والقوى الباطنة وحميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة، واستفراغ المواد الرديئة المانعة من صحتها. والصوم يحفظ على القلب والجوارح صحتها ويعيد إليها ما استلبته منها أيدي الشهوات فهو من أكبر العون على التقوى.
[1]– الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[2] زاد المعاد2/29
[3]– أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة
[4]– لطائف المعارف-ص292
[5]– نفسه –ص 314
[6]أخرجه البخاري (1902)-
[7]– لطائف المعارف-ص 315.
[8]– السنن الكبرى4/305
[9]– أخرجه الإمام أحمد2/174.