خطبة حجة الوداع، وصايا خالدة
يعقوب زروق
في حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة عظيمة يوم عرفة. أصغى إليها مائتا ألف من المسلمين الذين حجوا معه بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجا. وبقيت خالدة للأمة من بعدهم. فقد ضمنها صلى الله عليه وسلم خلاصة ما دعا إليه في حياته. وصايا خالدة من قلب الرؤوف الرحيم الحريص على الناس يزكيهم ويعلمهم. فحري بنا في هذه الأيام العشر ونحن نستقبل يوم عرفة أن نقف مع هذه الخطبة فكل كلمة فيها أمر ذو بال . نقف معها فقرة، فقرة. ونعلق بما يتيح الفهم والاستفادة.
تسليم الأمانة:
ذكر ابن هشام وغيره من أهل السير أنه ﷺ قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أيها الناس: اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا، أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلّغت، اللهم فاشهد، فمن كانت عنده أمانة، فليؤدها إلى من ائتمنه عليها..
يحث صلى الله عليه وسلم الناس على الاستماع فهي خطبة وداع . مشعرا إياهم بعظم الأمانة التي بلغها وها هو يحملها الأمة من بعده ويشهد الله على البلاغ. أمانة بلغها صلى الله عليه وسلم كما أمره ربه وحفظها الصالحون من بعده المجاهدون المخلصون العاملون القائمون على الثغور. وضيعها من العلماء من داروا مع السلطان وفارقوا القرآن، وخرسوا عن قول الحق، وعجزوا عن نصرة المظلوم، وهابوا أن يقولوا للظالم يا ظالم. وضيعها الحكام حين عبثوا بأموال الأمة وبذروها. وحين والوا أعداء الأمة الذين سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام.
زيال الجاهلية:
ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدميّ موضوع، وربا الجاهلية موضوع، وإن أول ربا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب. وإنّ دماء الجاهلية موضوعة، وأول دم أبدأ به دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. وإنّ ماثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية. والعمد قود ، وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر، وفيه مائة بعير، فمن زاد فهو من أهل الجاهلية.
إنه صلى الله عليه وسلم يدعو إلى مزايلة الجاهلية روحا وشكلا ويسقط كل ما يتصل بها من أعمال وعادات خص منها صلى الله عليه وسلم الربا والدماء، فلا ثأر مما كان في الجاهلية. وأكد على إسقاط مآثرها من أوثان الحس والخيال. تلك الأوثان التي اتخذت في عصرنا صورا متعددة تخدع الناظرين: إيديولوجيات ومنظمات وأشخاص وأموال وإعلام صارت أوثانا يعبدها الناس وتتحكم في رقابهم . ومن أبرز ما تتحكم به فيهم الربا التي استعبد المستكبرون بها الأفراد والدول .
تربية وتزكية:
ثم قال صلى الله عليه وسلم: أيها الناس: إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه، ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم.
إنه صلى الله عليه وسلم يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. يربيهم على ترك الكبائر كما يحذرهم من الصغائر . تلك التي تستهين بها الأنفس وتحقرها فتهلك الناس. فلا جرم أن ترى شياطين الإنس والجن يشجعون الناس عليها بدعوى أنها ليست خطيرة.
حرمة الزمان:
ثم قال صلى الله عليه وسلم: أيها الناس: إنّ النسيء «تأخير الأشهر الحرم» زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما، ليواطئوا عدة ما حرم الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات وواحد فرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان، ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد.
هنا ينبه صلى الله عليه وسلم لحرمة الأشهر الحرم ويحذر من العبث بها كما كان يفعل أهل الجاهلية الأولى حين كانوا يؤخرونها عن وقتها استخفافا بها وتحايلا عليها ليستمروا في القتال. أما أهل جاهلية العصر فلا خبر لهم بما هي الأشهر الحرم. ولا حرج عندهم في القتل في أي وقت ومكان.
وهنا كذلك تنبيه لقيمة الوقت وقدسيته.
الأَمَة عماد الأُمة:
ثم قال صلى الله عليه وسلم: أيها الناس: إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن الله أذن لكم أن تعظوهن، وتهجروهن في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرّح ، فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف. واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان «جمع عانية وهي الأسيرة» عندكم لا يملكن لأنفسهم شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، فاتقوا الله في النساء، واستوصوا بهن خيرا، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد.
يوصي صلى الله عليه وسلم بالنساء ويبين ما يجب عليهن من واجبات وما لهن من حقوق. حفظا للأسرة التي هي عماد الأمة. فإن ضاعت المرأة ضاعت الأسرة فضاعت الأمة.
العلاقات الإسلامية والإنسانية:
ثم قال صلى الله عليه وسلم: أيها الناس: إنما المؤمنون إخوة، ولا يحل لامرىء مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد، فلا ترجعنّ بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، فإني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله، وسنة نبيه.
هنا تأكيد على الأخوة الإسلامية وتحذير مما ينقضها من الظلم. وإرشاد لما يحفظها وهو الاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: أيها الناس: إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لادم، وادم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي إلا بالتقوى، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد.
هنا اجتثاث لما قد يبقى في النفوس من حمية الجاهلية وافتخارها بالآباء فيخبر أن رب الناس واحد وأباهم واحد وأن التقوى بها يتفاضل الناس عند الله .
قانون:
ثم قال صلى الله عليه وسلم: أيها الناس: إن الله قد قسم لكل وارث نصيبه من الميراث، وإنه لا وصية لوارث، ولا تجوز وصية في أكثر من الثلث. والولد للفراش، وللعاهر الحجر «الرجم»، ومن ادّعى إلى غير أبيه، أو تولّى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا
هذا تأكيد على قدسية أحكام الإرث. فالله سبحانه هو من قسم لكل وارث نصيبه . كل هذا حفظا للأسرة أن تعبث بها عقول أهل الأهواء .
شهادة وإبراء ذمة:
ثم قال صلى الله عليه وسلم: وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بأصبعه السبّابة يرفعها إلى السماء ويقلبها على الناس: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، والسلام عليكم ورحمة الله .
ونحن من بعدهم نقول: يا رسول الله نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. صلى الله عليك وسلم .ونقدم عذرنا إلى الله وإليك من كل تقصير فيما حملتنا من أمانة من بعدك. فاقبل عذرنا فما عودتنا إلا كل خير وكرم. جزاك الله خيرا وصلى وسلم عليك صلاة وتسليما دائمين كاملين ترضى بهما عنا.